قصة حقيقية عن أمّ سقطت في الشارع… ويدٍ امتدّت في اللحظة الأخيرة

لمحة نيوز

لم يكن الغروب في ذلك اليوم يحمل وعدا بالجمال بل كان أشبه بإنذار متأخر.
الشمس وهي تميل ببطء فوق شوارع دالاس الواسعة لم تلطف الحرارة بقدر ما كشفتها فارتعش الأسفلت تحت أقدام العابرين وتراقص الهواء كأنه يتنفس بصعوبة.
السيارات انزلقت مسرعة نوافذ مغلقة وجوه محايدة وعالم كامل يتحرك دون أن ينظر إلى جانبيه.
على الرصيف كانت مريم تسير بخطوات غير متزنة كأن الأرض لم تعد تتعاون معها.
في الثانية والثلاثين من عمرها لم تعد تشبه المرأة التي كانتها يوما.
كانت تحتضن حقيبة قماشية بالية إلى صدرها لا لقيمتها بل لأنها تحمل آخر ما تملكه بعض الملابس أوراق قديمة وذكريات لم تجد مكانا آخر تختبئ فيه.
إلى يمينها كان إلياس ذو العامين يجر قدمه الصغيرة بتعب ويده مشتبكة في يدها كأنها الحبل الأخير بينه وبين الأمان.
وإلى يسارها كانت ريم أكثر نحولا أكثر صمتا ترفع رأسها بين الحين والآخر وتنظر في الوجوه العابرة بنظرة لم تعد تسأل بل تراقب فقط.
كان العرق يتصبب من جبين مريم ورؤيتها تتشوش.
شعرت بأن الهواء صار أثقل وأن صدرها لم يعد يتسع لأنفاسها.
حاولت أن تتوقف أن تستجمع قوتها أن تجلس فقط دقيقة واحدة لكن جسدها لم ينتظر إذنا.
خارت ساقاها.
وسقطت.
ارتطام جسدها بالخرسانة الخشنة لم يكن عالي الصوت لكنه كان كافيا ليهز عالما صغيرا.
شهق إلياس وانفجر بالبكاء بينما أطلقت ريم صرخة حادة شقت الهواء كسكين.
حاولت مريم أن تتحرك أن ترفع رأسها أن تقول أي شيء لكن الظلام سبق الكلمات.
مر الناس.
بعضهم أبطأ خطاه بعضهم حدق لثوان آخرون أشاحوا

بوجوههم.
امرأة شدت حقيبتها إلى صدرها رجل نظر إلى ساعته شاب التقط صورة من بعيد ثم مضى.
لم يكن فيهم من أراد أن يرى أكثر مما يكفي ليقنع نفسه أنه غير مسؤول.
كانت مريم في تلك اللحظة غير مرئية.
على بعد أمتار قليلة أبطأت سيارة سوداء رباعية الدفع من سرعتها.
زجاجها المظلل انخفض ببطء كاشفا عن وجه رجل في أوائل الخمسينيات ملامحه هادئة اعتادت السيطرة.
كان اسمه يونس الصياد رجل أعمال يعرفه الجميع وتعرفه الشاشات أكثر مما يعرفه الناس.
كان في طريقه لاجتماع لا يحتمل التأجيل أو هكذا ظن قبل أن تقع عيناه على طفلين يتشبثان بأم ممددة على الرصيف.
شيء ما انقبض في صدره شيء لم يعتد أن يشعر به في مواقف كهذه.
أوقف السيارة.
نزل دون أن يفكر.
جثا إلى جانب مريم ونادى بصوت مرتفع لا يخاطب أحدا بعينه
هل تسمعني
لم يجبه أحد.
وضع إصبعين على معصمها.
نبض ضعيف لكنه موجود.
تحركت شفتا مريم بالكاد وخرج صوت مكسور
أطفالي
ثم غابت من جديد.
في تلك اللحظة لم يعد يونس رجل أعمال ولا مليارديرا ولا اسما على غلاف مجلة.
كان مجرد إنسان يرى ما يحدث أمامه.
أخرج هاتفه واتصل بالإسعاف صوته حازم لا يقبل المماطلة.
وأثناء الانتظار انخفض إلى مستوى الطفلين.
كانت عينا إلياس محمرتين وريم ترتجف بصمت.
قال لهما بصوت لم يعرف أنه يملكه
أنا هنا. أمكما ستكون بخير.
تشبثا به.
بلا سؤال.
بلا تردد.
حين وصلت سيارة الإسعاف تحرك المسعفون بسرعة مدروسة.
رفعوا مريم على النقالة وبدأوا إجراءاتهم.
وحين حاول أحدهم إبعاد الطفلين قال يونس بهدوء لا يحتمل النقاش
سيذهبان
معها.
في المستشفى كان الضوء الأبيض قاسيا والأسئلة كثيرة.
التشخيص جاء واضحا إنهاك شديد جفاف وسوء تغذية.
ليست على حافة الموت لكنها كانت قريبة بما يكفي لتخيف.
جلس يونس في غرفة الانتظار وإلياس وريم إلى جواره.
اشترى بسكويتا وعصيرا من آلة البيع وقطع الطعام بعناية ومسح الفتات عن وجهيهما.
شعر لأول مرة منذ سنوات أنه حاضر فعلا في لحظة حقيقية.
وحين فتحت مريم عينيها بعد ساعات كانت كلمتها الأولى همسا
أطفالي
طمأنتها الممرضة وبعد لحظات دخل يونس إلياس ممسك بيده وريم مستقرة على كتفه.
امتلأت عينا مريم بالدموع.
قالت بصوت مبحوح
من أنت
أجاب ببساطة
اسمي يونس. وجدتك في الشارع. أنت بأمان الآن.
تلاقت في نظرتها مشاعر الخجل والامتنان والخوف.
همست
لم أظن أن أحدا سيتوقف.
وفي تلك الجملة الصغيرة كان كل شيء قد بدأ.
لم تكن مريم تحب المستشفيات رائحة المطهرات التي تخنق الصدر الضوء الأبيض القاسي الذي لا يرحم العيون والأصوات المتقطعة للأجهزة التي تذكرك في كل لحظة بأن الحياة يمكن أن تنقطع فجأة. ومع ذلك كانت مستلقية على السرير تراقب السقف وتدرك للمرة الأولى منذ شهور أنها ما زالت على قيد الحياة وأن طفليها لم ينتزعا منها كما كانت تخشى في ليال كثيرة قضتها على الأرصفة.
في اليوم الأول كانت تستيقظ فزعة كل ساعة تقريبا تتحسس جسدها ثم تمتد يدها تلقائيا تبحث عن إلياس وريم. كانت تخاف أن تفتح عينيها فلا تجدهما كما كانت تفعل في الشارع حين تغفو نصف غفوة مرعوبة من أن يختفي أحدهما في الزحام أو يؤخذ منها بحجة العجز أو الفقر.
لكنهما كانا هناك إلياس نائم بهدوء غير معتاد وريم جالسة على الكرسي بجوار السرير تحدق في الباب كأنها تحرس عالمها الصغير من أي تهديد محتمل.
لم تسأل مريم كثيرا عن الرجل الذي أوقف سيارته كأن السؤال اعتراف بثقل الجميل وهي لم تعد تملك ما تسدده. كل ما تعرفه أنها سقطت وأن أحدا لم يدر وجهه هذه المرة. كانت هذه الفكرة وحدها مربكة مؤلمة ومريحة في آن واحد.
دخل يونس الغرفة في اليوم التالي بهدوء خطواته ثابتة وملابسه بسيطة على غير ما توقعت. لم يكن مظهره صاخبا ولا يحمل تلك الثقة المتعالية التي اعتادت أن تراها في وجوه الأغنياء. ابتسم ابتسامة قصيرة وقال صباح الخير بصوت لا يحمل فضولا ولا شفقة. ردت مريم بصوت خافت حاولت أن تخفي ارتباكها وشكرا ثقيلة خرجت منها كأنها اعتذار.
جلس قليلا لم يقف فوق رأسها ولم يكثر من الأسئلة. تحدث عن الطقس عن ازدحام الشوارع في هذا الوقت من السنة عن أشياء عادية بدت لها غريبة كأنها تنتمي لحياة أخرى لا تشبه حياتها. كانت تستمع بصمت تشعر بشيء يشبه الحنين حنين لحياة لم تكن مثالية لكنها كانت آمنة.
في المساء سمعت مريم ممرضة تهمس لأخرى باسم يونس فتوقفت الكلمة في أذنها. لم تكن تنوي الفضول لكنها لم تستطع مقاومة الرغبة في الفهم. التقطت هاتفها القديم بطاريته تحتضر وشاشته متشققة وبحثت عن اسمه. ظهرت النتائج سريعا صور مقالات أرقام وعناوين عن رجل أعمال ناجح صفقات كبرى شركات ونفوذ واسع. أغلقت الهاتف بسرعة كأنها ارتكبت خطأ وشعرت بانقباض في صدرها لم تعرف سببه.
في تلك الليلة لم تنم جيدا.
كانت أفكارها تتصارع لماذا ساعدها هل سيطلب شيئا هل سيكون هذا الأمان
تم نسخ الرابط