تحدّث رجلٌ بالعربية، فردّت عاملةُ النظافة بطريقةٍ تركت الجميع بلا كلام
تحدث رجل بالعربية فجاء رد عاملة النظافة على نحو أذهل الجميع.
لم يلتفت أحد في الردهة في البداية فالصوت لم يكن مرتفعا ولا المشهد بدا استثنائيا. رجل أنيق الملامح بملابس باهظة لا تخطئها العين نطق جملة قصيرة بالعربية كأنها انزلقت من ذاكرته دون قصد فجاءه الرد من المرأة التي كانت تمسح الأرض عند طرف القاعة عربية صافية واضحة تحمل في نبرتها ما يتجاوز حدود التحية العابرة.
كان فندق باسيو دي لا ريفورما يستيقظ على ذلك البريق البارد الذي لا يعرفه إلا الرخام المصقول. انعكست خيوط الصباح الأولى على الأرضية اللامعة فبدت الردهة كمساحة معقمة من المشاعر صممت بعناية لتحتفظ بالأسرار ولا تعيدها إلى أصحابها.
وقف الرجل في منتصف القاعة بثبات لافت كأن المكان اعتاد حضوره من قبل. بدلته الداكنة بلا تجعيدة واحدة وحذاؤه المصقول لا يحمل أثر تردد أو ارتباك. اسمه محفور في سجلات الفندق بصفته أحد كبار النزلاء آدم نصر الدين.
كان يعرف أنه ثري.
يعرف أن المال يفتح له الأبواب قبل أن يطلبها.
يعرف أن الوجوه التي تبتسم له تفعل ذلك بحذر مدروس.
قال بالعربية ببطء وكأنه يختبر وقع صوته على نفسه
أريد جناح بعيد عن الضوضاء جناح الامراء
تجمد موظف الاستقبال لثانية وتردد قبل أن يجيبه بلغة أجنبية. لكن الرد جاء من الخلف عربيا واضحا حادا بما يكفي ليقطع الهواء
لم تتغير أبدا.
استدار آدم فجأة. شعر أنه يعرف هذا الصوت.
كانت عاملة النظافة تقف قرب عمود رخامي تمسك بممسحتها
قال وقد شعر بانقباض مفاجئ في صدره
هل نتحدث اللغة نفسها مصادفة
نظرت إليه مطولا ثم قالت
لا شيء بيننا كان مصادفة يوما.
تقدم خطوة وتراجع ذهنه خطوتين. شعر بصداع حاد يضغط على جانبي رأسه كأن الكلمات فتحت بابا مغلقا بعنف.
أنا أخبرت أنني تعرضت لحادث. هناك أشياء لا أتذكرها. وجوه أماكن أشعر أنني أعرفها لكن دون أسماء.
أمالت رأسها قليلا وقالت بصوت أخفض
أخطر ما في فقدان الذاكرة أنك تنسى ذنبك قبل أن تنسى ضحاياك.
تصلب جسده.
أنا لا أفهم ما تقصدين.
ابتسمت ابتسامة قصيرة خالية من أي دفء.
بالطبع لا تفهم. لو كنت تفهم لما كنت تقف هنا هادئا إلى هذا الحد.
نظر حوله كأن الردهة فقدت اتساعها فجأة. قال محاولا استعادة سيطرته
هل تعرفين من أكون
أجابت دون تردد
أعرف من كنت.
ثم أضافت بنبرة أكثر قسوة
وأعرف أن ما صرت إليه لا يمحو ما فعلته.
تراجع خطوة غير واعية. كان عقله يبحث عن تفسير منطقي عن اسم عن صورة عن شيء يمسك به لكن رأسه ظل فارغا إلا من إحساس ثقيل بالذنب لا يعرف مصدره.
قال بصوت منخفض
إن كنا قد التقينا من قبل فأنا أعتذر إن كنت قد أسأت إليك.
ضحكت ضحكة خافتة أقرب إلى زفير طويل.
الاعتذار يحتاج ذاكرة يا آدم.
توقف عند اسمه.
كيف عرفت اسمي
أجابته بهدوء قاتل
كنت أناديك به كل يوم.
اقتربت منه خطوة ثم توقفت على مسافة آمنة كأنها تحترم
كنت غنيا قويا ومقنعا. كنت تقول إن القسوة ضرورة وإن المشاعر ترف لا يليق بأمثالك. وكنت أصدقك حتى صدقت نفسي أقل مما أستحق.
ازدادت حدة الصداع وتداخلت الصور في رأسه بيت واسع بلا ملامح صوت امرأة تبكي خلف باب مغلق اسمه يقال بنبرة مكسورة. رفع يده إلى رأسه وقال باضطراب
أرجوك توقفي.
نظرت إليه لحظة صامتة ثم قالت
هذا هو الشرخ الأول.
واستدارت دافعة عربة التنظيف ببطء.
وقبل أن تختفي في الممر الجانبي قالت دون أن تنظر خلفها
لا تقلق. الذاكرة لا تعود دفعة واحدة لكنها لا تخطئ الطريق.
ظل آدم واقفا في مكانه يشعر للمرة الأولى أن ثروته كلها لا تستطيع شراء ما فقده ولا ما سيعود ليطالبه بثمن مؤجل.
وفي قلب فندق اعتاد أن يلمع بلا روح بدأ شيء قديم يستيقظ داخله شيء لم يعد يملك القدرة على تجاهله.
لم يبرح آدم نصر الدين مكانه طويلا بعد أن غابت عاملة النظافة عن الردهة. ظل واقفا كأن جسده نسي كيف يتحرك بينما عقله بدأ يستعيد حركة لم يطلبها. لم تكن صورا واضحة بل شظايا صوت باب يغلق بعنف ارتجافة يد جملة مبتورة لا يعرف لمن قيلت ولا متى.
عاد إلى جناحه بخطوات محسوبة كمن يخشى أن تفضحه الأرض إن أسرع. كان الجناح واسعا فاخرا يخلو من أي أثر شخصي. كل شيء فيه قابل للاستبدال حتى السرير حتى المرآة. اقترب من الأخيرة وتأمل وجهه طويلا. ملامح رجل اعتاد السيطرة لكن خلف العينين فراغ لا تخطئه النظرة.
قال بصوت مسموع
من كنت
لم يجبه أحد لكن رأسه
جلس على حافة السرير ووضع كفيه على صدغيه. عاد الصوت النسائي لا بوضوح بل بإحساس. لم تكن صرخة بل نبرة مخذولة كأنها فقدت القدرة على الاحتجاج. رأى في خياله مطبخا مضاء على نحو خافت وامرأة تقف قرب النافذة ظهرها إليه كتفاها مشدودتان.
أنت لا تسمعني.
هكذا قالت.
أو هكذا تذكر.
نهض فجأة كأن الصورة دفعته. ضغط زر الهاتف وطلب من الإدارة معلومات عن عاملة النظافة التي كلمته. جاءه الرد مهذبا باردا
لا شيء استثنائي سيدي. اسمها مسجل ضمن الطاقم لا سوابق ولا ملاحظات.
أغلق الهاتف غير مقتنع. كان يعرف على نحو غامض أن الاسم المسجل ليس اسمها الحقيقي. وأن ما بينهما أكبر من مصادفة عابرة.
في المساء عاد إلى الردهة. جلس بعيدا يراقب المكان دون أن يرى. لم يكن ينتظرها فحسب بل ينتظر الشعور ذاته. وحين ظهرت تدفع عربتها بهدوء شعر بانقباض مألوف كأن جسده سبق ذاكرته.
اقترب هذه المرة ببطء وقال
أريد أن أفهم.
لم تتوقف لكنها قالت دون أن تنظر إليه
الفهم لا يأتي وحده. يأتي بعد أن تتذكر أنك كنت ترفضه.
سار بمحاذاتها.
أخبريني من أنت.
توقفت أخيرا ونظرت إليه نظرة طويلة كأنها تقيس المسافة بين ماضيه وحاضره.
كنت زوجتك.
سقطت الكلمة بينهما ثقيلة.
لم يتراجع لكنه شعر وكأن الهواء نقص فجأة.
هذا غير ممكن.
هو ممكن. وكان واقعا.
قالتها بهدوء كأنها تروي حكاية لا تخصها.
ولماذا لا أتذكرك
لأنك اخترت أن تنسى كل ما لم يخضع لك.
تقدم خطوة وصوته بدأ يفقد ثباته
هل
لم تجبه فورا. نظرت إلى الأرض ثم قالت
لم تكن تضرب. لم تصرخ كثيرا. كنت