تم تسليمها إليه كعقاب… لا كإنسانة
دمها يحمل اسما آخر عدوا قديما وإن الحقيقة لو خرجت للنور ستجعلها شرارة حرب لا تبقي ولا تذر.
حين انتهت شعرت كأنها نزعت قلبها ووضعته أمامه.
انتظرت.
النار تفرقع.
الليل يزداد عمقا.
والصمت بينهما صار حكما مؤجلا.
هو فهم فورا.
فهم أن القوانين لا ترحم ما يخيفها.
وفهم أن حمايتها تعني أن يصنف خائنا وأن يسحب اسمه من بين أسماء المحاربين.
تذكر نفسه حين أقسم يوما ألا يسمح لشيء أن يضعفه.
وتذكر كيف فعلت.
وقف ببطء وكأن القرار يعاد تشكيله داخله.
قال أخيرا دون أن ينظر إليها
كانوا محقين في شيء واحد وجودك اختبار.
ثم التفت وعيناه ثابتتان
وأنا اخترت.
في الصباح اجتمعت القبيلة.
لم يكن يوما عاديا حين يقف هذا الرجل في الساحة تسكت
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء
هي تحت حمايتي. ومن يراها تهديدا فليراني أولا.
انفجرت الساحة.
صرخات.
غضب.
وسيوف خرجت من أغمادها.
لم يتراجع.
لم يشرح.
السيف في يده كان أوضح من أي خطاب.
قاتل كما لم يقاتل من قبل.
لا بدافع المجد ولا بدافع الغضب بل بدافع الخسارة المحتملة.
كل ضربة كانت خوفا من أن تعود وحيدة.
كل خطوة كانت وعدا غير منطوق.
رأته يقاتل من أجلها لأول مرة في حياتها شعرت أن أحدا اختارها لا لأنها مفيدة بل لأنها هي.
وعندما انتهى كل شيء كان التراب ملونا بالدم.
سقط كثيرون.
والبقية تراجعوا ليس هزيمة بل إدراكا
في تلك الليلة لم يبق لهما مكان.
لم يتكلم كثيرا.
جمع ما يلزم.
وأشار إليها أن تتبعه.
غادرا القبيلة معا قبل أن يتحول الخوف إلى حقد وقبل أن تعاد كتابة القصة بطريقة أقسى. لم يلتفت أي منهما إلى الخلف فبعض الأماكن لا يغادر نصف مغادرة وبعض الجراح لا تداوى إن ظل صاحبها ينظر إليها. كانت خطواتهما ثابتة رغم التعب وكأن القرار الذي اتخذ أعطاهما وزنا جديدا على الأرض.
خلفهما خمدت النار.
ليست نار المعركة فقط بل نار الأحكام ونار القوانين التي لم تعرف الرحمة يوما. تركا وراءهما أسماء سقطت ووجوها ستضطر للتعايش مع حقيقة أنها خسرت أكثر مما ربحت.
وأمامهما امتد طريق لا يعرفان نهايته.
لم يكن طريقا ممهدا ولا وعدا
سارت بجواره دون أن تنكمش.
لأول مرة لم تخف من صوت خطواتها ولا من ظلال الليل. لم تعد تلك الفتاة التي تعلمت أن وجودها عبء ولا العقاب الذي تخلصوا منه كي يشعروا بالأمان. كانت إنسانة اختارها أحدهم وبذلك الاختيار ولدت من جديد.
أما هو فلم يعد المحارب الذي يختبئ خلف سيفه.
كان رجلا خسر قبيلته نعم لكنه ربح نفسه. تخلى عن صورة صنعت له ليحتفظ بشيء أكثر صدقا قلبه.
لم تكن عقابا كانت خلاصه.
ولم يكن وحشا كان إنسانا تجرأ على أن يقول لا حين قال الجميع نعم.
وهكذا بعيدا عن السيوف والنيران ولد الحب من رحم الخوف.
حب لا يطلب ضمانات ولا يخشى المجهول.
وعاشا معا قصة بدأت بالموت
وانتهت بالحياة.