قصة حقيقية حدثت في الأردن

لمحة نيوز

الخسارة ومن الماضي. ذلك الماضي الذي حاول أن يدفنه عميقا تحت الإسمنت والرخام متجاهلا أنه لا يدفن بل ينتظر. أقنع نفسه أن ما فعله لم يكن خيانة بل حنكة وأن الحياة لا تكافئ الطيبين بل الأذكى. ومع كل صباح جديد كان ينظر إلى ما يملك ويزداد يقينه أن شيئا في هذا العالم لن يطال سلطته.
لم يعد يسمع صوت الضمير ولا تلاحقه صورة الطفل اليتيم ولا نظرة أمه المكسورة يوم خرجت من الفيلا. أقفل تلك الذكريات في زاوية بعيدة من عقله وعلق عليها لافتة صامتة انتهى. كان يظن أن الصمت كاف وأن النسيان قرار يمكن تنفيذه.
قرر أن يكمل المشهد كما رسمه في خياله منذ زمن. أراد عائلة كاملة تعيش معه داخل هذا العالم الجديد تشهد على نجاحه وتمنحه الإحساس الكامل بالاكتمال. أرسل لعائلته في أمريكا يطلب منهم القدوم إلى الأردن وكتب لهم عن حياة لا تشبه ما عاشوه من قبل بيت واسع أمان مستقبل بلا خوف. وعدهم بالرفاهية وبأيام لا يحسب فيها ثمن شيء. كانت زوجته متحمسة ترى
في الدعوة بداية مختلفة صفحة بيضاء. وأبناؤه انتظروا الرحلة بفرح بريء يتخيلون المكان كأنه لعبة كبيرة أو حلم طويل.
في يوم وصولهم أصر العم أن يذهب بنفسه إلى المطار. لم يترك الأمر لسائق أو موظف أراد أن يكون هو البداية. ارتدى أفخر ثيابه اختار ساعته بعناية وتعمد أن يبدو كما يراه الناس رجلا ناجحا متماسكا لا تهزه الحياة. قاد سيارته الحديثة بثقة وهو يتخيل لحظة لقائهم وكيف سيحضن أبناءه وكيف ستبتسم زوجته إعجابا وهو يفتح لهم أبواب الفيلا. الطريق كان مزدحما الأصوات عالية لكن قلبه كان مطمئنا فكل شيء كما كان يظن تحت سيطرته.
وأثناء العودة من المطار إلى البيت انهار كل شيء.
حادث مروع بلا مقدمات بلا إنذار. لحظة واحدة فصلت بين الضحك والصمت. اصطدمت السيارة بقوة هائلة وانقلبت أكثر من مرة وتشابكت الأصوات بين صراخ وزجاج متحطم وصفارات بعيدة. لم يمنحهم القدر فرصة للفهم ولا وقتا للنجاة. في ثوان قصيرة انتهت حياة العم وزوجته وأطفاله جميعا.
توقفت الأحلام في منتصف الطريق وانطفأ المستقبل قبل أن يفتح بابه.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. رجل الأعمال الشهير الذي طالما ظهر في المناسبات والصفقات رحل فجأة ومعه عائلته كاملة. خيم الذهول على الجميع. تحولت الفيلا التي كانت رمزا للحياة إلى بيت صامت مغلق الأبواب بارد الجدران. الأضواء أطفئت والنوافير جفت وبات الصدى وحده يتجول في الممرات الواسعة. بدأ الحديث عن التركات والملفات والإجراءات القانونية وحان وقت السؤال الذي لم يخطر ببال أحد من سيرث كل هذا
وجاءت الإجابة كصدمة ثقيلة.
لم تكن هناك زوجة على قيد الحياة ولا أبناء ولا إخوة. سقطت الأسماء واحدا تلو الآخر من سجل الورثة حتى لم يبق سوى اسم واحد اسم لم يتوقعه أحد ولم يحسب له حساب.
ابن الأخ.
ذلك الشاب اليتيم الذي خرج يوما من نفس الفيلا مكسور الخاطر صار الوريث الوحيد لكل ما تركه عمه المال والشركات والأراضي والثروة التي جمعت على مدار خمسة عشر عاما من الطموح والجشع. عاد
إلى المكان نفسه لا كضيف مطرود بل كمالك شرعي يحمل في داخله دهشة لا توصف ووجعا قديما لم يلتئم.
لم يكن يعلم ولم يخطر بباله يوما أن الله سخر له عمه ليكون مجرد أداة. استثمر ماله نماه ضاعفه ثم أعاده إليه كاملا ومعه أرباح لم يكن يحلم بها حتى في أكثر أحلامه جرأة. أدرك متأخرا أن العدل قد يتأخر لكنه لا يضيع وأن الحق يعرف طريقه مهما طال الزمن. عاد كل شيء إلى صاحبه الحقيقي في لحظة لم يخطط لها بشر ولم يتوقعها عقل.
وقف الشاب يومها أمام قبر أمه بعد أن تغيرت حياته من الجذور. لم يكن في صوته شماتة ولا في قلبه حقد. كان هناك فقط سلام غريب وطمأنينة لم يعرفها من قبل. انحنى قليلا ووضع يده على التراب وهمس بصوت مكسور لكنه ثابت
حقك رجع يا أمي زي ما قلتي.
كانت دموعه هادئة بلا صراخ كأنها دموع ارتياح لا حزن. ولعلها دعوة مظلوم خرجت يوما من قلب مكسور وسارت في طريقها حتى وجدت وقتها المناسب. دعوة لم يكن بينها وبين الله حجاب.
وما كان ربك نسيا
صدق الله العظيم.

تم نسخ الرابط