امرأة نزلت لتنظّف بئرًا مهجورًا… فعادت بحقيقةٍ كانت مدفونة لعقود

لمحة نيوز

رأسه.
بدا كأنه كبر عشر سنوات في دقائق معدودة.
وضع يده على جبينه وأغمض عينيه.
هذا هذا مستحيل.
كان صوته متحشرجا.
لم أكن أعرف. أقسم لك لم أكن أعرف شيئا عن هذا.
لم تقل شيئا.
لم تكن هناك كلمات مناسبة.
في اليوم التالي لم يعد البيت هادئا.
وصلت الشرطة.
ثم رجال من البلدية.
ثم خبراء حفر.
ثم الصحافة.
ثم الجيران واحدا تلو الآخر كأن الأرض نفسها استدعتهم.
تحول المكان إلى مشهد يشبه كشف مقبرة جماعية في زمن حرب منسية.
بدأوا الحفر.
وأخرجوا ما دفن طويلا.
عظام.
بقايا ملابس.
أشياء صغيرة كانت ذات يوم حياة كاملة.
عندما خرجت أول جثة سرت في المكان رائحة ثقيلة ليست رائحة موت بل رائحة تاريخ أخفي بالقوة.
كأن الأرض تصرخ ها نحن هنا.
وقفت إيلينا بعيدا.
لم تبك.
كانت عيناها دامعتين لكن قلبها كان ثابتا.
شعرت أن الأرواح التي كتبت أسماؤها على تلك الأوراق لم تعد وحيدة.
أما أندريا فوقف أمام الجميع مرفوع الرأس.
وعندما سأله أحد الصحافيين إن كان يخشى الفضيحة قال بصوت واضح
الخوف الحقيقي هو أن ندفن هذا مرة أخرى.
هؤلاء بشر.
وسأعيد لكل واحد منهم اسمه وكرامته.
وفي تلك اللحظة أدركت إيلينا أن نزولها إلى البئر
لم يكن مصادفة
بل بداية.
لم يعد البيت الريفي كما كان.
الجدران التي عاشت عقودا في صمت صارت تسمع خطوات الغرباء وأسئلة الصحافيين وهمسات الجيران الذين لم يعودوا قادرين على تجاهل ما خرج إلى العلن.
لكن أكثر ما تغير كان الأرض نفسها.
تحولت الحقول الهادئة إلى مساحة عمل مفتوحة.
خيام مؤقتة أدوات حفر شواهد خشبية صغيرة تحمل أرقاما بدل الأسماء في انتظار التعرف عليها.
وكان كل رقم وعدا غير مكتمل وكل حفرة اعترافا متأخرا.
أوفى أندريا كولومبو بوعده.
لم يحاول المراوغة ولم يبحث عن أعذار تخفف وطأة الماضي.
فتح أرشيف العائلة بالكامل سلم الوثائق ووقع على كل إذن مطلوب وكأن ما يفعله ليس واجبا قانونيا فقط بل تكفيرا صامتا عن ذنب لم يرتكبه لكنه ورث ثقله.
أما الذهب فلم يخفه ولم يبيعه سرا.
استخدمه علنا.
بنيت مقبرة صغيرة في طرف الأرض بعيدة عن البئر وكأنها قطيعة مقصودة مع موضع الجريمة.
أحيطت بسور منخفض وزرعت أشجار سرو وزيتون ووضعت شواهد حجرية بسيطة نقشت عليها الأسماء بعد التعرف على أصحابها أو كتبت عبارة واحدة حين تعذر ذلك
إنسان لم ينصفه زمنه.
في يوم الافتتاح حضر الناس من القرى المجاورة.
لم يكن المشهد
احتفالا بل وقفة صامتة.
وقفوا احتراما لا فضولا.
كانت إيلينا تقف إلى جوار أندريا على مسافة خطوة واحدة منه.
لم تكن تشعر بأنها غريبة عن المكان ولا بأنها مجرد شاهدة.
كانت تعلم في أعماقها أن كل ما حدث بدأ بخطوتها الأولى إلى البئر.
نظر إليها أندريا وقال بصوت منخفض
لولاك لبقي كل هذا مدفونا.
أجابت بهدوء
لو لم يكن مستعدا للظهور لما سمح لي بالنزول.
بعد انتهاء الضجيج عاد البيت إلى هدوء مختلف.
لم يعد صمتا خانقا بل سكونا يشبه الراحة بعد البكاء.
بدأت علاقة جديدة تنمو بينهما دون تخطيط أو وعود.
لم تكن علاقة شغف مفاجئ بل تقارب روحين أنهكتهما الحياة وجمعتهما الحقيقة.
كان أندريا يجلس معها كل صباح في الشرفة يعد لها القهوة بنفسه ويحدثها عن طفولته في هذا البيت عن أم كانت تعرف الكثير لكنها صمتت وعن أب مات دون أن يشرح شيئا.
وكانت إيلينا تحكي عن سنوات الفقد عن ليال نامت فيها بلا عشاء وعن أولاد فرقتهم الحاجة لا القسوة.
كانت الكلمات تنساب بلا تكلف.
لم يكن بينهما ما يخفى.
وذات مساء بينما كانت الشمس تغيب خلف الحقول صبغت السماء بلون أرجواني هادئ نظر أندريا إليها نظرة طويلة ثم قال
هذا البيت لم
يعرف الدفء منذ سنوات.
توقف لحظة ثم أضاف
وأنا أيضا.
لم تجبه.
انتظرت.
قال بصوت أقرب إلى الاعتراف
لا أريدك أن تكوني هنا كعاملة.
أريدك أن تبقي كشريكة حياة.
تجمدت الكلمات في حلقها.
لم تتوقع أن تسمع عرضا كهذا في هذا العمر بعد أن ظنت أن الحياة أغلقت أبوابها جميعا.
لكن عينيه كانتا صادقتين بلا استعجال بلا شفقة.
قالت بصوت مبحوح
في هذا العمر
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
العمر يقيس الجسد لا القلب.
لم يكن الزواج احتفالا كبيرا.
كان بسيطا دافئا أشبه بتوقيع صلح مع الحياة.
حضر قلة من الناس لكن المكان امتلأ بما يكفي من الأمل.
مرت السنوات.
كبر الحب بينهما دون ضجيج.
كانا يجلسان كل صباح على الشرفة يراقبان الحقول الخضراء ويتذكران كيف بدأ كل شيء بدرج حجري مظلم وبئر ظن الجميع أنها ميتة.
وذات مساء أمسك أندريا بيدها وسألها
لو عاد بك الزمن هل كنت ستنزلين إلى البئر مرة أخرى
نظرت إليه طويلا ثم ابتسمت ابتسامة تحمل كل ما مر بها من ألم وامتنان وقالت
نعم.
لأنني لو لم أنزل لما خرجت الحقيقة إلى النور
ولما وجدتك.
كانت البئر ما تزال هناك في الفناء.
لكنها لم تعد مخيفة.
أغلقت بحجر جديد لا لإخفاء سر بل لأن
السر قال كلمته أخيرا.
وهكذا انتهت حكاية بدأت في ظلام عميق
لكنها لم تنته بالدفن
بل بنور لا يطفأ.

تم نسخ الرابط