رواية وكأنها لي الحياة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ما أقسى أن يسبق القرار الشعور
وأن تقال نعم بينما الروح تصرخ لا.
أن يهنأ القلب على خسارته
ويجبر العاشق على التظاهر بالثبات
في حين كل شيء فيه ينهار بصمت.
ليس كل مبروك فرحا
ولا كل قبول رضا...
بعضها يقال لتدفن ما تبقى من حلم.
فيا من ظننت القلب يصرخ بحبك
اعلمي أن الصمت أقوى من أي صرخة
وأن الابتسامة أحيانا تخفي بحرا من الدموع.
ويبقى القلب صامتا يحمل كل الألم وحده...
خرج يوسف من منزل عمه خطواته سريعة تحمل في طياتها غضبا مكتوما وصيحات شمس تتعالى خلفه وهي تقترب من سيارته.
مع نزول حمزة من سيارته عيناه على ساعته التقطت أذنه صوتها المألوف..
رفع رأسه والتفت ناحيتها يراقبها وهي تتحرك صوب يوسف الذي قاد سيارته مبتعدا دون أن يلتفت إليها.
توقفت شمس بتذمر تعقد حاجبيها وتهمس في نفسها
_أكيد اتخانق مع ضي..وهتوقع على دماغك ياشموسة.
قالتها ولم تدري أن خلفها عينان
استدارت لتعود إلى منزلها لكن خطواتها تباطأت حين قابلت نظراته مباشرة.
أومأت له برأسها وتحركت دون حديث إلا أن صوته استوقفها بنغمة هادئة مشوبة بشيء من الجرأة
_عاملة إيه ياشموسة
تصلبت للحظة ثم أجابته بابتسامة خافتة
_كويسة..شكرا لحضرتك.
ثم التفتت نحوه تحدق في عينيه بثبات وقالت
_محدش بيدلعني بالاسم دا غير القريبين مني..ومع احترامي لحضرتك بس لا إنت قريبي ولا حتى قدي..
نورت ياأستاذ حمزة.
قالتها ثم تابعت طريقها بخطوات سريعة باحتقان وجهها من الخجل والغضب ولكن أوقف عقلها الدفء الغريب في نظراته..
ظل حمزة يتابعها حتى غابت عن ناظريه تنفس بعمق كأنه يحاول طرد أثر نظراتها من ذهنه التقطت عيناه دخول سيارة بلال من بوابة الكمبوند..
أشار له بيده وماإن توقفت السيارة حتى ترجل بلال مبتسما يرفع نظارته فوق خصلاته بطريقة مألوفة لديه
_ياهلا بكابتن حمزة الجارحي منور ياباشا.
ابتسم حمزة وهو يصافحه بحرارة
_أهلا يادوك.
غمز بلال بطرف عينه بخفة
_شايف الكمبوند بتاعنا جاي المعدة.
ضحك حمزة وهو يسير بجواره قائلا
_أبدا والله بابا كلمني وقال لي أعدي عليكم هنا اتفاجأت لما لقيته هنا.
توقف بلال لحظة ينظر إلى سيارة إسحاق المركونة على مقربة ثم قال بدهشة
_آه والله..ماخدتش بالي من زمان أوي ماشفتوش.
قهقه حمزة بخفة وهو يتابع السير بجانبه
_إحنا يعتبر بنشوف بعض في الأعياد بس.
أدار بلال رأسه نحوه يرد بمكر لطيف
_يعني النهاردة العيد غريبة..أمي ماقالتليش!
انفجر الاثنان بالضحك لكن ضحكتهما لم تكتمل إذ قطعها صوت أرسلان الغاضب يرتفع بالداخل
تبادلا نظرة متوترة قبل أن يتجها تلقائيا نحو مصدر الصوت.
بالداخل قبل دقائق فقط
بعد أن نطقت ضي بتلك الكلمات وخروج يوسف بتلك الطريقة المتشنجة هب أرسلان من مكانه عروقه تنتفض وهدر بصوت
هو إنتي للدرجة دي مش محترمة ولا متربية للدرجة دي الانحطاط خلاكي تقلي أدبك على أبوكي!
تجمد إسحاق في مكانه يحاول تدارك الموقف ثم قال بنبرة هادئة يحاول بها إخماد النيران
_أرسلان إهدى ..البنات الأيام دي مندفعين شوية متكبرش الموضوع.
لكن أرسلان لم يسمع لم ير إلا نارا سوداء اشتعلت في صدره وأحرقت كل اتزانه.
أشار بيده نحو الداخل وهو يصرخ بصوت مبحوح من فرط الغضب
مش عايز أشوف وشك قدامي ياضي..
تدخل إسحاق بحدة لم يعتدها منه
أرسلان احترم وجودي ياأخي!
استدار إليه أرسلان بعينين دامعتين كمن فقد السيطرة على نفسه
_حضرتك متعرفش حاجة ياعمو... البنت دي أنا..أنا معرفتش أربيها.
هرولت ضي للداخل ودموعها تسبق خطواتها المرتجفة تتعثر بأنفاسها بينما غرام لحقت بها مسرعة محاولة تهدئتها.
أما أرسلان فظل واقفا مكانه صدره يعلو ويهبط كمن يوشك أن يغشى عليه..
توقف بلال عيناه تتنقل بين وجه والده وإسحاق بتوجس لا يعلم ماالذي حدث ولا من أين انفجرت هذه العاصفة.
اقترب بخطوات مترددة من والده
_بابا فيه إيه صوتك عالي كده ليه
رفع أرسلان رأسه نحوه والغضب مازال يشتعل في ملامحه
_اتصل بابن عمك وشوفه راح فين..أو روح له بنفسك.
كان إسحاق جالسا في مكانه يتابعهم بحيرة لا يفهم سبب كل هذه الضجة.
اقترب بلال منه بسرعة محاولا التدارك
_آسف ياعمو إسحاق صوت بابا خلاني أنسى وجود حضرتك..عامل إيه
ربت إسحاق على كتفه بابتسامة هادئة
_كويس ياحبيبي..وإنت
_الحمد لله..حضرتك بخير
_الحمد لله.
في تلك الأثناء كانت أنفاس أرسلان تكاد تحرق المكان بما فعلته ابنته لا يعلم ماالذي حدث لها حتى وصلت إلى هذا الحد.
اقترب حمزة وجلس بجواره بهدوء محاولا تهدئة الجو فقال لوالده
_مقولتش حضرتك هتيجي يابابا.
طالعه إسحاق للحظة ثم اتجه ببصره نحو أرسلان الذي ازداد احتقانا.
قاطعهما بلال وهو ينظر لهاتفه
_بتصل بيوسف ومش بيرد.
رجع أرسلان بجسده للخلف على المقعد تمتم بضيق
_مش هيرد..حاول توصله أو شوف عمك يمكن يعرف مكانه.
قطب بلال جبينه متسائلا
_هو فيه إيه إيه اللي حصل
قطع حديثهما دخول إلياس المفاجئ ألقى السلام وقال وهو يوجه نظراته إلى إسحاق
_مصدقتش لما شفت عربيتك برا.
نهض إسحاق يصافحه بمحبة
_وحشتني يابني والله جيت مرة قبل كده بس كنت في إسكندرية.
_حمد لله على السلامة إسحاق باشا.
_الله يسلمك.
التفت إلياس نحو حمزة الذي وقف ليحييه
_إزيك ياعمو إلياس
_كويس ياحبيبي إنت عامل إيه
_الحمد لله.
وبينما تبادلا التحية وقعت عينا إلياس على أرسلان الجالس والغضب يغلي في ملامحه لكنه استدار على سؤال
_هو يوسف فين ياعمو
جلس إلياس متأملا ملامح أرسلان المشتعلة ثم قال بهدوء
_معرفش..أنا لسه واصل يمكن يكون في البيت.
التفت إليه أرسلان سريعا لكن إلياس أضاف
_هو قال
قاطعه إسحاق بصوت متزن
_كان هنا فعلا بس مشي.
التفت أرسلان نحو إلياس ينظر إليه بخذلان واضح بينما ظل إلياس متحفظا يظن أن شقيقه لا يرغب بالحديث أمامهم..لكن صوت إسحاق أعاده من شروده
_كويس إنك جيت ياإلياس كنت مستنيك علشان ناخد رأيك في موضوع.
أدار إسحاق رأسه نحو حمزة وابتسم
_قررت أورط أرسلان في العيلة مالهوش أمان فقلت أربط الولاد ببعض..حمزة وضي.
انغلق وجه أرسلان للحظة أغمض عينيه يحاول السيطرة على الغضب الذي تفجر داخله هنا فقط فهم إلياس سبب احتقانه..سحب نفسا عميقا وزفره ببطء يحاول أن يتدخل بحكمة حتى لا يتفاقم الموقف.
أما حمزة فاتسعت عيناه في ذهول تجمد بمكانه لا يصدق مايسمع عينيه تتنقل بين والده وأرسلان في صمت.
التقط إلياس كل ذلك بحدس خبرة عمله السابق فمال للأمام وهو يرفع صوته بنبرة خفيفة الظل لكسر التوتر
_شكل أرسلان فعلا ناوي يخلع منك ياإسحاق باشا.
ضحك إسحاق بخفة يضيق عينيه نحو أرسلان كأنه يستفزه بمودة
_مستحيل..هو عارف نفسه حاول يبعد قبل كده ومقدرش يعيش بعيد عن إسحاق..صح ياأرسو
لوحت عيناه بالألم ولم يعلم ماذا يقول فلقد وضعته ابنته بموقف مخزي سحب نفسا ثم قال بصوت خافت لكنه حاد
_عمو حضرتك عارف غلاوتك عندي وولادك ولادي والعكس..صمت يسحب نفسا وحاول أن يكمل حديثه ولكن إسحاق أوقفه
_متأكد من دا حبيبي ولو شايف حمزة مش مناسب انسى الموضوع مش علاقة هتخسرنا بعض أنا بس حبيت أناسبك والولد أعجب بالبنت وهي واافقت..بس
هنا قاطعه إلياس سريعا قبل أن يفلت زمام الأمور وقال بنبرة حاسمة وهو ينظر نحو إسحاق مباشرة
_أبدا ياإسحاق باشا حضرتك عارف قيمتك عند أرسلان وهو يتمنى ذلك بس الموضوع مش زي ماحضرتك قولت..لأنك جاي تخطب البنت وهي مخطوبة والمفروض خلال أيام هنكتب كتابهم.
التفت إسحاق سريعا إلى أرسلان هنا فهم غضبه من ابنته فتراجع بجسده مذهولا..هل غصبها أرسلان على الارتباط..قرأ أرسلان مايدور بعقل عمه فقال
_ ضي متخانقة مع يوسف وهو كان جاي علشان يشتروا الدبل وحضرتك عارف الباقي..التفت إلى حمزة ونظر إليه بحزن
_مش عارف أقولك إيه حبيبي ربنا يرزقك ببنت الحلال.
ابتسم حمزة ونظر إلى والده
_ولا يهمك ياعمو بابا أصلا اللي مستعجل وأنا كنت شايف ضي أخت بس حضرتك عارف إسحاق باشا مستعجل وأتمنى حضرتك اللي متزعلش ضي زي أختي.
ربت إسحاق على كتفه بعدما علم سبب ثورته الغاضبة
_كنت قول ياأرسلان بدل الغضب دا كله.
قاطعهم رنين هاتف إلياس..نهض معتذرا وهو ينظر إلى أرسلان
_ بعد إذنكم..قالها وغادر يرد على هاتفه..
أيوة يامالك.
_فيه واحد زار رؤى النهاردة ياباشا.
_اعرف كل حاجة عنه وابعتلي التفاصيل..واعمل حسابك تتغدى معانا بكرة إنت وغادة والولاد من زمان مجتوش عندنا.
_تمام هشوف غادة وبعدين أرد عليك.
تمام..
قالها وأغلق الهاتف ينظر إلى منزل أرسلان تنهد بغضب بعدما علم بما فعلته ضي..فاق من شروده على صوت يزن
_واقف كدا ليه
_مفيش..إنت رايح فين..
_فيه اجتماع في شركة العامري فيه حاجة ولا إيه.
أومأ له وتحرك معه إلى سيارته
_بكرة إن شاءلله هنكتب كتاب يوسف وضي بس هيكون بينا وإن شاءلله الحفلة لما ماما ترجع.
ربت يزن على كتفه وتمتم بسعادة حقيقية
ألف مبروك ربنا يسعدهم يارب.
أومأ إلياس وحمحم
_عايز أعزم طارق بس إنت عارف الدنيا هتبقى إزاي.
تنهد يزن وقال
_من رأيي تعزمه لازم الاختلاط ياإلياس متنساش طارق أخو ميرال وخال الولاد ودا منقدرش نتجاهله وغادة عمتهم فلازم المواضيع تتاخد عادي..دا رأيي.
_تمام هكلمه واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
_سلام ونتقابل بكرة هرجع متأخر.
أومأ إلياس بصمت يتابع خطوات أرسلان وهو يودع إسحاق بعينين تائهتين سحب نفسا طويلا وزفره بوجع مكتوم
_أعمل إيه معاك يايوسف..وإنتي ياضي ليه تقولي كدا..أوف قالها وعيناه تتجول بالمكان..اقترب أرسلان منه بخطوات مترددة بعد مغادرة إسحاق
_أنا آسف ياإلياس على اللي حصل.
استدار إليه إلياس وصوته خرج متماسكا بصعوبة
_ أرسلان عقل ضي يوسف لازم يتجوزها ياأرسلان..لأنه لو مااتجوزهاش مش هيتجوز خالص..أو بمعنى أدق..مش هيلاقي اللي تقبل بيه.
تجهم وجه أرسلان واقترب منه يمسك بذراعه بحدة
_إنت مخبي عليا حاجة
رفع إلياس نظره إليه وللمرة الأولى لمع بريق الدموع في عينيه
_قال بنفسه إنه مش هيتجوز.
ارتبك أرسلان وانعقد حاجباه بدهشة حقيقية
_قال كده! طب ليه أنا مش فاهم حاجة..إيه اللي خلاك متأكد
أشاح إلياس بوجهه كأنه يخاف أن تقرأ الحقيقة في ملامحه
_عارف خوفك على بنتك من اللي بعمله..بس والله يوسف طيب وحنين..مش أنا اللي بقول كده إنت عارفه كويس.
تنهد وهو يبتسم بحزن
_ولو شمس كانت أكبر وقالت لي إنها بتحب بلال عمري ماكنت همنعها.
ازدادت حيرة أرسلان ضغط على ذراع أخيه بقوة أكبر
_إلياس..إنت مخبي عني إيه
رجع بجسده للخلف ونظر بعيدا وكأنه لا يريد الحديث
_نجوز الولاد الأول..أنا عارف إن يوسف هيتعبنا بس متأكد إن ضي هتغيره..لأنها بتحبه.
_طب وعلى فرض هو مش بيحبها أو... في حد في حياته
التفت إليه إلياس بعينين منهكتين
_ياريت..ياريت يكون في حد في حياته..بس هو نفسه قال..مش عايز يتجوز أصلا.
ابتسم أرسلان رغم توتره ربت على ساقيه كمن يحاول طمأنته
_بكرة يحب صدقني..المشكلة إن كلية الطب مافيهاش وقت للحب وإنت عارف..
بلاش تضغط عليه أنا شايف فعلا ضي مش في دماغه.
لكن إلياس قاطعه كمن نطق حكما
_يوسف مش هيتجوز غير ضي.
_بس هو رافض ياإلياس والبنت بنفسها قالت إنها موافقة على حمزة..تفتكر بعد
_هيوافق..ماتخفش.
قالها إلياس بثقة هادئة أربكت أرسلان فزفر الأخير بحدة وهو يرفع حاجبيه بدهشة
_أكيد اتجننت! دا راجل هتجبره على الجواز
وبعدين متزعلش مني ياإلياس..إيه