جوزى أتوفى ليلة الفرح قبل ما يقرب منى حتى
قصة جوزى أتوفى ليلة الفرح قبل ما يقرب منى حتى
لم أكن أتصور أن الموت يمكن أن يختار توقيتا ساخرا إلى هذا الحد.
أن يمد يده في ليلة يفترض أن تكون بداية لا نهاية.
كانت الموسيقى عالية والأنوار تضرب الجدران كأنها تحتفل بانتصار ما وأنا أقف بجواره أبتسم لا لأنني سعيدة تماما بل لأن السعادة كانت مطلوبة واجبة مفروضة علي كالفستان الأبيض.
كان جسده مشدودا أكثر من اللازم.
لاحظت ذلك قبل الزفة حين شد على يدي بقوة غير معتادة وحين همس لي بصوت مبحوح
أنا تمام بس قلبي بيدق بسرعة شوية.
ضحكت ظننتها رهبة اللحظة.
كلهم قالوا إن ده طبيعي خصوصا وهو معروف عنه هوسه بالجسم المثالي بالعضلات بالصورة اللي لازم تطلع كاملة قدام الناس.
أصحابه كانوا حواليه كدايما دايرين دايرة مغلقة.
نظراتهم سريعة همساتهم قصيرة وكأن بينهم لغة خاصة لا مكان لي فيها.
قبل ما نطلع للرقص بدقايق واحد منهم قرب وقال له
آخر مرة خدت الجرعة
رد عليه وهو بيضحك
ما تقلقش النهارده لازم أبقى أسد.
كنت قريبة كفاية إني أسمع وبعيدة كفاية إني ما أفهمش.
سألته بعدها
جرعة
هز كتفه باستخفاف
فيتامينات بلاش قلق.
لم أكمل السؤال.
لو عاد بي الزمن لكنت صرخت.
حين بدأ الرقص كانت الأرض تهتز والناس تصفق وأنا أدور معه وفجأة
توقف.
لم يسقط فورا بل تجمد كأن جسده نسي التعليمات ثم هوى أمامي ببطء مرعب.
في ثوان تحول الفرح إلى فوضى.
صرخات أياد تمتد موسيقى تنقطع فجأة وأنا واقفة لا أتحرك أحدق في وجهه الذي فقد لونه بسرعة غير طبيعية.
قوم بلاش هزار.
قلتها وأنا أرجه لكن جسده كان ثقيلا غريبا ليس جسد الرجل الذي كنت أعرفه.
الإسعاف جاءت حملوه وأنا لحقت بهم فستاني الأبيض يجر ورائي كذيل جنازة.
في المستشفى قالوا الكلمة القصيرة القاسية
توقف مفاجئ في عضلة القلب.
لم أبك.
البكاء جاء لاحقا حين رأيت أصحابه واقفين في الممر صامتين لا مصدومين كما ينبغي.
صرخت فيهم.
إنتو عملتوا فيه إيه!
واحد فيهم حاول يمسكني
اهدي مالناش ذنب.
نزعت إيده بعنف
إنتو اللي كنتوا دايما معاه إنتو اللي شجعته!
الطب الشرعي قال كلمته
منشطات مجهولة المصدر.
لا جريمة لا فاعل مباشر.
ملف اتقفل وأنا اتفتح جوايا جرح مالوش قرار.
بعد الدفن رجعت الشقة.
قالوا لي ما ينفعش أسيبها قبل الأربعين.
ضحكت بمرارة هو ساب الدنيا كلها في ليلة وأنا ممنوعة أسيب شقة.
في الليلة الأولى سمعت صوت رسالة على موبايله اللي نسيته في الصالة.
فتحتها دون وعي.
رسالة من واحد من أصحابه
ما تقلقش الليلة عدت. محدش هيعرف.
قريت الجملة عشر مرات.
ومن هنا بدأت الحقيقة تخرج من تحت الرماد.
لم أعد أبحث عن راحة بل عن تفسير.
الراحة كانت رفاهية لا أستحقها بعد الآن.
بدأت أفتح هاتفه أراجع محادثاته الصور التسجيلات الصوتية.
اكتشفت عالما موازيا
مواعيد جرعات أسماء مواد لا أعرف نطقها ورسائل تحفيز غريبة
استحمل شوية.
الجسم لازم يكسر.
الوجع ده ثمن الرجولة.
في تسجيل صوتي كان صوته متعبا
حاسس قلبي مش مظبوط.
وجاءه الرد ساخرا
ده خوف بس ما تبقاش ضعيف.
كرهتهم.
كرهتهم كرها نقيا بلا تردد.
واجهتهم واحدا واحدا.
بعضهم أنكر بعضهم هرب وبعضهم قال ببرود
هو كان كبير وعارف هو بيعمل إيه.
لكن الحقيقة ظهرت كاملة في رسالة أخيرة مسجلة قبل الفرح بساعتين
لو حصلي حاجة خلي بالك من مراتك.
كانت
الرجل الذي وقف في العزاء يبكي أكثر من اللازم.
ذهبت إليه.
فتحت الباب دون مقدمات.
قلت بهدوء مرعب
إنت كنت عارف إنه ممكن يموت.
ارتبك ثم جلس
إحنا ما كناش متوقعين اللي حصل.
قاطعته
كنتوا عارفين بس ما كنتوش فارق معاكم.
صمت طويل.
ثم قال جملة واحدة دمرت آخر ما تبقى
كان لازم يكمل وإلا يبقى خسر كل حاجة.
خرجت وأنا أعرف بيقين لا يحتاج إلى دليل أن العدالة الرسمية لن تأتي.
لن يطرق بابي قاض يحمل إنصافا ولن تعود الحقيقة كاملة على هيئة حكم أو قرار.
القضية أغلقت في الملفات لكنها فتحت في صدري إلى الأبد.
ومع ذلك خرجت الحقيقة إلى النور.
لم تخرج دفعة واحدة بل زحفا كلمة وراء كلمة شهادة بعد شهادة حتى صار من المستحيل دفنها من جديد.
كتبت.
لا لأنني أحب الكتابة بل لأن الصمت صار خيانة.
نشرت.
لا طلبا للتعاطف بل كي لا يقال لاحقا إن أحدا لم يكن يعرف.
تكلمت.
رغم الأصوات التي حاولت خنقي ورغم الأبواب التي أغلقت في وجهي ورغم النصائح المغلفة بالشفقة انسي وعيشي.
اتهموني بكل شيء يريح ضمائرهم.
قالوا إنني
قالوا إنني أشهر لأن الحقيقة حين تقال بلا إذن تصبح