قصة حقيقية حدثت في الأردن
توفي رجل وترك زوجة شابة وابنا رضيعا....
حضر العم وأبدى استعداده لتبني وتربية إبن أخيه والقيام على ممتلكاته...
لم يكن الموت في ذلك اليوم مجرد خبر عابر بل كان انهيارا بطيئا لعالم صغير لم يكتمل بعد. الزوجة الشابة جلست بجوار رضيعها تحدق في ملامحه وكأنها تبحث فيه عن ملامح أبيه الغائب عن أي وعد بالحماية. كانت لا تزال تتعلم كيف تكون زوجة فإذا بها تجبر على أن تكون أما وأبا معا في بيت خفت صوته وغابت عنه الضحكات.
جاء العم في الأيام الأولى للعزاء ثابت الخطى قليل الكلام يحمل ملامح الوقار. جلس أمام الأرملة وتحدث عن الأخوة وعن الواجب وعن أن الدنيا لا ترحم الضعفاء. قال إن الطفل أمانة في عنقه وإنه لن يترك ابن أخيه يضيع. بدا حديثه منطقيا دافئا كأنه طوق نجاة ألقي لامرأة تغرق.
تحدث عن الممتلكات عن المال الذي تركه الأب وعن ضرورة إدارته بحكمة حتى يكبر الطفل. شرح لها أن التوكيل إجراء قانوني لا أكثر يسهل الأمور ويحمي حق الصغير. كانت تستمع بعينين متعبتين وقلب مثقل بالخوف.
وقعت.
وقعت وهي تبكي لا طمعا في شيء بل ثقة في الدم وفي كلمة عم. لم تكن تعلم أن بعض الأوراق حين توقع لا تسحب معها الحبر فقط بل تسحب معها العمر كله.
بدأ العم يتصرف في ممتلكات الطفل كمالك فعلي. باع أرضا بحجة الاستثمار ثم باع أخرى بحجة الخوف من الخسارة. كانت الأرملة تسأل أحيانا فيطمئنها ثم صار يختفي فترات أطول. إلى أن جاء اليوم الذي لم يعد فيه إطلاقا. سافر إلى أمريكا وأغلق خلفه كل الأبواب.
في الغربة بدأت حياة جديدة له. لم يكن المال الذي أخذه قليلا بل كان كافيا ليضع قدمه على أول الطريق. عمل ثم تزوج من امرأة أمريكية ذكية عملية لا ترى في المال سوى أداة للنمو. ساعدته في الدخول إلى عالم التجارة وفتحا معا مشروعا صغيرا لبيع السيارات.
كبر المشروع وتضاعفت الأرباح وتحول المال إلى ثروة ثم إلى مليارات. صار اسمه معروفا وشركته تكبر عاما بعد عام بينما كان المال الأصلي يبتعد أكثر عن
في الأردن كانت الأرملة تعيش حياة أخرى. فقر صامت وكرامة متمسكة بما تبقى. عملت في بيوت الناس وخاطت ونظفت وربت طفلها على الصبر. لم تمد يدها ولم تشك. كانت تقول لابنها وهو يكبر الحق ما بيضيعش بس بيستنى.
أكرمها الله بأهل خير تكفلوا بتعليم ابنها اليتيم. كان ذكيا مجتهدا يحمل في داخله سؤالا لا يجرؤ على نطقه أين مال أبي وأين عمي لكنه كان يكتمه احتراما لأمه وخوفا من كسر قلبها.
مرت خمسة عشر سنة. عاد العم إلى الأردن محملا بالأموال وبثقة المنتصر. اشترى أرضا واسعة في أم أذينة وبنى فيلا فاخرة وأطلق مشروعا عالميا لبيع السيارات. ذاع صيته في البلاد وصار مثالا للنجاح في أعين الناس.
وفي يوم ما وقف شاب أمام بوابة الفيلا. لم يكن متسولا بل صاحب حق. دخل بثبات هش وطلب من عمه بعضا من مال أبيه. لم يطلب كل شيء فقط ما يعينه على بدء حياته.
نظر العم إليه ببرود قاس وقال
ليس لك عندي شيء.
ثم طرده وأغلق الباب في وجهه محذرا إياه ألا يعود.
خرج الشاب مكسور النفس
عاد الشاب إلى أمه منكسرا لا يحمل في يده شيئا سوى الصمت. لم يسألته كثيرا فقد قرأت الحقيقة في عينيه قبل أن ينطق. جلست بجواره وضعت يدها على كتفه وقالت بهدوء اعتادت عليه منذ سنين
سيبه على الله ربنا عمره ما نسي.
مرت الأيام والعم غارق في ملذات الدنيا كأن الزمن قرر أن يمنحه كل ما حرمه منه سابقا دفعة واحدة. لم يعد يرى في حياته سوى النجاح المتراكم والثروة التي تكبر يوما بعد يوم والاسم الذي صار يذكر باحترام وخوف. الفيلا تلمع بكل ما فيها جدران من رخام بارد يعكس الضوء أنظمة حماية حديثة لا تهدأ كاميرات تحصي الأنفاس وأبواب إلكترونية لا تفتح إلا بإذن. الأثاث الفاخر جلب بعناية من أوروبا قطعة قطعة وكأن كل كرسي وكل طاولة شهادة إضافية على انتصاره. أما الحدائق فقد صممت لتبهر أشجار نادرة ورود مستوردة ونوافير تتراقص مياهها بلا انقطاع كأنها تحتفل بمالك المكان.
كان يشعر أن المال صنع حوله حصنا لا يخترق وأنه أخيرا في مأمن من