امرأة نزلت لتنظّف بئرًا مهجورًا… فعادت بحقيقةٍ كانت مدفونة لعقود
عندما قررت النزول
في صباح شاحب من شتاء عام 2003 وقفت إيلينا ماركوڤ في فناء البيت الريفي المهجور تحدق في البئر الحجرية التي تتوسط الأرض كندبة قديمة لم تلتئم.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تراها لكنها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن البئر تراها هي أيضا.
إيلينا لم تصل إلى هذا المكان بدافع الفضول بل بدافع الضرورة.
في السابعة والستين من عمرها وبعد سنوات طويلة من العمل القاسي والخسارات المتراكمة لم يعد لديها ما تخشاه. فقدت زوجها وتفرق أولادها وضاقت بها المدينة حتى لفظتها إلى هذا الريف البعيد حيث قبلت وظيفة متواضعة رعاية منزل عائلة غنية لم تطأه قدم منذ زمن.
منذ يومها الأول لاحظت أن البئر موضوع صامت في البيت.
لا أحد يذكرها.
ولا أحد يقترب منها.
كانت الحجارة التي تحيط بها داكنة اللون ملساء بفعل الزمن والحبل القديم ما زال معلقا متآكلا لكنه صامد كأن يدا ما رفضت أن تقطعه.
في ذلك الصباح تغير الهواء.
شعرت إيلينا بأن الرطوبة أثقل من المعتاد وأن الريح تحمل معها رائحة لا تشبه الطين ولا الماء بل شيئا أقدم شيئا يشبه الذكريات العالقة.
اقتربت خطوة.
ثم أخرى.
لا تعلم لماذا فعلت ذلك.
ربما لأن الخوف تآكل في داخلها مع مرور السنين أو لأن حياتها فوق الأرض لم تعد تحمل ما يستحق التمسك به.
عادت إلى الداخل وأحضرت مصباحا يدويا وجدته في غرفة التخزين.
ثم وقفت أمام البئر مرة أخرى.
عندما وضعت قدمها على الدرجة الحجرية الأولى شعرت بأن الهواء تغير فجأة كأنها عبرت حدا غير مرئي.
كان الهواء الصاعد من جوف البئر باردا مشبعا بأنفاس الزمن وكأن المكان لم يكن مهجورا قط
أمسكت بالحبل بيدها اليسرى وبالمصباح في يدها اليمنى.
كان الضوء يتراقص على الجدران فتتشكل ظلال غير منتظمة تتحرك معها وتسبقها أحيانا كأنها دليل صامت.
كل درجة نزلتها كانت تصدر صدى مكتوما يعود إليها بعد لحظة لا كصوت خطواتها فقط بل كصوت خطوات أخرى سبقتها منذ زمن بعيد.
شعرت بأن البئر تحفظ الذكريات وأنها لا تنسى من مر بها.
راحت تهمس بدعاء قديم بالكاد تسمع صوته.
لم تكن تخشى الظلام بل ما قد يكشفه.
بعد وقت لم تستطع تقديره وصلت إلى منصة حجرية صغيرة.
وقفت تلتقط أنفاسها وكان صوت تنفسها يرتد من الجدران كاعتراف ثقيل.
أمامها انفتح ممر ضيق محفور في الصخر بعناية متقنة.
وفوق مدخله مباشرة كانت هناك كلمات منقوشة بخط غليظ غير منتظم كتبت بيد مرتعشة
من ينزل إلى هنا يحمل ثقل السر.
قرأت العبارة مرة ثم ثانية.
لم تشعر بالخوف.
شعرت بأنها رسالة كتبت لها تحديدا وكأن الزمن بأكمله كان ينتظر هذه اللحظة.
في هذا العمر وبعد حياة أنهكها الفقد والوحدة ماذا بقي لتخسره
دخلت الممر.
كان الصمت مطبقا لا يكسره سوى احتكاك حذائها بالحجارة.
كل خطوة كانت تبعدها أكثر عن العالم الذي تعرفه وتقربها من شيء لم تسمه بعد.
انتهى الممر عند درج حجري آخر.
نزلته ببطء حتى وصلت إلى حجرة واسعة دائرية الشكل بدت كقبر صخري نحت بعناية مريبة.
أول ما لفت نظرها كان الورق.
أوراق صفراء متناثرة على الأرض متآكلة الأطراف لكنها ما زالت مقروءة.
اقتربت التقطت واحدة ورفعت المصباح.
كانت الكلمات واضحة مرتبة باردة
التاريخ 12 مايو 1981
الاسم دانيال روسي
العمر 9 سنوات
السبب شاهد ما لا يجب أن يشاهد
الخاتمة
توقف قلبها لحظة.
التقطت ورقة أخرى.
التاريخ 3 نوفمبر 1976
الاسم كلارا بينيتي
العمر 29 عاما
السبب حاولت الرحيل
الخاتمة أخفي أثرها.
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
لم تكن هذه مذكرات.
كانت سجلا
سجلا لأرواح أخذت من الحياة ظلما.
وعندها رأت الصندوق.
صغيرا خشبيا موضوعا في زاوية الحجرة كأنه قلب المكان.
تقدمت نحوه ببطء.
مدت يدها
وترددت.
لم تكن تعلم أن فتحه سيغير كل شيء.
ترددت يد إيلينا لحظة فوق غطاء الصندوق الخشبي.
لم يكن التردد خوفا بل إحساسا غامضا بأن ما ستراه لن يتركها تعود كما كانت.
ومع ذلك دفعت الغطاء ببطء.
انفتح الصندوق بصوت خافت كأنه زفرة طويلة حبست لسنوات.
وفي داخله استقر الذهب.
لم يكن مكدسا بعشوائية بل مرتبا بعناية سبائك صغيرة عملات قديمة وحلي باهتة فقدت بريقها الأصلي لكنها ما زالت تشع بلمعان أصفر قاس لا دفئ فيه.
انعكس الضوء على الجدران الحجرية فبدت الحجرة كأنها اشتعلت فجأة.
في لحظة عابرة تسللت فكرة إلى عقلها.
لو أخذت هذا الذهب
لو خرجت به من هنا
لما عادت امرأة منهكة في نهاية العمر بل إنسانة قادرة على استعادة شيء من الحياة بيت دافئ علاج لآلام جسدها وربما رحلة أخيرة لزيارة أبنائها الذين تباعدت بينهم المسافات حتى صاروا غرباء.
لكن يدها توقفت.
وقعت عيناها على ورقة كانت ما تزال بين أصابعها لم تكن قد انتبهت لها من قبل.
قربت المصباح وقرأت
التاريخ 21 يوليو 1984
الاسم لوكا فيريتي
العمر خمس سنوات
السبب وجد في المكان الخطأ
الخاتمة انتهى.
خمس سنوات.
شعرت إيلينا وكأن شيئا انطفأ داخلها.
لم يعد الذهب ذهبا.
صار شاهدا.
صار
أغلقت الصندوق بقوة فارتطم الغطاء بجوانبه واهتز المصباح في يدها.
ارتد الصدى في الحجرة كأنه احتجاج صامت.
وقفت وأخذت نفسا عميقا.
كان الهواء أثقل من قبل كأن المكان يرفض أن يغلق سره مرة أخرى.
جمعت الأوراق المبعثرة واحدة تلو الأخرى.
كانت كثيرة.
أكثر مما توقعت.
كل ورقة تحكي قصة قصيرة لكنها مجتمعة شكلت تاريخا كاملا من الظلم أجيالا أسكتت وأسماء مسحت من الوجود.
عندما انتهت شعرت أن ظهرها انحنى تحت وزن غير مرئي.
ليس وزن الورق
بل وزن المعرفة.
بدأت الصعود.
كانت الدرجات أطول مما بدت عليه عند النزول.
كل خطوة كانت معركة مع التعب ومع شعور خفي بأن الظلام يحاول شدها إلى الداخل كأن البئر لا تريد أن تفقد من كشف سرها.
تعثرت مرة فارتطم ركبتها بالحجر.
تألمت لكنها واصلت.
لم يكن الرجوع خيارا.
عندما خرجت إلى الفناء سقطت على الأرض للحظة.
الهواء البارد ضرب وجهها بقسوة لكنه بدا نقيا على نحو مؤلم.
استغرقت دقائق قبل أن تستعيد قدرتها على الوقوف.
كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دفعت باب البيت الكبير ودخلت.
خطواتها كانت بطيئة كأن كل خطوة تجر خلفها تاريخا كاملا.
وجدت أندريا كولومبو جالسا في غرفة الطعام يطالع بعض الأوراق.
كان رجلا في أواخر الخمسينيات ملامحه هادئة وملابسه أنيقة على نحو لا ينسجم مع عزلة المكان.
هو آخر وريث للعائلة التي امتلكت هذا البيت والأرض منذ عقود.
رفع رأسه عندما رآها ولاحظ على الفور شحوب وجهها.
هل أنت بخير
لم تجبه.
مدت يدها ووضعت الأوراق أمامه.
نظر إليها باستغراب ثم بدأ القراءة.
في البداية لم يتغير شيء في ملامحه.
ثم بدأت التجاعيد حول عينيه
توقف.
أعاد قراءة سطر.
ثم سطر آخر.
ساد الصمت.
كان صمتا كثيفا ثقيلا حتى إن إيلينا شعرت أنه يضغط على صدرها.
وأخيرا رفع