قصة حقيقية عن أمّ سقطت في الشارع… ويدٍ امتدّت في اللحظة الأخيرة
مؤقتا لطالما علمت نفسها ألا تثق بالهدايا الكبيرة لأنها غالبا ما تخفي ثمنا أكبر. الفقر علمها أن كل شيء يحسب وأن لا شيء يمنح بلا مقابل.
في اليوم التالي جاء يونس ومعه حقيبة صغيرة مليئة بالألعاب. جلس على الأرض دون تردد وبدأ يلعب مع إلياس وريم ضحكاتهما تملأ الغرفة. راقبته مريم بصمت تحاول أن تجد في تصرفاته ما ينذر بالخطر لكنها لم تجد سوى بساطة حقيقية أربكتها أكثر من أي سؤال مباشر.
بعد أن خرج الطفلان مع الممرضة لبعض الوقت نظرت إليه مريم وقالت بصوت ثابت رغم ارتجافه الخفيف
أنا ممتنة لما فعلته لكني لا أستطيع قبول أكثر من ذلك.
رفع يونس نظره إليها لم يقاطعها ولم يبتسم ابتسامة مطمئنة مصطنعة.
قال بهدوء لم أعرض شيئا بعد.
تنفست بعمق وكأنها تجمع شجاعتها من مكان بعيد داخلها.
أنا لا أبحث عن صدقة ولا عن شفقة. فقط لا أريد أن أشعر بأنني مدينة لأحد.
ساد صمت قصير لكنه لم يكن ثقيلا. قال بعدها أفهم. لهذا لم أسأل ولم أفرض شيئا. أنت لست حالة ولا مشروع مساعدة. أنت أم تحاول النجاة.
تسللت دمعة إلى عينها دون إذن ومسحتها بسرعة غاضبة من ضعفها. لكنها شعرت لأول مرة منذ زمن طويل أن أحدا يراها كما هي لا كما تبدو من الخارج.
خرجت مريم من المستشفى بعد أيام جسدها ما زال ضعيفا لكن ذهنها أكثر صفاء. عرض يونس عليها شقة صغيرة مؤقتة بلا شروط بلا مواعظ وبلا وعود طويلة. قاومت الفكرة في البداية لكن نظرة واحدة
دخلت الشقة وكأنها تدخل عالما جديدا. الماء الجاري السرير النظيف الضوء الذي يدخل من النافذة دون خوف. جلست على الأرض وبكت بصمت بكاء طويلا لم يكن ضعفا بل تفريغا لكل ما تراكم داخلها. وفي تلك الليلة نامت مريم للمرة الأولى دون أن تحسب عدد الساعات المتبقية قبل الصباح ودون أن تفكر أين ستذهب غدا.
لكن رغم الأمان المؤقت لم تنس مريم نفسها ولم تنس وعدها الداخلي بأنها لن تبقى معلقة بيد أحد. كانت تعرف أن هذا الفصل ليس نهاية بل اختبارا جديدا وأن القادم سيكشف إن كان هذا العبور نعمة عابرة أم بداية حياة مختلفة تماما.
كانت مريم تعرف في أعماقها أن هذا الأمان لا يمكن أن يكون دائما إن لم تمسكه بيديها. لم تكن تلك الشقة سوى هدنة قصيرة مع الخوف فرصة لالتقاط الأنفاس لا أكثر. لذلك منذ الأسبوع الأول بدأت تستعيد شيئا كانت تظنه مات داخلها الانضباط. كانت تستيقظ قبل شروق الشمس تحضر الفطور لإلياس وريم ترتب المكان بعناية مبالغ فيها كأنها تحاول أن تثبت لنفسها قبل أي أحد أنها تستحق هذا السقف وأنها قادرة على الحفاظ عليه.
لم تنتظر مريم عرضا جاهزا ولا بابا يفتح بالشفقة. حين أخبرها يونس عن مقابلة عمل في إحدى الشركات التابعة له شددت منذ اللحظة الأولى على شرطها الوحيد ألا يعرف أحد قصتها. لم تكن
جاءها الاتصال بعد أيام قليلة. كانت تمسك الهاتف بيد مرتجفة وإلياس يشد طرف قميصها وريم تضحك بلا سبب واضح. حين سمعت الجملة القصيرة تم قبولك لم تصرخ ولم تبك. جلست فقط على الكرسي أغلقت عينيها ووضعت يدها على صدرها. في تلك اللحظة فهمت أن النجاة ليست حدثا واحدا بل سلسلة قرارات صغيرة تتخذ رغم الخوف.
بدأت مريم العمل وكان التعب مختلفا هذه المرة. تعب له معنى له مقابل وله نهاية يوم واضحة. كانت تعود مساء منهكة لكن ضحك طفليها كان يرمم ما تهدم فيها خلال النهار. شيئا فشيئا تغير إيقاع حياتهم. صارت الأيام تقاس بالروتين لا بالنجاة وبالمواعيد لا بالمخاوف. تعلمت ريم أغنية جديدة في الحضانة وصار إلياس يسأل عن الغد بثقة طفل يعرف أن الغد موجود.
أما يونس فلم يختف ولم يقترب أكثر مما ينبغي. كان حاضرا دون أن يفرض نفسه يزورهم أحيانا يجلس قليلا يلعب مع الطفلين ويغادر. لم يذكر مريم بما فعل ولم يطالبها بشيء. هذا الصمت
في إحدى الليالي وبعد يوم طويل جلسوا معا يتناولون العشاء. كان الطعام بسيطا لكن الجو مشبع بالطمأنينة. قالت مريم فجأة وكأنها تتحدث إلى نفسها لو أنك لم تتوقف في ذلك اليوم لا أعرف أين كنا سنكون الآن.
نظر إليها يونس طويلا ثم قال بصوت هادئ ولو أنك استسلمت بعده لما وصلنا إلى هنا.
ابتسمت مريم لأول مرة دون حذر ودون خوف من الغد.
مرت السنوات ولم تعد مريم تلك المرأة التي سقطت على الرصيف لكنها لم تنسها أيضا. احتفظت بتلك الذكرى كجذر لا كجرح. كانت تحكي لإلياس وريم حين كبرا قصة مختلفة عن الشارع قصة عن قرار وعن إنسان توقف وعن أم لم تترك يد طفليها حتى وهي تسقط.
أما يونس فقد تغيرت نظرته للعالم. لم يعد يقيس النجاح بالأرقام وحدها بل بتلك اللحظات التي يختار فيها الإنسان ألا يدير ظهره. لم يتحدث عن القصة في المؤتمرات ولم يضعها في سيرة ذاتية لأنها لم تكن إنجازا بل تذكيرا.
وهكذا لم تكن الحكاية معجزة ولا نهاية مثالية خالية من التعب. كانت فقط دليلا على أن الحياة قد تنحرف فجأة وأن طريقا واحدا قد ينقسم إلى مصيرين وأن قرارا صغيرا في لحظة عابرة قد يصنع فارقا لا يمحى.
وأحيانا
لا نحتاج إلى أن ينقذنا أحد
بل إلى من يمنحنا
لننقذ أنفسنا.