قالت له عاملة النظافة اصمت وما سمعه عن ابنه جعله يرتجف
لم يكن روبرتو سيلفيرا يتصور وهو في الثانية والسبعين من عمره أن أعنف لحظة في حياته ستأتيه لا من السوق الذي عرف تقلباته ولا من الشركاء الذين خاض معهم صراعات قاسية بل من داخل بيته من صوته الذي ناداه يوما أبي.
وقف في مكتبة القصر ذلك المكان الذي كان يوما ملاذه وعرينه الآمن يشعر بأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يستنشق. أربعة عقود من العمل المتواصل من السهر والتخطيط من بناء إمبراطورية اقتصادية بدأت من مكتب صغير وانتهت إلى هذا القصر الشاسع كانت تختصر الآن في لحظة شك واحدة لكنها كافية لهدم كل يقين.
لم يكن الشك جديدا تماما بل كان كجرح خفي لم يلتفت إليه حتى نزف فجأة.
منذ وفاة زوجته قبل ثلاث سنوات تغير كل شيء. انسحب روبرتو بهدوء من التفاصيل اليومية وترك لإبنه الوحيد إدواردو وزوجته باتريشيا إدارة شؤون الشركة والمنزل معا. لم يفعل ذلك عجزا بل ثقة. ثقة الأب الذي يظن أن ابنه امتداده الطبيعي وأن من يتزوج ابنه سيصير بالضرورة جزءا من العائلة.
لكن الثقة حين تمنح بلا حذر قد تتحول إلى سكين.
في ذلك المساء لم يكن من المفترض أن يكون روبرتو في المكتبة. كان يشعر بتعب غير معتاد صداع خفيف وثقل في أطرافه. نصحه الطبيب بالراحة لكن النوم جافاه. خرج من غرفته يتمشى
وحين دخل المكتبة سمع الأصوات.
لم تكن عالية لكنها كانت واضحة بما يكفي لتسمع ومؤلمة بما يكفي لتحطم.
في اللحظة ذاتها شعر بيد تمسك بيده بقوة وتشده إلى الخلف خلف رف ضخم من الكتب. التفت فزعا فوجد مارلين سانتوس عاملة النظافة الجديدة بعينيها المتسعتين ووجهها الشاحب.
همست بصوت مرتجف
أرجوك لا تتحرك. إنهم هنا.
قبل أن يستوعب ما يحدث سمع صوت ابنه إدواردو من الغرفة المجاورة يقول بنبرة حاول إخفاءها لكنها لم تخل من ضيق
أبي يزداد ارتباكا يوما بعد يوم. بالأمس لم يتذكر حتى أين وضع وثائق الشركة.
تجمد الدم في عروق روبرتو.
جاءه صوت باتريشيا ببرود لم يسمعه منها من قبل برود كأنها تتحدث عن صفقة لا عن إنسان
هذا ممتاز. الطبيب هنريكي قال إن الأمر مسألة أسابيع فقط حتى نحصل على قرار الحجر. بعد ذلك يصبح كل شيء أسهل.
كلماتها سقطت على صدره كأحجار ثقيلة.
الحجر
أسهل
ضغطت مارلين على يده دون وعي كأنها تشعر بالزلزال الذي يهز جسده. لم يكن يجب أن تكون هنا لم يكن يجب أن تسمع لكن القدر كان قد وضعها في هذا المكان في هذه اللحظة.
سأل إدواردو بصوت منخفض
وأنت متأكدة أنه لا يشك في شيء
ضحكت باتريشيا ضحكة قصيرة خالية من أي دفء
طبعا
شعر روبرتو وكأن الأرض تميد تحت قدميه.
أربعون عاما أربعون عاما من البناء من العرق من الليالي الطويلة ليكتشف أن ابنه كان يخطط لتجريده من كل شيء لا المال فقط بل الكرامة والعقل.
انحدرت دمعة ثقيلة على خده ولم يمد يده ليمسحها. كانت مارلين تراها وتشعر بشيء غريب يعتصر صدرها. لم تعرفه إلا منذ أسابيع لكنه بدا لها في تلك اللحظة رجلا مكسورا أكثر مما تحتمل رؤيته.
قال إدواردو
وماذا عن موظفات المنزل بعضهن يعملن هنا منذ سنوات.
أجابت باتريشيا بلا تردد
نطردهن جميعا. وخصوصا عاملة النظافة الجديدة. تسأل كثيرا ولا تعجبني نظرتها.
ابتلعت مارلين ريقها بصعوبة. كانت قد جاءت إلى هذا القصر مدفوعة بالحاجة بعلاج أمها المريضة ولم تتوقع يوما أن تكون شاهدة على خيانة بهذا الحجم.
ثم جاء السؤال الذي جعل قلب روبرتو يتوقف لثانية كاملة
متى نبدأ بالدواء
قالت باتريشيا ببرود مخيف
من الغد. نقطتان في قهوة الفطور. سيزداد ارتباكا تدريجيا. خلال أسبوعين سيؤكد أي طبيب أنه غير قادر على إدارة شؤونه.
كان ذلك أكثر مما يحتمل عقل إنسان.
لم يخططوا لسرقته فقط بل لتدميره ببطء ليصنعوا له خرفا وهميا يبرر كل شيء.
شعرت مارلين بغضب لم تعرفه من قبل غضب صامت لكنه حارق.
ابتعدت الأصوات أخيرا. خطوات تبتعد باب يغلق. عندها فقط سمحت مارلين لروبرتو أن يتنفس.
همس بصوت مكسور
لقد وثقت بهم كيف يمكن لإدواردو ابني أن يفعل هذا
لم تجد مارلين كلمات تخفف هذا الألم لكنها قالت بحزم
علينا أن نغادر الآن. إذا علموا أننا سمعنا شيئا لا أعرف ما الذي قد يقدمون عليه.
نظر إليها روبرتو كأنه يراها لأول مرة.
امرأة بسيطة شعرها البني مشدود إلى الخلف يداها خشنتان من العمل لكنها تمتلك في عينيها قوة لم يجدها في كثيرين ممن ارتدوا أفخم البدلات.
سألها بصوت ضائع
إلى أين
قالت دون تردد
إلى بيتي. هو صغير لكنه آمن.
تردد للحظة لكن نظرة واحدة إلى أضواء القصر وإلى فكرة ابنه وهو يخطط لسلبه عقله جعلته يدرك الحقيقة القاسية
هذا المكان لم يعد بيته.
وفي تلك الليلة خرج روبرتو سيلفيرا من القصر الذي بناه بيديه لا كمالك بل كهارب لا يحمل معه شيئا سوى صدمته وثقة جديدة ولدت في المكان الأقل توقعا.
لم ينم روبرتو سيلفيرا في تلك الليلة إلا نوما متقطعا تتسلل إليه فيه الكوابيس كما يتسلل اللصوص في العتمة. كان يرى القصر لكن أبوابه موصدة