لم يكن البئر مهجورًا كما ظنّ الجميع… وما اكتشفته امرأة مُسِنّة هناك حيّر الناس لسنوات طويلة
امرأة عجوزة ذهبت لتنظيف بئر مهجور في مزرعة
لم يكن ذلك بدافع الشجاعة ولا حب الاستطلاع بل لأن الحاجة كثيرا ما تدفع الإنسان إلى أماكن لا يختارها قلبه.
كانت تدعى سلمى نادر في الثانية والستين من عمرها تحمل على كتفيها ثقل سنوات طويلة من العمل والخسارة ولم يبق لها من الحياة سوى قدرتها على الوقوف كل صباح ومواجهة يوم جديد.
تقع المزرعة في أطراف سهل واسع قرب بلدة صغيرة تدعى عين السرو مكان لا تصل إليه الضوضاء إلا خافتة ولا يزوره الغرباء إلا نادرا.
كانت سلمى قد جاءت إلى هنا منذ أشهر بعد أن قبلت العمل خادمة لدى مالك المزرعة رجل مسن قليل الكلام يدعى فارس الكيلاني يعيش وحيدا في البيت الكبير منذ وفاة زوجته.
منذ الأيام الأولى شعرت سلمى أن المكان يحمل أكثر مما يظهر.
البيت نظيف لكنه بارد والممرات واسعة لكنها خالية من الدفء وكأن الجدران اعتادت الصمت حتى صار جزءا من بنائها.
أما المزرعة فكانت تمتد خضراء في النهار هادئة على نحو مريب لكن أطرافها الجنوبية بدت دوما معزولة لا يقترب منها أحد ولا تذكر في الأحاديث.
هناك بين شجرتي تين يابستين تقف البئر.
لم تكن البئر عميقة الظاهر لكنها بدت أقدم من الأرض التي تحيط بها.
حجارتها متشققة وفمها مغطى بلوح خشبي ثقيل وضع بإحكام لا يشبه الإهمال بل يشبه الإصرار.
سألت سلمى عنها مرة فجاءها رد فارس مقتضبا بلا شرح ولا تفصيل
اتركيها كما هي.
لم تلح.
تعلمت عبر السنين أن بعض الأسئلة لا تطرح ليس لأن الإجابة غير موجودة بل لأن ثمنها باهظ.
في ذلك الصباح كانت سلمى تنظف أطراف المزرعة استعدادا لزيارة محتملة من سماسرة الأراضي.
كانت الشمس باهتة والهواء محملا برطوبة
وحين وصلت إلى البئر توقفت دون أن تدري لماذا.
أزاحت اللوح الخشبي ببطء.
فاندفع من الداخل هواء بارد رطب كأن البئر لم تكن مغلقة بل كانت تحبس أنفاسها فقط.
شعرت سلمى بانقباض خفيف في صدرها إحساس غامض لم تستطع تفسيره لكنها نسبته إلى تعبها المعتاد.
ربطت الحبل حول خصرها وأشعلت المصباح الصغير الذي تحمله معها في الأعمال الصعبة.
وعندما وضعت قدمها على أول درجة حجرية أدركت أن هذا النزول لن يكون كأي عمل قامت به من قبل.
كان الضوء يتراقص على الجدران فيكشف آثار خدوش قديمة وعلامات باهتة لم تفهم معناها.
كل خطوة كانت تحدث صدى مكتوما يعود إليها متأخرا كأنه لا يخصها وحدها.
شعرت أن البئر تحتفظ بذكريات لا تقال وأنها لم تكن يوما مجرد مصدر ماء.
كلما نزلت ازداد الصمت ثقلا.
حتى صوت أنفاسها بدا غريبا دخيلا على المكان.
بعد مسافة بدت لها أطول مما هي عليه وصلت إلى منصة حجرية ضيقة.
وقفت تلتقط أنفاسها ثم رفعت المصباح.
أمامها انفتح ممر قصير محفور في الصخر وعلى حافته كلمات منقوشة بعمق غير متناسقة كتبت بيد لم تكن ثابتة
من ينزل إلى هنا لا يخرج خفيفا.
قرأتها مرة ثم أعادت قراءتها ببطء.
لم تشعر بالخوف بل بإحساس ثقيل يشبه الاعتراف كأن أحدهم ترك هذه الكلمات ليحذر نفسه قبل غيره.
دخلت الممر.
انتهى عند غرفة صخرية واسعة سقفها منخفض قليلا وأرضها غير مستوية.
وهناك توقفت خطواتها فجأة.
كانت الأرض مغطاة بأوراق قديمة متناثرة بلا ترتيب.
ليست سجلات رسمية ولا دفاتر منظمة بل قصاصات رسائل ناقصة صفحات ممزقة كتبت في أوقات مختلفة وبأيد مختلفة.
انحنت سلمى التقطت واحدة وقرأت سطرا واحدا فقط ثم توقفت.
شعرت
وكأنها لم تنزل إلى بئر مهجور
بل إلى قاع حكاية لم يكن مسموحا لها أن تروى.
لم تكن الكلمات واضحة كلها لكن معناها كان أثقل من أن يخطئه القلب.
جمل قصيرة متكسرة كأن من كتبها لم يكن يملك الوقت أو الشجاعة ليكمل أفكاره.
إشارات مبهمة إلى ليال صامتة وإلى خطأ لا يمكن إصلاحه وإلى صمت فرض على الجميع حتى صار عادة.
قرأت سلمى مقطعا بخط باهت
لو خرج هذا الأمر للنور سينهار كل شيء الأرض والبيت والأسماء.
رفعت رأسها فجأة كأنها شعرت بأن الجدران تقترب منها.
أعادت النظر حولها.
الغرفة لم تتغير لكن إحساسها بها تغير.
لم تعد مكانا مهجورا بل شاهدا صامتا كأنه حبس هنا ليحمل العبء وحده.
واصلت جمع الأوراق واحدة تلو الأخرى.
كل ورقة كانت تثقل كفيها أكثر رغم خفتها.
شعرت بأن المكان لا يريدها أن تتعجل كأنه يجبرها على القراءة على الفهم على تحمل ما لم يتحمله غيرها.
في زاوية بعيدة من الغرفة لاحظت صندوقا خشبيا صغيرا.
لم يكن مخفيا لكنه لم يكن واضحا أيضا كأنه وضع حيث لا تراه العين إلا إذا كانت تبحث.
اقتربت منه ببطء وجلست على ركبتيها.
كان الصندوق مغلقا بإحكام.
مرت أصابعها على سطحه الخشن وشعرت بخشونة الزمن عليه.
ترددت لحظة ثم فتحته.
لم يكن في داخله ما توقعت.
لا أوراق إضافية ولا أدوات بل أشياء شخصية متفرقة
سوار معدني صغير قطعة قماش مطوية بعناية ومفتاح قديم صدئ.
أشياء عادية لكنها هنا بدت فادحة.
أمسكت بالسوار.
كان ضيقا خفيف الوزن.
شعرت فجأة بأنه لم يكن لامرأة بالغة.
أعادتها هذه الفكرة خطوة إلى الوراء حتى اضطرت أن تسند ظهرها إلى الجدار الحجري.
لم تبك.
لم تصرخ.
كانت الدموع أكبر من أن
في تلك اللحظة أدركت سلمى أن ما بين يديها ليس مجرد بئر مهجور
بل ذاكرة كاملة حاول أصحابها دفنها
ليس خوفا من القانون
بل خوفا من أن ينظروا إلى أنفسهم في المرآة.
أغلقت الصندوق بهدوء كأنها تعيد للأشياء احترامها الأخير.
ثم جمعت الأوراق في قطعة القماش وربطتها بعناية.
لم تكن تعرف بعد ماذا ستفعل لكنها كانت متأكدة من شيء واحد
هذا المكان لا يجوز أن يبقى صامتا أكثر.
بدأت الصعود.
كانت الدرجات أثقل مما كانت عليه عند النزول.
ليس لأن جسدها تعب بل لأن المعرفة تضيف وزنا لا يرى.
تعثرت مرة فارتطم كتفها بالحجر لكنها تماسكت.
لم يكن الرجوع خيارا.
وعندما خرجت أخيرا إلى ضوء النهار شعرت كأنها تعود من زمن آخر.
جلست على الأرض لحظات تتنفس بعمق والهواء الخارجي يبدو غريبا على رئتيها.
رفعت نظرها فرأت فارس الكيلاني يقف على مسافة يراقبها بصمت.
لم تسأله كيف عرف.
لم تقل شيئا.
نهضت ببطء وحملت ما خرجت به من البئر وتقدمت نحوه.
وحين التقت عيناها بعينيه رأت فيهما ما لم تره من قبل
خوفا قديما
وخزيا لم يعد قادرا على الاحتمال.
وهنا
انتهى النزول
وبدأ الحساب.
لم يتكلم فارس الكيلاني فورا.
ظل واقفا مكانه كأن الأرض شدت قدميه إليها وكأن ما تحمله سلمى بين يديها أثقل عليه من أن يواجهه بالكلام.
كانت عيناه معلقتين بالقماشة الملفوفة لا بها هي وكأن النظر إليها قد يفضح ما حاول إخفاءه طوال عمره.
قال أخيرا بصوت منخفض
لم يكن عليك النزول.
لم تجبه.
مرت من جواره ودخلت البيت الكبير تاركة الباب الخشبي يغلق خلفها ببطء ذلك الإغلاق الذي بدا أشبه بحكم لا رجعة فيه.
وضعت ما وجدته على الطاولة العتيقة في غرفة الجلوس ثم
ظل فارس واقفا.
لم يقترب.
كأنه يخشى أن تلسعه الحقيقة إن اقترب منها أكثر.
قالت سلمى