اتّصل ابني وقال بِعتُ المنزل وسحبتُ أموالك ضحكتُ لأنّه لم يكن يعرف الحقيقة

لمحة نيوز

للأوهام.
عندها فقط تكلمت أنا.
قلت بهدوء
لم آخذ منك شيئا. أنا فقط منعتك من أن تأخذ ما ليس لك.
لم أحتج إلى إضافة شيء.
في ذلك اليوم ألغي الزفاف.
غادر المدعوون في حيرة.
وانقسمت العائلة بين من لامني ومن صمت.
أما أنا فعدت إلى بيتي هادئة كأنني أغلقت بابا ظل مفتوحا أكثر مما ينبغي.
مر عامان بعد ذلك.
لم أقطع سالم عن قلبي لكنني وضعت بيننا مسافة تحميني.
تعلمت أن الحب لا يبرر الظلم وأن القربى لا تعني التنازل عن الكرامة.
بعت حق الانتفاع بالمنزل وانتقلت إلى شقة صغيرة بسيطة لكنها لي وحدي.
أعيش فيها الآن بسلام مقصود أعد قهوتي كما أحب وأفتح النافذة كل صباح دون خوف.
تعلمت أن الصمت ليس دائما ضعفا.
أحيانا يكون الصمت قرارا.
وأحيانا يكون هو الحد الفاصل
بين من ننجو منهم ومن نضيع لأجلهم.
في الصمت اكتشفت نفسي من جديد. اكتشفت تلك المرأة التي انشغلت سنوات طويلة بإرضاء الآخرين حتى نسيت صوتها الداخلي. كان الصمت هو المساحة الوحيدة التي سمحت لي أن أسمع أفكاري بوضوح أن أراجع حياتي دون تشويش وأن أعترف لنفسي بأشياء كنت أؤجلها خوفا من المواجهة. أدركت أن كثيرا مما كنت أتحمله لم يكن نابعا من قوة بل من خوف مقنع باسم الصبر.
لم يكن الصمت الذي اخترته هروبا بل كان وقفة صادقة مع الذات. وقفة أسأل فيها نفسي إلى أي حد يجب أن أعطي ومتى يتحول العطاء إلى استنزاف ومتى يصبح السكوت مشاركة غير مباشرة في الخطأ كانت تلك الأسئلة مؤلمة لكنها ضرورية لأن الإجابات غيرت طريقة رؤيتي لكل ما حولي.
تعلمت أن بعض العلاقات
لا تنقذها التضحيات المستمرة بل تفسدها. وأن التساهل المتكرر لا يصنع محبة أعمق بل يخلق اعتيادا خطيرا على تجاوز الحدود. كنت أظن أن الاحتمال فضيلة مطلقة حتى فهمت أن الاحتمال حين يتجاوز حدوده يصبح ظلما للنفس وأن النفس المظلومة لا تستطيع أن تمنح حبا سليما.
مع الوقت أدركت أن وضع الحدود لا يعني القسوة بل الوضوح. والوضوح مهما بدا مؤلما في بدايته أرحم من الغموض الذي يترك الجراح مفتوحة. حين وضعت حدودي لم أفعل ذلك لأعاقب أحدا بل لأحمي ما تبقى مني. لم أعد أشرح كثيرا ولم أعد أبرر قراراتي لكل من يسأل. بعض القرارات لا تحتاج إلى تفسير لأنها ببساطة مسألة بقاء.
تعلمت أيضا أن العمر لا يقاس بعدد السنوات بل بكم مرة اخترنا أنفسنا فيها دون شعور بالذنب.
في سني هذا لم أعد أبحث عن إثبات شيء لأحد ولا عن اعتراف متأخر بقيمتي. يكفيني أن أعيش بسلام مع نفسي وأن أنظر في المرآة دون أن أشعر بأنني خذلتها.
الصمت الذي اخترته لم يكن فراغا بل امتلاء. امتلاء بالرضا وبالقناعة وبحياة أبسط لكنها أصدق. صرت أقدر التفاصيل الصغيرة فنجان قهوة في الصباح ضوء الشمس على الجدار هدوء المساء. أشياء كانت موجودة دائما لكنني لم أكن أراها لأنني كنت منشغلة بإطفاء حرائق الآخرين.
ولو كان لي أن أختصر كل ما تعلمته في جملة واحدة لقلت لا تخف من الصمت حين تشعر أن الكلام لم يعد يجدي. لا تخف من المسافة حين تشعر أن القرب يؤذيك. فبعض النجاة لا تأتي بالاندفاع بل بالانسحاب الحكيم وبعض السلام لا نصنعه مع الآخرين بل نصنعه أولا
داخل أنفسنا.

تم نسخ الرابط