رواية اسد مشكى الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم رحمه نبيل
صلوا على نبي الرحمة .
واستمتعوا بآخر الفصول الهادئة قبل فتح أبواب ال...
يسير معها في الطرقات الخاصة بمشكى والتي كان المعتصم قد أمنها بالفعل بنفسه سابقا لكن دون أن يشعر به أحدهم بذلك ليظهر كما لو أنه كان من البراعة ليهرب وحده .
والآن يدعي نزار أنه يتبع توبة وهي من ترشده صوب بوابة الخروج من المكان وتوصله للخارج بأمان.
مرشدته الساحرة التي أخرجته من أسوار مشكى المتينة.......
_ هيا اتبعني لا أحد في هذا الممر .
ابتسم لها نزار يتحدث بشرود وهو يسير خلفها
_ آه الحمدلله أن الهمني طلب مساعدتك الله وحده يعلم ما كان سيحدث لي لو خرجت من هنا وحدي او قابلت أحدهم .
استدارت له توبة تنظر له ببسمة داعمة وهي تجيب ببساطة رغم القلق والضيق لما تفعل فهي الآن تساعده في الهروب مجددا وتساهم للمرة الثانية في إبعاده عن توبته وتلقيه بين التهلكة ليبحث بنفسه عن غفرانه .
توقفت فجأة في أحد الممرات وهي تنظر له ثواني قبل أن تردد بجدية
_ نزار ....لم لا .... أرجوك تراجع عما تخطط له أنا قلقه ألا نخرج سالما هذه المرة صدقني سأتوسط لك لدي أبي والجميع واخبرهم أنك من ساعدني و...
توقفت عن الحديث ثواني قبل أن تندفع تردد بجدية
_ وسأخبر أرسلان أنك أنت من ساعدني لندله على مكان زوجته حين اختطفها أنمار عد معي رجاء ساعدني لأساعدك ..
نظر لها نزار ببسمة صغيرة يتابع كلماتها ويسعده الخوف الذي يبصره على وجهها في هذه اللحظة ولو كان الأمر بيده وتوقف عند حدود غفران يطلبه لنفسه لتخلى عن غفرانه لأجل توبته يقسم لو أن الهروب للجحر كان لأجله وبإرادته لتخلى عن كل ذلك لأجل تلك النظرة وهذه الكلمات .
_ الله خير حافظ سمو الأميرة فقط تذكريني بالخير دائما و...انتظريني توبة .
_ أنت لا تساعد في طمئنتي نزار ما الذي تنتوي له
ابتسم لها وهو يشير بعيونه صوب الطريق
_ الخير بإذن الله دعينا نكمل الطريق كي لا نتأخر فيكشفنا أحدهم اسبقيني لتأمني لي الطريق.
ولو كانت توبة تفكر قليلا فيما يحدث حولها لأدركت في هذه اللحظة أن هذا الهدوء واليسر كان مريبا ومرعبا أكثر من وجود حراس في هذا الوقت وفي هذا المكان .
لكن يبدو أن خوفها على نزار في هذه اللحظة لغى كل عقلانية قد تتسم بها .
ونزار ذلك العاشق يسير خلفها هائما كما لو كانت تجذبه ملقية عليه تعويذة سحرية الفتاة لم تكن تبذل أي جهد حتى لتبهره يكفيه أن تبتسم لتلتمع عيناه .
نعم تماما كما تفعل الآن بمجرد أن أبصرت نفسها تقف معه على بوابة القصر الخلفية دون أن يحيل أحدهم بينهم وبين الحرية.
استدارت بسعادة كبيرة وهي تهتف دون تصديق
_ لقد ...فعلناها...يا ويلي نزار فعلناها لقد ...لقد ساعدتك في الهرب من حصون مشكى هذا .....شيء يخلد في التاريخ .
ونزار رغم معرفته أن خروجهم بسلام الآن كان في المقام الأول بتخطيط ومباركة من أرسلان نفسه إلا أنه عندما يتعلق الأمر بتوبة فليحترق أرسلان
_ نعم وكل هذا بفضل الله أولا وفطنتك ثانيا لولا وجودك معي الله وحده يعلم ما كان سيحدث ربما فاجئني أحدهم دون توقع وسقطت بين ايديهم مجددا .
اتسعت عيون توبة وهي تتخيل ما
_ لا قدر الله جيد أنني كنت معك وساعدتك .
جاراها نزار بالكلمات
_ الحمدلله .
نظرت حولها وهي تطمئن أن كل شيء آمن
_ اعتقد أن بوابة الخروج من جدار القلعة هناك من هذه الجهة هل ارشدك لها لأطمئن أكثر.
اوقفها نزار عن التحرك وهو يمد ذراعه يقطع طريقها صوب الجدار الخاص بالقلعة
_ إلى هنا وانتهى دورك سمو الأميرة أنا سأباشر من هنا وحدي ولا تقلقي كل شيء مخطط له .
توقفت ونظرت لذراعه ثواني قبل أن ترفع عيونها له تنظر له بتردد كبير
_ هل ...ستكون بخير
_ سأكون .
_ عدني
_ لا أعد بما لا أطيق حمله سمو الأميرة يكفيني وعدا واحدا معلقا في رقبتي والله وحده يعلم كيف سأنفذه .
كان الخوف يرعد داخل صدرها وهي تنظر له من خلف لثامها تتحدث دون وعي
_ أي وعد تقصد
_وعد قطعته على نفسي عسى الله يمنحني القوة لأن انفذه .
_ كن بخير نزار رجاء.
ابتسم لها بسمة صغيرة
_ عساني أكون بخير كي أعود واطالبك بدينك .
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم لكلماته
_ دين !
_ تدينين لي بحياتك لي طلب لا يرد ... تتذكرين
فجأة لمعت في عقلها ذكرى قريبة تشعر بها بعيدة لتبتسم بسمة صغيرة
_ فقط عد بسلامة ولك مني طلبا لا يرد سائله نزار .
_ أرى أنك بدأتي تتواضعين معي هذه الفترة هل هذا لأجل الوداع
_ عساه ألا يكون وداعا لعل الله يكتب لنا لقاء آخر..
ابتسم لها وهو يرفع اللثام وأخيرا فوق وجهه يتجهز للرحيل
_ إذن هل أجدك في انتظاري إن كان لنا لقاء
كان يتحدث وهو يتحرك بعيدا ينظر لها منتظرا أن تمن عليه بكلمات تروي ظمأه وتشدد من عوده وتقويه على ما سيلقي به نفسه .
_ فقط عد بخير نزار .
_ هذا ليس جوابا سمو الأميرة.
امتلئت عيون توبة بدموع منعتها بصعوبة وهي ترسم بسمة واسعة على فمها
_ جوابي سأمنحه لك حينما تعود سمو الأمير.
_ سأعتبر هذه إجابة بنعم وأنك ستنتظريني توبة .
قاومت توبة حتى آخر لحظة الاعتراف باهتمامها به هذا إن تواضعت مشاعرها واكتفت بوصفها بكلمة فقيرة ك اهتمام ليته كانت اهتماما فتفقده ويا ليت كان شغف فيبهت .
يا ليت ويا ليت لكن ما الأماني إلا رغبات مكبوتة مقيدة بالحياة تنتظر الخلاص .
سقطت دمعة فشلت في كبتها كما فعلت بمثيلاتها
_ فقط.... أنا....كن بخير نزار.... لأجلي ارجوك.
كانت كلماتها الأخيرة خافتة فلم تصل له أما عنه ابتسم بسمة واسعة وهو يرفع يده يضعها على قلبه في بادرة بدت كما لو أنه يؤدي لها تحية لكنه في الحقيقة كان يوصيها بقلبه .
_ السلام عليكم سمو الاميرة .
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى خيال نزار بين الظلمات تاركا توبة تتابعه بعيون دامعة تحاول الابتسام وعدم الركض خلفه تترجاه البقاء والعودة
_ وعليكم السلام...نزار .
_ الصبر ليس فقط مفتاح الفرج يا عزيزي بل هو دليلك للوصول إلى قمة النصر لذلك كانت نهاية كل من سبقني هي الدفن في التراب .
ختم أصلان كلماته وهو يعتدل ينظر لوجه أحد رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يراقب جرحه الذي عالجه منذ ساعات بعدما نجى بصعوبة من طعنة سالار
_ نحن لم نخسر
نظر الرجال لبعضهم البعض وقد بدأ الضيق يحتل النفوس من كل ذلك الانتظار فمنذ لحظة اقتحام الممالك والجميع يترقب لخطة أصلان التي يدفنها داخل نفسه ولا يدركها سواه هو وعدد ضئيل للغاية من رجاله .
فجاة أبصر الجميع الوليد يتحرك صوب الحجرة بملامح سوداء وما تزال بقايا أثر المعركة مرسوم على وجهه .
يجلس في ركن الحجرة دون كلمة واحدة ليبتسم له أصلان يضيق عيونه
_ أراك تعيسا يا الوليد كل هذا لأن صديقك لم يعد معنا .
رفع له الوليد عيونه بغضب شديد
_ صديقي هذا هو نفسه الشخص الذي ضحيت بالكثير من رجالي في الممالك لأجله أصلان فلا تنس ذلك .
_ وإلا ماذا يا الوليد
نظر له الوليد بعدم فهم لثواني من انحراف الحديث لجهة أخرى هو فقط كان يذكر أصلان بما عاد لأجله لكن يبدو أن أصلان كان يمحي كل من يشتم منه رائحة عصيان ولو كانت بعيدة هو ليس باحمق ليغامر بما وصل له ليس قبل أن يبصر الممالك رماد ...
_ عما تتحدث أنت !
ابتسم له أصلان يجيب ببساطة
_ أخبرتني أنك جئت لأجل إنقاذ رفيقك فقط وأنا أخبرك ماذا لو لم أفعل !
اشتعل وجه الوليد في ثواني وهو يقترب خطوات سريعة من أصلان يهتف بصوت قوي غاضب
_ وإلا كما انقلبت عليهم لأجل رفيقي سأفعل لأجله مرة ثانية وهذه المرة لن يكون انقلابا على الممالك أصلان.
صمت يهتف بصوت خافت محذر لا يصل سوى له وقد بدأت نبرته تتحول بشكل مخيف
_ ماذا تظن أنت ها تعتقد أن اليومين اللذين قضيتهما هنا سيؤهلانك لتفرض سيطرتك على هؤلاء الخنازير عزيزي أنا هنا قبل أن تدرك أنت أن هناك ما يسمى منبوذين نجوت من كل إبادة حصلت للمنبوذين أتظن أنك قد تمسني بسوء .
اشتعلت عيون أصلان وقد أبصر أمام عيونه ما يخشاه الوليد لم يكن بالهين كان ثعبانا استطاع إيقاع من حوله دون أن يمس سوى بخدوش قليلة فقط .
تنفس أصلان بصوت عالي وهو يبصر ابتعاد الوليد مبتسما بشر
_ وللعلم ما ضاع في الهجوم الأخير مجرد عدد قليل ممن اتحكم أنا بهم لم افني سنوات عمري داخل المستنقع هباء عزيزي يلزمك سنوات طويلة لتصل لما وصلت أنا له .
ختم حديثه وهو يشير له بإصبعه محذرا
_ تذكر ما اخبرتك به فكما مكنتك من دخول الممالك بجيوشي بكل يسر سأجعلك تدخل قبرك بيسر أكبر.
ابتسم وهو يتحرك مبتعدا عنه مرددا
_ فقط تضرع لربك أن يعود ذلك الرجل مع رفيقي سالما وإلا لن تضمن ردة فعلي فأنا لا اغامر برجالي هباء أصلان.
راقب أصلان ابتعاد الوليد ببطء وهو يدرك في هذه اللحظة أن المنافس الأول له في الجحر لم يكن ذلك الاحمق أنمار بأي شكل من الأشكال بل كان أصلان تلك الحية التي تختبأ في جحر صغير تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج وتلدعك .
وهو ما سمح يوما بوجود يد عليا عليه في أي مكان ولن يسمح الآن كذلك .....
تحرك خارج منزلها بملامح جامدة وبشدة وجه قد اشتد شره وبدا كما لو كان لوحا صخريا لا روح به يسير دون كلمة وقد حدث ما خشى منه فاطمة تركته للمرة الثانية ..
اغمض عيونه بقوة يحاول أن يتمالك نفسه وهو يتحرك صوب
_ ليتني لم اقابلك يوما فاطمة على الأقل لم أكن سأتذوق حياتي معك فأفتقدها حين رحيلك ليتك تركتني جاهلا معنى النعيم في وجودك والجحيم في غيابك .
ظل شاخص الأبصار أمامه دون كلمة إضافية حتى وصل للقصر بهدوء شديد يقود حصانه بكل بساطة صوب الاسطبل ومن ثم وكأن لا شيء حدث تحرك بكل يسر داخل القصر وهو يشمر اكمامه ينتوي تغيير ملابسه والذهاب للتدرب عله ينسى ما يحدث معه .
لكن في طريقه توقف حينما سمع صوتا خلفه يهتف
_ المعتصم...
توقف قلبه وتوقف جسده بالكامل وهو يهتف داخل عقله أنها ليست هي ليست هي فاطمة وياليتها كانت .
استدار ببطء يرسم بسمة صغيرة محترمة على فمه يميل برأسه نصف ميلة
_ جلالة الملكة .
_ لقد بحثت عن فاطمة في غرفتها لأجل طعامها لكنني لم أجدها هل كانت معك في الخارج فقط أعطها هذا الطعام و...
قاطعها المعتصم ببساطة شديدة ينفي برأسه ومايزال يحمل نفس البسمة
_ لا لم تكن كنت وحدي .
اتسعت عيون سلمى بعدم فهم وقلق
_ ماذا كيف ! لقد بحثت عنها في كل مكان وليست هنا وأنت سألتني عنها وظننت أنك وجدتها و....هل يعقل أنها في غرفتك هل يمكنك التأكد رجاء و...
قاطعها المعتصم بهدوء شديد ونبرة ثابتة بشكل مريب
_ لا ليست في غرفتي هي ليست في القصر بأكمله وليست في مكان لقد ...رحلت ولولا أنك تقفين أمامي الآن تسألين عنها لظننت أنها سراب ابتدعه عقلي فقط ليمرر أيامي التي أحياها وحيدا .
اتسعت بسمته بقوة
_ جيد أنني مازلت احتفظ بعقلي بعد كل شيء .
كانت سلمى تتابع ما يقول وهي ترى نظراته الغريبة وحركات جسده الأغرب وكلماته المريبة
_ هل ...هل أنت بخير ما الذي تتحدث عنه كيف تتحدث بهذه البساطة وزوجتك مفقودة و...
وللمرة الثانية قاطعها المعتصم ببساطة شديدة
_ هل كانت حقا
نظرت له سلمى بعدم فهم وخوف من حالته ليبتسم وهو يفسر مقصده
_ هل كانت زوجتي حتى لا أعتقد..
تنهد بصوت مرتفع وهو يراقب المكان حوله
_ لا أعتقد أن وقوفنا بهذا الشكل في هذا الوقت لائقا لذا استأذنك مولاتي تصبحين على خير .
ختم كلماته يتحرك بكل بساطة من أمام سلمى التي كانت تراقبه بصدمة كبيرة وهي تحاول إدراك ما يحدث حولها في هذا المكان .
أما عن المعتصم فدخل غرفته ببساطة وهو يخلع عنه معطفه يلقيه جانبا ومن ثم تحرك يخرج ثوب القتال مقررا التدرب طوال الليل وقد أهمل الأمر مؤخرا ربما لأنه أصبح حرا من ربط فاطمة له الآن يمكنه ممارسة حياته بشكل طبيعي قبل وجود فاط
عند هذه النقطة من الأفكار أنهار المعتصم ارضا أنهار وقد كبت مشاعره بشكل ولد إنفجارا مدويا أنهار يصرخ ويبكي بوجع كبير .
يستوعب ببطء أن حياته أصبحت خالية من فاطمة بل إنه لم يعد يمتلك حياة من الأساس.
رحلت فاطمة ورحلت معها روح المعتصم ......
غادر أراضي قلعة مشكى أخيرا وبدأت رحلته في التوجه لحدود سبز يودع القصر بأعين مشتاقة وقبل حتى التحرك تنفس بلوعة من مفارقتها ولم يكد يستدير ليواصل مسيرته .
حتى انتفض جسده للخلف بصدمة وخوف بسبب إنطلاق صوت في الاجواء
_