كان مليونيرٌ يأخذ والدته في نزهةٍ هادئة داخل الحديقة فتجمّد في مكانه عندما لمح طليقته نائمةً على مقعدٍ خشبي، وبجوارها ثلاث رضّع

لمحة نيوز

عين أم عرفت التعب وقالت بحسم لا يقبل النقاش
مش هينفع كده. ثلاثة أطفال ومفيش مكان لا لا.
التفتت إلى مروان
إنت عندك شقة فاضية صح
فتح فمه ثم أغلقه. لم يكن مستعدا لهذا القرار لكنه لم يكن رافضا له أيضا.
قال بعد لحظة
آه فاضية.
نظرت ليلى إليه وفي عينيها شيء يشبه الكبرياء الجريح
مش محتاجة شفقة.
أجابها فورا دون تفكير
مش شفقة. استضافة. مؤقتة.
تدخلت هالة بنبرة حاسمة
ومن غير جدال. الأطفال دول مش مسؤوليتك لوحدك.
ساد صمت قصير لكنه كان مثقلا بالمعاني. أخيرا زفرت ليلى بعمق كمن يستسلم لا لأنه يريد بل لأنه لم يعد يملك خيارا آخر.
قالت
علشانهم بس.
كانت الشقة نظيفة أكثر مما ينبغي صامتة أكثر مما ينبغي. كل شيء فيها مرتب بلا روح بلا أثر بشري حقيقي. دخلتها ليلى بحذر كما لو كانت تخشى أن تفسد النظام بوجودها.
بينما خرج مروان ليشتري مستلزمات الأطفال تحركت هالة كأنها في بيتها. فتحت النوافذ شغلت الماء أعدت زجاجات الحليب وأجبرت ليلى على الجلوس.
قالت لها وهي تضع طبقا أمامها
كلي. ما ينفعش تبقي شايلة كل ده ومتاكليش.
اعترضت ليلى بخجل
مش قادرة.
ردت هالة بحزم لطيف
القدرة بتيجي بعد الأكل.
وفي وقت متأخر حين نام الأطفال أخيرا جلست ليلى تحكي. لم تحك لتستعطف بل كمن يفرغ حملا ثقيلا.
حكت عن فكرتها عن منصة رقمية لدعم
الأمهات الوحيدات عن مستثمر وعدها ثم انسحب عن أعمال مؤقتة عن ليال بلا نوم وعن امرأة تركت لها ثلاثة مواليد وقالت لو سبتهم هنا هيموتوا.
استمع مروان بصمت. لم يقاطعها لم يعرض حلولا سريعة. فقط استمع.
سألها أخيرا
المشروع لسه موجود
أومأت
آه. على اللابتوب.
قال بهدوء
عايز أشوفه.
رفعت عينيها إليه بحذر
ليه
أجاب
علشان مهم.
لم يكن الطريق سهلا. واجه مروان شكوك مجلس الإدارة واصطدم باسم قديم عاد إلى السطح سالم شوقي رجل أعمال عرف كيف يستغل ضعف ليلى سابقا. حين تأكد مروان من دوره قطع العلاقات بلا تردد.
وجاء الامتحان الأصعب حين مرض أحد الأطفال آدم. في المستشفى ارتجفت ليلى لأول مرة انهارت. أمسك مروان بيدها وقع الأوراق وتحدث مع الأطباء.
قال لها
مش لوحدك.
وفي تلك الليلة كشف لها عن طفولته عن تبنيه عن خوفه القديم من أن يكون الحب مشروطا.
قالت له ببساطة
إنت كفاية.
مرت الشهور بصعوبة صادقة. أطلق المشروع أخيرا لا كنجاح باهر بل كشيء حقيقي. امتلأت الشقة بالحياة بالضحك بالبكاء بالفوضى.
وفي مساء هادئ قال مروان
عايز أكون والدهم.
لم تجبه فورا. ثم قالت
نختار بعض من جديد.
بعد عام عادوا إلى الحديقة. نفس الأشجار نفس الممر. لكن المقعد لم يعد شاهدا على الانكسار بل على بداية مختلفة.
لم يختف الماضي لكنه لم يعد يحكمهم.

لقد بنوا شيئا جديدا
لا من الكمال
بل من المحاولة.
لم تبدأ المتاعب بصوت عال بل بزحف بطيء خفي كالرطوبة التي تتسلل إلى الجدران دون أن يلاحظها أحد ثم تكتشفها فجأة وقد نخرت الأساس. كان مروان يعرف هذا النوع من الخطر جيدا الخطر الذي لا يهاجمك مباشرة بل ينتظر اللحظة التي تظن فيها أنك استقريت.
في الأسابيع الأولى بدا كل شيء وكأنه يسير على حافة التوازن. الأطفال اعتادوا المكان أو هكذا بدا. ليلى بدأت تستعيد إيقاعا مفقودا وهالة صارت جزءا يوميا من المشهد لا ضيفة ولا زائرة بل عمودا خفيا لا ينهار البيت بدونه.
لكن خارج جدران الشقة كان العالم أقل رحمة.
جلس مروان في قاعة الاجتماعات الزجاجية محاطا بوجوه تحفظ ملامحه أكثر مما تحفظ نبرته. مجلس الإدارة لم يكن معاديا لكنه لم يكن متعاطفا أيضا. الأرقام تعرض التوقعات تناقش ثم يأتي السؤال الذي يعرفه مروان قبل أن يطرح.
قال أحدهم بنبرة محسوبة
فيه تراجع في تركيزك الفترة اللي فاتت. اجتماعات اتأجلت قرارات اتأخرت.
لم ينكر مروان. قال بهدوء
لأن في مشروع جانبي محتاج وقت.
تبادلوا النظرات. كلمة جانبي لم تطمئن أحدا.
قال آخر
مشروع جانبي ولا التزام عاطفي
لم يبتسم مروان هذه المرة.
مش كل حاجة إنسانية تبقى ضعف.
ساد صمت ثقيل كأن الجملة وضعت على الطاولة لتفحص من كل زاوية.
لم يصدر المجلس قرارا لكنه أطلق تحذيرا غير مباشر. خرج مروان وهو يعرف أن المساحة التي يتحرك فيها تضيق.
وفي مساء اليوم نفسه عاد إلى الشقة متعبا على نحو لا علاقة له بالإرهاق الجسدي. وجد ليلى جالسة على الأرض تحاول إطعام الأطفال المشهد فوضوي الأصوات متداخلة وملامحها مشدودة.
قال وهو يخلع سترته
يومك كان صعب
نظرت إليه بنصف ابتسامة
زي أي يوم مع تلاتة قرروا يتخانقوا مع المعلقة.
ضحك رغم تعبه وجلس إلى جوارها مد يده وساعدها. للحظة بدا الأمر طبيعيا أكثر مما توقع.
لكن في الليل حين نام الأطفال عادت المسافة.
قالت ليلى وهي تجمع الأكواب
حساك شايل أكتر من طاقتك.
رد دون مواربة
لأول مرة حاسس إن اللي شايله له معنى.
ترددت ثم قالت بصوت منخفض
بس أنا مش عايزة أكون السبب في خسارتك لأي حاجة.
نظر إليها طويلا ثم قال
الخسارة الحقيقية إني أرجع لوحدي.
لم تجب.
في اليوم التالي تلقت ليلى رسالة لم تكن تنتظرها لكنها كانت تخشاها منذ زمن. رقم مجهول لكن الاسم في التوقيع كان كافيا ليعيد الدم إلى رأسها.
سالم شوقي.
جلست تحدق في الشاشة قلبها يدق بعنف. قرأت الرسالة أكثر من مرة
سمعت إنك رجعتي. وسمعت كمان إن المشروع لسه عايش. محتاجين نتكلم.
لم تخبر مروان فورا. ليس لأنها لا تثق به بل لأنها تخاف أن يصبح الصراع صراعه وحده.
لكن
سالم لم ينتظر ردها طويلا.
في اجتماع مفاجئ ظهر اسمه على طاولة مجلس الإدارة كشريك محتمل في
تم نسخ الرابط