اتّصل ابني وقال بِعتُ المنزل وسحبتُ أموالك ضحكتُ لأنّه لم يكن يعرف الحقيقة
المحتويات
اسمي نوال عبد الرحمن أبلغ من العمر أربعا وسبعين سنة ولم أكن أظن أن مكالمة هاتفية واحدة قادمة من ابني نفسه ستكون اللحظة التي أضحك فيها بدل أن أنهار.
كان الصباح هادئا على نحو يبعث على الطمأنينة.
البيت ساكن والضوء يتسلل بكسل عبر النافذة ورائحة القهوة تملأ المطبخ الصغير الذي عرفت فيه وحدتي بعد وفاة زوجي. كنت أتحرك ببطء لا لأن العمر أثقلني بل لأنني لم أعد أرى أي جدوى من العجلة.
رن الهاتف.
لم أكن أنتظر أحدا لكن الاسم الذي ظهر على الشاشة جعلني ألتقط السماعة فورا سالم ابني الوحيد.
لم أسمع تحية ولا سؤالا عن حالي.
جاء صوته متسارعا حادا يحمل نبرة انتصار لا تخطئها الأذن.
قال
أمي سأتزوج غدا. سحبت كل المال من حساباتك وبعت المنزل. كل شيء انتهى. أردت فقط أن أخبرك.
ثم أغلق الخط.
وقفت في مكاني والسماعة لا تزال في يدي. لم أشعر بالصدمة التي كنت أتخيلها لو حدث هذا
ضحكة فهم.
في تلك اللحظة أدركت أمرا واحدا بوضوح قاطع
كان سالم يظن أنه سبقني بخطوة بينما لم يكن يرى الطريق أصلا.
جلست على الكرسي وأسندت ظهري واستعدت شريط السنوات الماضية.
نفاد صبره لم يكن جديدا. كان يريد كل شيء بسرعة المال النفوذ الشعور بالقوة. لا يؤمن بالانتظار ولا يرى في التدرج قيمة. ومنذ تعرفه إلى خطيبته ريم أصبح أكثر جفافا أكثر جشعا وأكثر بعدا.
لم يكن يتصل إلا حين يحتاج.
وأنا كنت أسمع وأصمت وأراقب.
ما لم يكن يعلمه أن البيت الذي نشأ فيه لم يكن باسمي وحدي. بعد وفاة زوجي وبناء على نصيحة قانونية قديمة أنشئت شركة عائلية لإدارة الأملاك. كان لي حق السكن والانتفاع لكن لم يكن لي حق البيع ولا التصرف الكامل دون موافقة مجلس الإدارة.
وسالم لم يكن عضوا
كما لم يكن يعلم أن الحسابات البنكية محمية منذ سنوات بنظام توثيق مزدوج فعل يوم شعرت أن الأمومة وحدها لم تعد كافية.
حين رن الهاتف مساء كان مدير البنك على الخط.
أخبرني عن محاولات سحب غير معتادة وعن بيع عقار قيد التنفيذ.
طلب توجيهاتي.
قلت له بهدوء
جمدوا كل شيء. أريد تقريرا كاملا الليلة.
أغلقت الهاتف وارتشفت قهوتي ببطء.
كنت أعرف أن الزفاف في الغد.
وكنت أعرف أن سالم يظن أن الأمور حسمت.
وكنت أعرف أيضا أن الحقيقة حين تظهر لا تحتاج إلى صوت مرتفع.
في صباح اليوم التالي كنت جالسة في مكتب قانوني هادئ في وسط المدينة. أمامي جلس كاتب عدل ومحام مختص ومدير البنك. لم يكن في المكان أي توتر فقط دقة متناهية وأوراق تقلب بعناية.
تأكد كل شيء سريعا.
بيع المنزل باطل قانونيا.
الأموال مجمدة ولا يمكن استخدامها.
والشركة العائلية فعلت بندا واضحا بسبب محاولة استيلاء غير
عند الحادية عشرة صباحا رن هاتفي.
سالم.
نظرت إلى الاسم ثم وضعت الهاتف جانبا. لم أجب.
لم يكن ذلك قسوة بل وعيا. بعض الكلمات لا تقال حين تكون النفوس مضطربة.
بعدها بنصف ساعة اتصلت ريم. كان صوتها مكسورا متوسلا. لم أجب أيضا. لم أعد الشخص الذي ينقذ الآخرين من نتائج اختياراتهم.
عند الثانية عشرة جاء اتصال من محامي سالم يطلب اجتماعا عاجلا. وافقت وذهبت برفقة محاميتي هدى الكيلاني امرأة هادئة لا ترفع صوتها لأنها تعرف أن القانون لا يحتاج إلى انفعال.
حين دخل سالم القاعة بالكاد عرفته.
اختفى ذلك الغرور القديم وبقي رجل مرتبك منهك يدرك متأخرا أنه لم يكن ممسكا بالخيوط.
بدأ يتحدث بعصبية اتهمني بالقسوة بالتخطيط بتدمير يومه. تركته حتى انتهى. لم أقاطعه. كنت أستمع إليه كما يستمع المرء إلى صدى أفعاله.
ثم تحدثت هدى.
شرحت الوثائق البنود الحماية القانونية والنتائج
متابعة القراءة