قالوا إنها ماتت وانتهى الأمر… لكن صبيًّا مشرّدًا رأى ما لم يره الأطباء
المحتويات
جسدها ساكن أنبوب تنفس يتصل بفمها وأسلاك تخرج من صدرها وذراعيها كأنها محاولة أخيرة لربطها بالحياة.
النبض موجود نعم.
لكنه هش متردد كأنه يفكر في الانسحاب.
وقف سامي الرفاعي خلف الزجاج يضع كفه على الجدار الشفاف لا يجرؤ على الدخول.
للمرة الأولى في حياته لم يكن يعرف ماذا يفعل.
لا أوامر لا صفقات لا نفوذ يستطيع أن يقايض به القدر.
قال الطبيب الرئيسي بصوت منخفض
نحن نتعامل مع صدمة أيضية عميقة. الجسد خفض وظائفه إلى الحد الأدنى. إعلان الوفاة كان متسرعا.
لم يقل الطبيب خطأ.
لكن الكلمة كانت معلقة في الهواء.
أدار سامي رأسه ببطء.
لو لم يدخل ذلك الصبي
لم يكمل الطبيب الجملة.
لم يكن هناك داع.
في زاوية بعيدة من المستشفى جلس مالك على مقعد بلاستيكي.
قدماه العاريتان على الأرض الباردة ويداه ترتجفان.
لم يكن خائفا من العقاب بل من فكرة أبسط
ماذا لو كنت مخطئا
الآن فقط بعد أن هدأ الصراخ بدأ الشك يزحف.
كان قد صرخ وسط قاعة مليئة بالغرباء أوقف جنازة كسر يقين الجميع
هل كان محقا حقا
اقتربت منه ممرضة وقدمت له بطانية.
قالت بابتسامة خفيفة
أنت شجاع.
لم يعرف كيف يرد.
الشجاعة كلمة كبيرة لا تشبه الشعور الذي كان في صدره.
ما شعر به كان أشبه بعدم القدرة على الصمت.
مرت الساعات ببطء ثقيل.
وفي كل دقيقة كان سامي يقترب أكثر من الزجاج كأن قربه الجسدي قد يعوض عجزه.
ثم
تحركت
لم تكن حركة كاملة بل ارتجافة خفيفة في أصابعها.
لكن الشاشة أكدت النبض تحسن.
دخل الأطباء بسرعة.
أغلقت الستارة.
انتظر سامي.
انتظر كما لم ينتظر شيئا من قبل.
وعندما خرج الطبيب أخيرا قال
تجاوزنا أخطر مرحلة. ما زالت الطريق طويلة لكنها معنا.
لم يجلس سامي.
لم يبك.
فقط أغمض عينيه طويلا كمن يعيد ترتيب العالم من جديد.
في تلك الأثناء كانت المدينة قد بدأت تستيقظ على الخبر.
فتاة تعلن وفاتها ثم تعود للحياة.
صبي غامض يوقف جنازة.
معجزة أم خطأ طبي
الصحفيون تجمعوا أمام المستشفى.
الكاميرات.
الميكروفونات.
أسئلة تبحث عن قصة لا عن حقيقة.
لكن الصبي الغامض لم يكن هناك.
مالك اختفى.
عاد قبل الفجر إلى مكانه المعتاد تحت الجسر.
جلس على الأرض ولف البطانية حول كتفيه.
لم يكن يهرب من الشكر بل من الضوء.
الضوء يخيف من اعتاد العتمة.
لم يعرف أن اسمه صار يذكر في مكاتب الإدارة وأن سامي الرفاعي أمر بالبحث عنه في كل المدينة.
في اليوم التالي فتحت ليان عينيها.
لم تفتحها دفعة واحدة بل ببطء كمن يصعد من قاع ماء عميق.
الضوء أزعجها.
الأصوات بدت بعيدة.
ثم رأت وجه أبيها.
أبي
خرجت الكلمة ضعيفة لكنها كسرت سامي من الداخل.
أمسك يدها وكرر بصوت متهدج
أنا هنا. أنت هنا.
بعد أيام بدأت تستوعب ما حدث.
حادث.
موت معلن.
جنازة.
وصوت أعادها.
سألت عنه.
أين الصبي
لم يكن أحد يعرف.
احتاج
كان جالسا قرب نار صغيرة أشعلها من بقايا خشب.
لم يحاول الهرب عندما توقفت السيارة السوداء.
لم يكن يتوقع شيئا.
ترجل سامي بنفسه.
خلع معطفه الثقيل ووضعه على كتفي الصبي.
قال بهدوء لا يشبه صوته المعتاد
لقد أنقذت حياة ابنتي.
رفع مالك عينيه ببطء.
قال
أنا فقط لم أتجاهل ما رأيت.
مد سامي حقيبة ظهر ومعها عرض لم ينطق بعد.
لكن مالك خفض رأسه وقال بصوت خافت كأنه يضع حدا للعالم
لا أريد صدقة.
أريد فقط فرصة.
توقف سامي.
هذه الجملة لم تكن طلبا بل تعريفا.
تعريف لإنسان رفض أن يختزل.
قال سامي أخيرا
لقد كسبتها بالفعل.
بدأت الأيام التالية بإيقاع جديد.
غرفة صغيرة.
سرير حقيقي.
نافذة تغلق.
مالك لم ينم في الليلة الأولى.
كان ينتظر أن يسحب كل شيء فجأة.
الخير المفاجئ يخيف أكثر من الشر المتوقع.
في الصباح جلس أمام طبق طعام ساخن.
تردد.
ثم أكل ببطء بصمت كأنه يتعلم من جديد.
لم يعامل كقصة إنقاذ بل كإنسان يحتاج بناء.
مواعيد.
دروس.
جلسات تقييم.
وكان هذا أصعب من الجوع.
في الوقت نفسه كانت ليان تبدأ رحلة تعاف قاسية.
لم يكن جسدها كما كان.
ولم تكن روحها كما كانت.
في إحدى الزيارات دخل مالك غرفة العلاج.
وقف مترددا عند الباب.
نظرت إليه ليان وابتسمت.
قالت ببساطة
أنت الصوت الذي أعادني.
تلك الجملة علقت فيه كنبض لا يهدأ.
لم يأت التحول
التحول الحقيقي جاء صامتا بطيئا كالماء الذي ينحت الصخر دون أن يعلن عن نفسه.
في الأسابيع الأولى داخل البرنامج الذي ترعاه مؤسسة الرفاعي كان مالك يشعر كأنه يعيش داخل حياة ليست له.
الجدران نظيفة أكثر مما اعتاد.
الصمت منظم لا يحمل تهديدا.
والناس ينظرون إليه مباشرة لا من فوق ولا من بعيد.
ذلك وحده كان مربكا.
في أول جلسة تقييم نفسي جلس قبالة امرأة في منتصف الأربعينيات نظرتها ثابتة وصوتها هادئ.
سألته
منذ متى وأنت في الشارع
تردد.
ثم قال
منذ أن توقفت الأسئلة.
لم تفهم في البداية.
ثم فهمت.
لم يكن مالك غاضبا ولم يكن ناقما.
كان فقط متيقظا دائما.
التوجس عنده لم يكن عادة بل آلية بقاء.
تعلم داخل البرنامج ما لم يتعلمه في الشارع
أن الخطأ لا يعني العقاب دائما.
أن الطلب ليس ضعفا.
وأن النوم ليلا كاملا دون أن تستيقظ فزعا هو أمر ممكن.
لكن أصعب ما تعلمه الثقة.
الثقة كانت تشبه أرضا هشة كلما خطا فوقها خطوة خاف أن تنهار.
في الجهة الأخرى من المدينة كانت ليان تعيش معركة مختلفة.
التعافي الجسدي كان مؤلما نعم لكنه مفهوم.
الألم النفسي كان أكثر غموضا.
كانت تستيقظ أحيانا وهي تشعر أنها تأخرت عن الموت.
كأنها عبرت حدا لم يكن يفترض أن تعود منه.
في جلسات العلاج لم تكن تتحدث عن الحادث بل عن ما بعده.
عن
لماذا أنا
لماذا عادت هي بينما يغادر غيرها كل يوم دون صوت ينقذهم
حين بدأت تشارك في أنشطة المؤسسة لم تفعل ذلك بوصفها الناجية بل
متابعة القراءة