فقدت والديها في سن 14 فظنّت أن فتىً فقيرًا أنقذها ولم تعلم أنه كان الكابوس

لمحة نيوز

تستطيع أحلامك أن تسكنه.
لمست عائشة الدفتر كما لو كان شيئا هشا يمكن أن ينكسر عند أول حركة.
لم يعطها أحد شيئا منذ شهور.
لم يفكر أحد حتى أنها تحتاج إلى شيء.
فتحت الصفحة الأولى.
بيضاء.
فارغة.
تنتظر.
تماما مثل حياتها.
همست 
ماذا أكتب
أجاب موسى بصوت منخفض 
اكتبي ألمك الألم أكثر أمانا على الورق منه داخل صدرك.
فكتبت.
كل ليلة.
كل حزن.
كل جرح.
كانت دموعها تسقط على الصفحات لكنها لم تطمس الكلمات بل جعلتها أثقل أصدق.
وكان موسى يجلس إلى جانبها دائما صامتا حين تحتاج الصمت ومتحدثا حين تحتاج أن تشغل عن أفكارها.
أصبح الشخص الوحيد الذي تثق به.
لكن شيئا آخر بدأ ينمو بينهما
شيء أكبر وأقوى وأكثر خطورة من الأمل.
الاعتماد.
ثم جاءت الليلة التي تغير فيها كل شيء.
خرجت عائشة كعادتها خلف المنزل لكن موسى لم يكن هناك.
لأول مرة.
شعر قلبها بالذعر.
انتظرت عشر دقائق
ثم عشرين
ثم ساعة كاملة.
لكن لم يأت.
اشتد الظلام
وتحول الخوف في صدرها إلى شيء حاد يؤلم.
بدأت تبحث عنه خلف الدكاكين قرب المجاري حول الكشك المهجور الذي كان يسميه بيته.
ثم رأته.
كان ممددا خلف جدار الكشك.
مضروبا.
مكدما.
يكاد لا يتنفس.
تجمدت عائشة في مكانها
ثم ركضت وسقطت على ركبتيها قربه.
موسى موسى! همست وصوتها يرتجف.
كانت شفتاه تنزفان
إحدى عينيه متورمة حتى أغلقت
قميصه ممزق
ويداه ترتجفان.
من فعل هذا
بك سألت وهي تختنق بالبكاء.
سعل موسى وابتلع الألم ثم قال بصوت متقطع 
الشبان شبان المفترق
قالوا إنني أسرق منطقتهم
أرادوا أشيائي
خبزي
نعالي.
شعرت عائشة بشيء ينكسر داخلها.
قالت بانفعال 
لماذا لم تهرب!
نظر إليها بعين واحدة متورمة لكنها ما زالت ناعمة كما عرفتها وقال لأنني كنت أنتظرك.
توقف نفسها تلك الكلمات الخمس جرحتها أعمق من أي إهانة تلقتها في حياتها.
وضعت رأسه في حجرها ومسحت وجهه بوشاحها وفي تلك اللحظة أدركت حقيقة مرعبة.
لم تعد مجرد متعلقة به بل أصبحت تحتاجه.
والحاجة إلى شخص في عالم يمكن أن ينتزع فيه كل شيء منك خطر خطر شديد.
جاء الخطر أسرع مما توقعت.
في المساء التالي عثرت خالة عائشة على الدفتر الدفتر الذي أعطاه لها موسى الدفتر الذي خبأت فيه ألمها.
انهالت الصفعة على وجهها بقوة حتى ارتجت الجدران.
صرخت الخالة بغضب أعمى تلتقين بالأولاد خلف بيتي! يا عديمة الحياء! يا من ستجلبين العار!.
سقطت عائشة أرضا وهي تحتضن الدفتر لا يا خالتي ليس كما تظنين.
لكن صفعة أخرى قطعت كلماتها ثم شتائم ثم ركلة في أضلاعها.
وعندما انتهت خالتها كانت عائشة عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها.
في تلك الليلة زحفت عائشة خارج المنزل تمسك بطنها ودموعها تحرق عينيها.
شهق موسى عندما رآها عائشة! من فعل هذا بك.
قالت بصوت مكسور خالتي قالت إنني بلا قيمة إنني يجب أن أموت وإن لقائي
بك يجعلني نجسة.
انقبض فك موسى وقال بهدوء مؤلم إن كان لقاؤك بي يؤذيك سأتوقف عن المجيء.
ارتجفت عائشة وأمسكت بيده بقوة لا! إن رحلت فلن يبقى لي شيء.
تجمد موسى تلاقت عيناهما روحان مكسوران يتشبثان ببعضهما لأن العالم حاول سحقهما.
لكن حين تتعلق القلوب اليائسة بشدة فإنها تنزف.
قال موسى بصوت خافت عائشة إن بقينا هنا فسيقتلنا هذا المكان.
رفعت رأسها ببطء ماذا تقصد.
تنفس بعمق وقال أقصد نهرب.
خفق قلبها بعنف موسى نحن مجرد طفلين.
قال لكن بألم قديم والألم القديم يكبر صاحبه.
ارتجفت الهروب يعني حرية لكنه يعني أيضا خطرا.
شوارع جوعا خوفا لكن البقاء كان موتا بطيئا.
قالت بصوت مرتعش وأين سنذهب.
أجبر نفسه على ابتسامة صغيرة حزينة حيثما أدركنا الليل.
اغرورقت عيناها بالدموع أمل خوف شيء يشبه الحب اختلط في صدرها.
كانت النجوم فوقهما صامتة لكن قلبيهما لم يكونا كذلك.
قال موسى وهو يمسك يدها برفق اختاريني يا عائشة ولن أتركك أبدا.
لم تكن تعلم أن هذا الاختيار وهذا الوعد وهذه اللحظة ستنقذ حياتها لكنها ستدمر موسى.
لم تنم عائشة تلك الليلة تمددت على الحصير البارد تحتضن الدفتر الذي أعطاه لها موسى وتعيد كلماته.
اختاريني ولن أتركك.
مع الفجر كانت قد اتخذت قرارها.
حين نام الجميع في البيت جمعت أغراضها في كيس بلاستيكي.
فستانان قديمان مشط شعر مكسور.
الدفتر وقلم رصاص صغير كان موسى يشحذه
لها دائما.
خرجت كظل وكان موسى ينتظرها خلف المنزل.
لكن شيئا ما كان مختلفا.
قميصه أنظف من المعتاد شعره أكثر ترتيبا.
ونعاله جديد ليس الممزق الذي عرفته.
أما عيناه فلم تكونا ناعمتين تلك الليلة.
كانتا حادتين متيقظتين غريبتين.
قفز قلبها موسى.
ابتسم لكن تلك لم تكن ابتسامته التي تعرفها.
قال هل أنت مستعدة.
ترددت لكنها أومأت.
سارا بصمت في شوارع الفجر المغبرة.
نباح كلاب صوت مولد بعيد العالم نصف نائم نصف مستيقظ.
عندما وصلا إلى المفترق شد موسى يدها فجأة يجب أن نسرع.
كان صوته مختلفا مستعجلا غير مألوف.
قالت بخوف موسى لماذا أنت.
لكنها لم تكمل.
اقتربت سيارة سوداء ببطء نوافذ مظللة محرك يهمس كتهديد.
تجمدت عائشة.
انخفض الزجاج الخلفي وفي الداخل رجل أنيق بارد النظرات.
ساعة ثمينة تلمع في معصمه وجه لم تره من قبل.
لكن موسى رآه فتقدم خطوة وخفض رأسه قليلا.
تجمد دم عائشة موسى ما الذي يحدث.
قال الرجل بصوت ناعم قاتل إذن هذه هي الفتاة.
أومأ موسى نعم هي التي أردتها.
توقف العالم التي أردتها تكسرت داخلها.
موسى ماذا تقول.
لم ينظر إليها ولا مرة.
فتح الرجل باب السيارة أحضرها.
تراجعت عائشة وهي ترتجف موسى! قل إن هذا مزاح!.
لكن موسى أمسك معصمها بقسوة.
قال ببرود توقفي عن المقاومة سيكون الأمر أسوأ إن هربت.
تشقق صوتها لماذا قلت إنك تفهم ألمي!.
شد فكه الألم لا يطعمك ولا يمنحك
مأوى ولا يبقيك حيا.
ثم نظر إليها أخيرا بلا أي لين.
كانت نظرته فارغة باردة متعبة.
قال لم تكوني يوما صديقتي يا عائشة.
تحطم قلبها.
كنت
تم نسخ الرابط