لم يكن البئر مهجورًا كما ظنّ الجميع… وما اكتشفته امرأة مُسِنّة هناك حيّر الناس لسنوات طويلة
أخيرا دون أن ترفع صوتها
البئر لم يكن مهجورا كما تظن.
ارتجف فكه.
حاول أن يتماسك لكنه فشل.
جلس على الكرسي المقابل ومرر يده على وجهه كمن يزيل عنه سنوات من التمثيل.
قال
كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي فقط لم أتوقع أن يكون على يديك.
لم تسأله ماذا حدث.
لم تقل من أو متى
كانت تعرف أن الأسئلة أحيانا تخفف الذنب بدل أن تكشفه وهي لم تأت لتخفيف شيء.
أخرجت السوار من القماشة ووضعته أمامه.
تراجع قليلا كأن المعدن الصغير صفعه.
قال بصوت مبحوح
كانت ابنة أخي.
ساد الصمت من جديد.
ثم تابع وكأن الكلمات تنتزع منه انتزاعا
جاءت لتعيش معنا فترة كانت ترى أشياء لا نفهم كيف رأتها. سمعت حديثا لم يكن يجب أن تسمعه. قالت إنها ستخبر
توقف.
لم يستطع الإكمال.
قالت سلمى بهدوء قاتل
فقررتم أن تصمت إلى الأبد.
أومأ برأسه لا نفيا ولا اعترافا كاملا بل استسلاما.
قال
لم أكن وحدي لكنني الوحيد الذي بقي.
نظرت إليه طويلا.
لم تر وحشا ولا رجلا شريرا بالصورة السهلة التي يحبها الناس.
رأت إنسانا اختار الخطأ مرة ثم ظل يكرره كل يوم بالصمت.
قالت
دفنتم الجسد لكنكم تركتم الحقيقة حية.
تنهد فارس بعمق.
قال
ظننت أن الزمن
ردت
الأرض لا تبتلع الذنب. فقط تحفظه.
نهضت من مكانها.
لم تكن تفكر في الشرطة ولا في الفضائح ولا في الانتقام.
كانت تفكر في شيء واحد
أن هناك روحا انتظرت عقودا لتسمع.
قالت
سأخرج ما في البئر.
انتفض فجأة
لا!
نظرت إليه بثبات
ليس لك حق الاعتراض.
قال بصوت مرتجف
سيموت اسمي. سينتهي كل شيء.
أجابت
كان يجب أن ينتهي منذ زمن.
خرجت من الغرفة تاركة إياه وحيدا مع ما تبقى من عمره.
وفي تلك الليلة لم يغمض لسلمى جفن.
لم يكن الخوف ما أبقاها مستيقظة بل شعور ثقيل بالمسؤولية كأنها أصبحت حارسة لسر لم تطلبه لكنها لا تستطيع التخلي عنه.
مع أول ضوء للفجر عادت إلى البئر.
لم تنزل هذه المرة.
وقفت عند الحافة تنظر إلى الظلام في الأسفل وقالت بصوت خافت
سأخرجك ولو بعد حين.
وكانت تعلم في أعماقها
أن الفصل الأخير لن يكون سهلا
وأن الحقيقة حين تصعد من الأعماق
لا تكتفي بأن تروى
بل تطلب ثمنا.
لم تستدع سلمى أحدا في ذلك الصباح.
لم تخبر الجيران ولم تطرق باب الشرطة ولم تبحث عن شاهد يشاركها العبء.
كانت تعرف أن بعض الحقائق لا تحتاج جمهورا بل شخصا واحدا شجاعا يكفي.
أحضرت
حبلا جديدا دلوا معدنيا ومصباحا أقوى من السابق.
لم تنظر إلى البيت حين مرت بجواره ولم تلتفت إلى النافذة التي تعلم أن فارس يقف خلفها.
لم يعد له دور في ما سيحدث.
نزلت إلى البئر مرة أخرى.
لكن النزول هذه المرة كان مختلفا.
لم يكن ارتجاف الخوف حاضرا بل ثقل القرار.
كل خطوة كانت كأنها توقيع صامت على عهد لا رجعة فيه.
عند القاع لم تبدأ بالبحث العشوائي.
كانت تعرف المكان تقريبا.
الزاوية التي وضعت فيها الأوراق حيث حاول الزمن أن يخفف أثر الجريمة دون أن ينجح.
وبعد دقائق من الحفر البطيء اصطدم الدلو بشيء صلب.
توقفت.
أغلقت عينيها لحظة ثم تابعت.
لم يكن مشهدا دراميا كما تصوره القصص.
لا عظام كاملة ولا هيكلا واضحا.
كان بقايا
أشياء صامتة لا تصرخ لكنها تدين.
قطعة قماش صغيرة متحللة.
زر مكسور.
وشيء أخير جعل أنفاسها تتقطع
مشبك شعر بسيط صدئ لكنه لا يزال محتفظا بشكله.
جلست على الأرض.
لم تلمس شيئا.
فهمت أن الاكتشاف وحده كاف.
صعدت ببطء وهي تحمل الدلو.
وعندما خرجت إلى النور لم تجد فارس في انتظاره.
كان البيت مغلقا والهدوء أثقل من المعتاد.
دخلت لتضع ما وجدته على الطاولة.
لم تصرخ باسمه.
لم يكن هناك داع.
وجدته في الغرفة المجاورة جالسا على السرير يحدق في الفراغ.
بجانبه ورقة واحدة.
قرأتها دون أن تسأله.
لم تكن اعترافا رسميا ولا طلب غفران.
كانت جملة واحدة فقط
كنت أظن أن الصمت سيحميني لكنه لم يفعل.
لم تنظر إليه طويلا.
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
في ذلك اليوم لم تعلن القصة في الصحف ولم تتحول إلى حديث البلدة فورا.
لكن ما يحدث ببطء يترسخ أكثر.
بعد أيام جاءت الجهات المختصة.
لم تذكر الأسماء كثيرا.
لم ترو التفاصيل كلها.
لكن البئر أغلق رسميا لا كمهجور بل كموقع حسم أمره.
وسلمى
لم تعد إلى المزرعة.
اختارت أن ترحل بهدوء كما جاءت.
لم تأخذ معها شيئا سوى حقيبة صغيرة وثقل خف قليلا عن صدرها.
في البلدة المجاورة جلست ذات مساء أمام امرأة شابة تعمل في الأرشيف وسلمتها الأوراق التي وجدتها.
قالت لها فقط
هذه ليست قصتي لكنها لم تعد سرا.
بعد أشهر مرت سلمى بالمزرعة صدفة.
كانت البوابة مغلقة والبيت خاليا.
الأرض نفسها لكنها لم تعد تحمل الصمت ذاته.
توقفت لحظة نظرت إلى البئر من بعيد ثم أكملت طريقها.
لم تكن بطلة.
لم تنقذ أحدا حيا.
لكنها فعلت ما هو أصعب
أعادت
وهناك
في عمق الأرض
تعلمت الأشياء المدفونة درسا أخيرا
أن الزمن قد يؤجل الحساب
لكنه لا يلغيه أبدا.