قالوا إنها ماتت وانتهى الأمر… لكن صبيًّا مشرّدًا رأى ما لم يره الأطباء
قالوا إنها ماتت وانتهى الأمر لكن صبيا مشردا رأى ما لم يره الأطباء
لم تكن شيكاغو في تلك الليلة مدينة بل وحشا مفتوح الفم.
الريح تعوي بين الأبنية العالية كأنها صفير إنذار قديم تحمل معها رائحة الثلج والرطوبة واليأس. مصابيح الشوارع تصدر ضوءا شاحبا لا يدفئ ولا يطمئن بل يكشف الأشياء نصف كشف كما لو أن المدينة نفسها لا تريد أن ترى الحقيقة كاملة.
على رصيف جانبي قرب جسر حديدي يئن مع مرور القطارات كان مالك يقف منكمشا داخل معطف مهترئ أكبر منه في الحلم وأصغر منه في الواقع. الرابعة عشرة من عمره فقط لكن عينيه تحملان ما يكفي لشيخوخة كاملة.
لم يكن يعرف منذ متى وهو واقف هناك. الوقت بالنسبة إليه لم يعد يقاس بالساعات بل بالبرد والجوع.
منذ عامين دفن والديه في يومين متتاليين.
الأب سقط أولا أزمة قلبية لم تمهله ثم الأم لحقت به بعد أسابيع كأنها رفضت الحياة بدونه. ومنذ ذلك اليوم صار مالك رقما غير مكتوب في دفاتر المدينة. لا بيت لا وصي لا سؤال.
تعلم سريعا أن البقاء يحتاج مهارات لا تدرس
كيف تبحث في القمامة دون أن ترى كيف تنام بعين مفتوحة كيف تفر قبل أن يسألك أحد عن اسمك.
وتعلم أيضا أن الجوع ليس ألما فقط بل صوتا داخليا يصرخ ثم يهدأ ثم يعود أشد.
في تلك الليلة لم يكن قد أكل منذ يومين.
كانت
على الجانب الآخر من الشارع ارتفع قصر فخم تحيط به أسوار سوداء وبوابة حديدية ضخمة. النوافذ الزجاجية كانت مضاءة بنور دافئ أصفر كأنه وعد كاذب بالأمان.
توقف مالك لا لأنه رأى طعاما بل لأنه رأى حياة مختلفة حياة مغلقة عليه من الداخل.
اقترب قليلا بحذر.
ومن خلف الزجاج لمح رجالا ونساء بملابس سوداء أنيقة رؤوسهم منحنية أصواتهم خافتة. زهور بيضاء شموع وصمت ثقيل لا يشبه صمت الشوارع.
كانت جنازة.
في قلب القاعة وقف رجل في أواخر الخمسينيات ملامحه قاسية كأنها نحتت من حجر. اسمه سامي الرفاعي ملياردير عربي مؤسس تكتل تقني عالمي رجل تعود أن يسيطر على الأرقام والأسواق لكنه في تلك اللحظة لم يكن يسيطر على شيء.
أمامه نعش من خشب الماهوغني اللامع.
وفي داخله ترقد ابنته الوحيدة ليان.
اثنتان وعشرون سنة فقط.
حادث سير قالوا. تقرير طب شرعي قالوا. تطابق سجلات الأسنان قالوا.
كل شيء كان واضحا إلا قلب الأب الذي رفض التصديق رغم كل الأدلة.
كان سامي ينظر إلى النعش دون أن يراه.
العالم توقف عند لحظة واحدة اللحظة التي قيل له فيها نأسف.
في الخارج ارتجف مالك ولف ذراعيه حول جسده. لم يكن يعرف من في الداخل ولا لماذا
شيء ما في صدره كان يضغط إحساس غريب يشبه القلق يشبه الذكرى.
قبل ساعات كان في مشرحة المدينة.
لم يكن موظفا رسميا.
كان مجرد صبي يساعد في التنظيف في نقل الأدوات في ترتيب ما يطلب منه مقابل مبلغ زهيد يكفي لشراء خبز ساخن أحيانا.
هناك بين الروائح القاسية والبرودة القاتلة تعلم أن الموت ليس دائما واضحا كما يبدو.
وعندما وصلت جثة فتاة شابة من حادث سير لم يستطع أن يصرف نظره.
كان هناك شيء خاطئ.
اقترب رغم الخوف.
لمس يدها كانت باردة نعم لكن البرودة لم تكن نهائية.
راقب صدرها طويلا ثم رآه ارتفاع خافت جدا يكاد لا يرى.
ظن أنه يتخيل.
لكن النبض النبض كان هناك.
أخبر أحد العاملين.
ضحك الرجل وقال ارجع شغلك يا ولد.
أخبر آخر. تجاهله.
من سيصدق صبي شارع
لكن مالك لم ينس.
والآن وهو يرى النعش من خلف الزجاج عرف.
عرف أن الفتاة التي رآها هي نفسها التي تدفن.
دون تفكير عبر الشارع.
تجاوز البوابة قبل أن يمنعه أحد.
فتح الباب الثقيل فانفجر الصمت.
اندفع إلى الداخل حافي القدمين بخار أنفاسه يتصاعد في الهواء الدافئ.
وصاح بأعلى صوته صوت خرج من أعماق الجوع والخوف واليقين
توقفوا! لا تغلقوا النعش! إنها ما تزال حية!
شهقات.
همسات.
ارتباك.
تحرك الحرس بسرعة لكن يدا ارتفعت.
كانت يد سامي الرفاعي.
نظر إلى الصبي.
كان وجهه شاحبا عينيه واسعتين صوته يرتجف لكن نظرته ثابتة.
دعوه يتكلم قال سامي بصوت هادئ مخيف.
ابتلع مالك ريقه وقال برجاء لا يعرف من أين أتى
سيدي أنا أعمل في مشرحة المدينة. رأيت ابنتك الليلة الماضية. كانت تتنفس. نبضها كان ضعيفا لكنه موجود. لا يمكنكم دفنها.
ضحك أحدهم nervously.
لكن سامي لم يضحك.
قال مالك بسرعة كمن يخشى أن يسحب بعيدا
كانت يداها منقبضتين وعلى كتفها الأيسر علامة كأنها هلال صغير.
تجمد سامي.
تلك الندبة لم يكن يعرفها أحد.
التفت فورا
افتحوا النعش. الآن.
احتج مدير الجنازة.
لكن الصوت تكرر أقسى
افتحوه.
ارتفع الغطاء بصرير بطيء.
وساد صمت لا يحتمل.
ثم
تحرك الصدر.
حركة خافتة لكنها حياة.
انهار سامي على ركبتيه.
أمسك يد ابنته وهمس
ليان ابقي معي.
في تلك اللحظة لم يعد مالك صبي شارع.
كان الصبي الذي سمع النبض حين صمت الجميع.
لم تكن الساعات الأولى بعد فتح النعش ساعات نجاة بل ساعات شك.
النجاة الحقيقية لا تأتي بضربة واحدة بل تمر عبر ممرات ضيقة مليئة بالاحتمالات المخيفة حيث يمكن لأي خطأ صغير أن يعيد الموت من جديد.
في ممرات مستشفى سانت أغنس كان الضوء أبيض قاسيا لا يشبه دفء القصر ولا ظلمة الشارع. أجهزة تصدر صفيرا متقطعا ممرضات يتحركن بسرعة محسوبة وأطباء يتحدثون
كانت ليان ممددة على سرير العناية المركزة