تحدّث رجلٌ بالعربية، فردّت عاملةُ النظافة بطريقةٍ تركت الجميع بلا كلام
أذكى من ذلك. كنت تشعرني أنني أقل أن وجودي فضل منك وأن بقائي مرهون برضاك.
ارتجف شيء داخله. صورة جديدة تشكلت هو واقف يتحدث عن العمل عن المال عن الوقت وهي جالسة تصغي تتضاءل.
قال بصوت مبحوح
ولماذا تركتني
رفعت رأسها وعيناها ثابتتان
لأنني أدركت أنني إن بقيت سأختفي تماما.
ساد صمت ثقيل.
وهل كنت أحبك
ابتسمت ابتسامة شاحبة.
كنت تظن ذلك. لكن الحب لا يشبه الامتلاك.
شعر بألم حقيقي هذه المرة لا في رأسه بل في صدره.
أنا لا أطلب الغفران. أطلب الحقيقة.
الحقيقة مؤلمة يا آدم.
ثم أضافت
وأنت لم تكن تجيد تحمل الألم.
عاد إلى جناحه تلك الليلة مثقلا. لم ينم. الصور تتلاحق عقود توقع صفقات تبرم وامرأة تقف خلفه صامتة. تذكر جملة قالها يوما وعاد صداها واضحا
العاطفة تضعف القرار.
جلس على الأرض وأسند ظهره إلى السرير.
كم خسرت
لم يعرف إن كان يقصد المال أمها.
وفي الصباح أدرك أن ذاكرته لا تعود عبثا وأن اللقاء لم يكن صدفة. كان هذا استرجاعا بطيئا متعمدا كأن عقله يمنحه فرصة أخيرة أن يرى نفسه كما كان قبل أن يحكم عليه.
وفي مكان ما داخل الفندق كانت هي تعرف أن المرحلة الأصعب
لم تعد الذاكرة تزوره على هيئة شظايا. صارت تأتيه كاملة مؤلمة بلا استئذان. لم يعد آدم نصر الدين يملك رفاهية الانتقاء ما فقد يعود الآن كما كان بحدته الأولى.
جلس في جناحه مع أول ضوء للصباح ينظر إلى المدينة من خلف الزجاج. تذكر كيف كان يقف في المكان ذاته قبل سنوات لا ليتأمل بل ليخطط. لم يكن يرى المدن آنذاك بل الأسواق. ولم يكن يرى الناس بل الأدوات.
تذكر زواجه منها بوضوح جارح. لم يكن زواج حب كما ادعى بل تحالفا صامتا. كانت ذكية هادئة تمنحه ما يفتقده أمام الآخرين صورة الرجل المستقر. ومع الوقت بدأ يطلب أكثر مما تعطيه القدرة البشرية على الاحتمال.
لم يضربها.
لم يخنها علنا.
لكنه صادرها ببطء.
تذكر كلماته
وجودك معي امتياز.
لا تكبري الأمور.
أنا أعرف مصلحتك.
وتذكر اللحظة التي انكسرت فيها. لم تبك. فقط نظرت إليه نظرة لم يفهمها وقتها ثم بدأت تختفي وهو ما يزال يملكها على الورق فقط.
نهض آدم فجأة. ارتدى بدلته لكن هذه المرة شعر بثقلها. لم تعد درعا بل عبئا. خرج إلى الردهة يبحث عنها لا بصفته المليونير الذي ينتظر بل الرجل الذي تأخر كثيرا.
وجدها
قال بهدوء
تذكرت كل شيء.
لم تنظر إليه.
التذكر لا يغير ما حدث.
أعلم.
تردد ثم قال
لكنه يغير ما قد يحدث.
توقفت عن العمل أخيرا ورفعت رأسها.
ولماذا تهتم الآن
لأنني حين نسيت رأيت نفسي بلا أقنعة.
ثم أضاف بصوت خافت
ولم تعجبني.
ساد صمت طويل.
قالت أخيرا
هل جئت لتعتذر
لا.
رفع عينيه إليها بثبات.
جئت لأعترف.
استمعت دون أن تقاطعه.
كنت قاسيا لأن القسوة كانت لغتي الوحيدة. كنت أظن أن السيطرة أمان وأن من يحبني يجب أن يحتملني. لم أرك شريكة بل إضافة. وحين غادرت أقنعت نفسي أنك ضعيفة لا شجاعة.
لم يظهر على وجهها أي انتصار.
والآن
الآن أدرك أنني خسرتك قبل أن تخسري نفسك.
ابتسمت ابتسامة هادئة ناضجة لا تشبه الألم القديم.
هذا الإدراك جاء متأخرا.
أعرف.
ثم قال كمن يسلم أمره
لا أطلب عودة. ولا غفرانا. فقط أريد أن أتحمل نتيجة ما كنت عليه.
نظرت إليه طويلا ثم قالت
هناك شيء لم تفهمه بعد يا آدم.
ما هو
أنني لم أختف لأعاقبك بل لأنقذ نفسي.
أومأ ببطء.
وهل أنقذتها
نعم.
قالتها بثقة لم تكن تملكها
شعر بشيء ينكسر داخله لكنه لم يكن الألم هذه المرة بل القبول.
هل تكرهينني
فكرت قليلا ثم قالت
لا. الكراهية تحتاج طاقة لا أريد أن أهدرها عليك.
تنفس بعمق.
وهل ما زال في قلبي مكان لك
أجابت بهدوء قاطع
المكان الذي كنت فيه لم يعد موجودا.
أخرج مفتاح جناحه وضعه على العربة المعدنية.
سأغادر الفندق اليوم.
رفعت حاجبيها قليلا.
هذا قرارك
أول قرار لا يتعلق بالربح.
أخذت المفتاح لا لتحتفظ به بل لتدفعه جانبا.
الذكريات لا تمحى بالمغادرة.
أعلم.
ثم قال
لكنها قد تحتمل بالصدق.
استدار ليذهب ثم توقف.
هل تعتقدين أنني أستحق فرصة ثانية
نظرت إليه نظرة أخيرة لا قسوة فيها ولا شفقة.
ربما لكن ليس معي.
تركته واقفا للمرة الأولى بلا سلطة وبلا محاولة للتمسك. شعر أن خسارته هذه المرة حقيقية لكنها عادلة.
غادر الفندق بعد ساعات بلا موكب بلا إعلان. وفي الردهة عاد البريق البارد إلى مكانه كما لو أن شيئا لم يحدث.
لكن في داخله كان يعرف أن ما فقد لن يعود وأن الفرص الثانية لا تعني استعادة الماضي بل تعني ألا يكرر.
أما هي فواصلت عملها بخطوات أخف. لم تنتصر ولم تهزم. فقط اختارت
وهكذا انتهت الحكاية
لا بتصالح كامل
ولا بعقاب صارخ
بل بعدالة هادئة
تشبه الحياة أكثر مما تشبه القصص.