كان مليونيرٌ يأخذ والدته في نزهةٍ هادئة داخل الحديقة فتجمّد في مكانه عندما لمح طليقته نائمةً على مقعدٍ خشبي، وبجوارها ثلاث رضّع

لمحة نيوز

مليونير يخرج في نزهة مع والدته فيتجمد عندما يرى طليقته نائمة على مقعد ومعها 3 رضع 
لم يكن مروان الكيلاني يؤمن بالصدف في حياته ولا باللقاءات التي تسمى قدرا. كان يرى الحياة سلسلة طويلة من القرارات العملية بعضها صائب والاخر لا. ومع ذلك وهو يفتح عينيه في ذلك الصباح لم يكن يعرف أن يومه العادي الممل في ظاهره يستعد لأن يخلع عنه كل أوهامه دفعة واحدة.
استيقظ قبل المنبه بدقائق على ذلك الفراغ الثقيل الذي يسبق التفكير. السقف الأبيض فوقه الصمت المنظم في الشقة الواسعة ورائحة القهوة التي أعدها جهاز ذكي قبل أن يطلبها أحد. كل شيء في مكانه كل شيء يعمل كما ينبغي ومع ذلك شعر بأن شيئا ما ناقص نقص لا اسم له ولا يمكن شراؤه أو إصلاحه.
وقف أمام المرآة عدل ياقة قميصه وتأمل انعكاس وجه يعرفه جيدا لكنه لا يشعر نحوه بأي ألفة. وجه رجل حقق ما أراده أو هكذا يفترض. همس لنفسه ساخرا
مبروك وصلت.
لكن صوته لم يحمل أي فرح.
في الصالة كانت والدته هالة تنتظره تجلس على الأريكة حقيبتها الصغيرة إلى جوارها وعيناها تراقبان التفاصيل كما لو أنها تزور هذا المكان لأول مرة رغم أنها زارته عشرات المرات من قبل.
قالت بابتسامة خفيفة
مش هتهرب المرة دي صح قلتلي نخرج نتمشى

مش نلف بالعربية ونرجع.
تنهد مروان ثم ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة وقال
لا مش ههرب. وعد.
لم يكن الوعد بسيطا كما بدا.
اختار الحديقة القديمة عمدا. لم يكن يزورها منذ سنوات منذ زمن كان فيه شخصا آخر أو ربما نفس الشخص لكن بقلب أقل تشققا. كان المكان بعيدا عن ضوضاء وسط المدينة بلا مقاه فاخرة ولا عدائين يستعرضون لياقتهم فقط ممرات حجرية مقاعد خشبية وأشجار تعرف معنى الانتظار.
سارا ببطء وصوت خطواتهما يمتزج بحفيف الأوراق. كانت هالة تتحدث عن أشياء صغيرة جار انتقل وصفة طبخ فشلت معها مسلسل قديم أعادته القنوات. وكان مروان يستمع لا لأنه مهتم بالتفاصيل بل لأن صوتها وحده كان يمنحه شعورا مؤقتا بالأمان.
ثم عند منعطف ضيق في الممر توقف فجأة.
لم يكن يعرف لماذا توقف فقط جسده فعل ذلك قبل عقله كما لو أن شيئا خفيا جذبه من داخله. كادت هالة أن تصطدم به.
قالت متفاجئة
في إيه
لم يجب.
على المقعد الخشبي القريب كانت هناك امرأة نائمة.
نومها لم يكن مريحا بل نوم اضطرار. جسدها منكمش قليلا ذراعاها تحيطان بنفسها وكأنها تحاول حماية ما تبقى منها. شعرها غير مرتب وملامحها مرهقة على نحو موجع إرهاق لا تصنعه ليلة سيئة بل حياة كاملة من المحاولات الفاشلة.
إلى جوارها
كانت عربة أطفال.
ليس طفلا واحدا بل ثلاثة.
تجمد الهواء في صدر مروان. لم يفهم المشهد دفعة واحدة احتاج لثوان ثقيلة ليدرك التفاصيل الأجساد الصغيرة المتلاصقة الأنفاس المنتظمة الأيادي الدقيقة التي تتحرك بلا وعي. أطفال رضع نائمون بعمق لا يعرفه إلا من لم يعد لديه ما يخافه في تلك اللحظة.
همست هالة وقد تغير صوتها
يا ساتر دول صغيرين أوي.
لكن مروان لم يسمعها.
كان يعرف المرأة.
عرفها قبل أن يراها بوضوح عرفها من انحناءة كتفيها من ذلك التعب الخاص الذي لا تخطئه عينه تعب امرأة كانت يوما ما جزءا من حياته ثم صارت ذكرى يتجنب النظر إليها طويلا.
ليلى.
لم يكن يتوقع أن يراها أبدا لا هنا ولا بهذه الصورة ولا ومعها ثلاثة أطفال.
لم يتجمد الزمن لكنه تباطأ بما يكفي ليجعله يشعر بأن قلبه يهبط درجة كاملة في صدره. كل ما بناه خلال عام كامل كل القصص التي رواها لنفسه ليبرر الغياب تهاوت في لحظة واحدة.
تحرك أحد الأطفال أطلق صوتا خافتا كأنين صغير ففتحت ليلى عينيها بفزع غريزي. مدت يدها فورا إلى العربة ثم رفعت رأسها.
والتقت عيناها بعيني مروان.
لم تصرخ لم تتراجع لم تغضب. مر على وجهها شريط سريع من الدهشة والإنكار ثم شيء أقسى القبول.
قالت بصوت مبحوح لكنه ثابت
مروان
وفي
تلك اللحظة عرف مروان أن يومه لن ينتهي كما بدأ أبدا.
ظل مروان واقفا في مكانه كأن قدميه التصقتا بأرض الممر. لم يكن يتوقع هذا اللقاء لا من حيث التوقيت ولا من حيث الشكل ولا من حيث الوجع الذي اندفع في صدره دفعة واحدة. كان يعرف ليلى كما يعرف اسمه أو هكذا ظن. لكنه لم يعرفها بهذه الهيئة أبدا.
نهضت ليلى ببطء وكأن جسدها يعترض على الحركة. عدلت وضع العربة بحركة خبيرة ثم حملت أحد الأطفال ضمته إلى صدرها وربتت على ظهره بحنان غريزي. كان المشهد بسيطا لكنه ضرب مروان في مكان هش داخله.
تقدمت هالة خطوة صوتها خرج دافئا رغم القلق
إنت كويسة يا بنتي شكلك مرهقة.
ترددت ليلى لثانية تلك الثانية التي يقرر فيها الإنسان أي قناع سيرتدي. ثم قالت بهدوء مصطنع
أيوه الحمد لله.
لم يكن الحمد لله مقنعا لكنه كان كافيا لإغلاق باب الأسئلة مؤقتا.
قال مروان أخيرا صوته خرج أخفض مما أراد
ليلى إنت إنت عايشة هنا
هزت رأسها نفيا سريعا
لا. بس مفيش مكان ثابت.
لم ترد أن تقول أكثر لكنه فهم. فهم أكثر مما أراد.
تحرك طفل آخر في العربة وبدأ بالبكاء بكاء خفيفا سرعان ما التحق به صوت ثان. تحولت ليلى فورا إلى مركز هدوء متحرك يد تهدهد وأخرى تعدل الغطاء وصوت منخفض يهمس بكلمات غير
مفهومة لكنها مطمئنة.
راقبتها هالة بعين خبيرة
تم نسخ الرابط