الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا
قصة الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا
ما كانوش يعرفوا اللي جاي... كان في سكون غريب بيتحرك وسط القاعة كأنه نفس طويل محبوس من سنين وبيحاول يطلع وكل العيون اتجمعت في نقطة واحدة أنا.
ما كانوا يدركون ما سيأتي...
كان في القاعة سكون غريب كأن نفسا طويلا احتجز لسنوات وها هو يحاول الخروج. الهواء ثقيل يمر بين الوجوه بخوف خفي وكل العيون اتجهت نحوي. شعرت بيد إيما الصغيرة وهي تمسك بأصابعي بكل قوتها يد صغيرة ترتجف داخل كفي الكبير كأنها تبحث عن أمان ضاع منها منذ زمن.
رفعت رأسي ببطء نظرت إلى أمي ثم إلى كارولين ثم إلى أبي الجالس في آخر المائدة كأنه غريب في بيته. وبصوت منخفض لكنه ثابت قلت
الليلة ليست ككل ليلة... لم آت لأتناول الطعام بل جئت لأستعيد نفسي.
ضحكت كارولين ضحكتها الساخرة تلك التي تحمل في طياتها سنوات من المقارنات والمرارة وقالت وهي ترفع حاجبها باستهزاء
اهدئي يا كلير تصرفي كأم مثالية وقدمي عذرا لابنتك التي تسرق الطعام من طبق غيرها!
لم ألتفت إليها فقط قلت بهدوء
إيما طفلة والطفل حين يمد يده لجزرة لا يهدم العالم. لكن العالم يهتز حين يرمى طبق في وجه طفل.
تجمدت الضحكة على شفتيها وساد الصمت لحظة. العيون جميعها تحولت نحو أمي.
تحدثت أمي بنبرة متعالية مألوفة فيها قسوة من تعلم كيف يضع الآخرين في أماكنهم.
حينها شعرت أن كلمة مكانها ليست موجهة لإيما فقط بل لي أنا من قديم الزمن.
أخذت نفسا طويلا ثم مددت يدي بهدوء نحو حقيبتي.
ملمس الورق على أصابعي كان كلمسة ماء بارد بعد عطش طويل.
سحبت ظرفا قديما لونه مصفر من أثر السنين وعليه خط أمي الذي لا أخطئه أبدا. وضعته أمامها على المائدة وقلت وأنا أنظر إليها بثبات
هذا خطك أليس كذلك
حاولت أمي أن
كارولين سارعت بالقول محاولة كسر التوتر
ما هذا رسائل غرامية
أجبتها دون أن أرفع عيني عنها
بل رسالة الطرد. يوم كنت حاملا أبكي في الشارع ولا باب يفتح لي.
تحرك فم أبي كأنه سيقول شيئا لكنه ابتلع كلماته كما يفعل دائما.
فتحت الظرف وأخرجت الرسالة القديمة. لم أقرأها من جديد لم أكن بحاجة لإعادة الألم.
كفى أن يروها هم.
ثم أخرجت ورقة أخرى أكثر سمكا كانت حروفها مرسومة بعناية. رفعتها أمامهم وقلت
وهذه الوصية الحقيقية. وصية جدتي إيفلين النسخة الأصلية قبل أن تبدل قبل أن تتحول إلى حيلة باسم الضرائب. البيت الأسهم الحسابات البنكية جميعها لي.
تغيرت الوجوه فجأة. كأن الهواء نفسه انكسر في القاعة.
سقطت شوكة على الأرض ورن صوتها في البلاط كجرس مدرسة يعلن عقوبة متأخرة.
تقدمت كارولين بخطوة وقالت بعصبية
كفى مسرحية! إن كنت تملكين أوراقا فاذهبي بها إلى المحكمة!
ابتسمت ابتسامة باردة وأخرجت ظرفا ثالثا صغيرا وقلت
وهذا رد مكتب المحامي. التحقيق فتح رسميا والنسخة الأصلية مسجلة.
ارتبكت أمي حاولت أن تتكلم لكن الكلمة انكسرت على شفتيها
أنت أنت تدمرين بيتك!
نظرت إليها بهدوء مؤلم وقلت
البيوت لا تهدم بالحقيقة يا أمي بل تهدم حين تصمت الأم وهي ترى حفيدتها تهان ولا تتحرك.
نظر أبي إلى الطبق المكسور كأنه وجد فيه شيئا يهرب إليه. لم يرفع عينيه كأن الثياب النظيفة على المقاعد أهم من القلوب التي تجلس عليها.
ضربت أمي بيدها على المائدة فاهتز كل شيء.
قالت بصوت مرتفع
كفى! أنت دائما تجعلين من نفسك ضحية! جدتك كانت مريضة لم تكن ثابتة ونحن فقط من حمى حياتك!
ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع الطفلة التي لم تصدق يوما
حميتموني ممن من دفئكم
سكتت. وسكتت القاعة معها.
حتى نفس إيما صار أخف.
نظرت إلى ابنتي ثم إليهم جميعا وقلت الجملة التي كانت تدور في رأسي منذ شهور
كنتم دائما تقولون لي اعرفي مكانك. والآن أنتم من عرف مكانه حقا.
حملت إيما على ذراعي قامت كارولين خطوة أمامي رأيت في عينيها لحظة ذعر حقيقي لحظة عجز ليست بسبب الأوراق بل بسبب المرآة التي وضعتها أمام وجهها وجعلتها ترى نفسها بوضوح لأول مرة.
مررت بجانبها ورائحة عطرها التي كانت تسبقها دائما هذه المرة سقطت على الأرض مثل الطبق المكسور.
فتحت الباب دخل الهواء البارد شعرت بإيما تلتصق بي أكثر وجهها الصغير استند على كتفي وعينيها تتسعان بدهشة صافية.
خرجت.
وخلفي تغلق الأبواب على ماض لن أعود إليه أبدا.
كانت أول خطوة خارج الباب كأن قدمي عادتا إلى جسدي من جديد. الهواء البارد لفح وجهي لكني أحسسته صادقا يشبه الحياة نفسها حين تستعاد بعد غياب.
لأول مرة منذ سنين شعرت أن الشارع يتسع وأن البلاط تحت قدمي لا يقيسني بنظرات أحد. كنت أمشي بخفة امرأة عادت إلى ذاتها تحمل ابنتها وشيئا من سلام لم تعرفه طويلا.
حين وصلنا إلى البيت الصغير كنت أعلم أنني أعود إلى شيء أثمن من الذهب إلى الهدوء الذي لا يحمل إهانة.
فتحت الباب دخلنا وضعت إيما على السرير وغطيتها بلحافي البسيط.
كانت عيناها تتابعانني حتى وهي نصف نائمة ومدت يدها الصغيرة وقالت بصوت متهدج بالنعاس
ماما أنا شجاعة
ابتسمت قبلت جبينها وقلت
أنت قلبي والقلوب حين تحب تصير أشجع من الدنيا.
تلك الليلة سمعت الجدران دموعي وأنا صامتة.
لم أبك لأنني خسرت بل لأن شيئا جديدا
وفي الصباح تسللت الشمس من بين الستائر ملأت المكان دفئا لم أعرفه من قبل. رائحة القهوة تسبح في الجو وصوت الغلاية يشبه أنفاس الحياة العائدة.
استيقظت إيما وشعرها ينسدل على خدها الصغير ضحكت ضحكتها التي فيها سكر الدنيا وقالت
ماما هنروح لتيتة
كلمتها اخترقت قلبي برقة جارحة سؤال بسيط لكنه يحمل كل وجع الماضي.
قلت وأنا أخفي رعشة صوتي
ليس الآن يا حبيبتي دعينا نفطر أولا.
الأيام التالية مرت كخطوات طفلة تتعلم المشي من جديد.
ذهبت إلى المحامي كان يتحدث بثقة القوانين والوثائق بينما كنت أجيبه بثقة الوجع القديم.
قال لي
الأمور تسير في صالحك. البيت سيعود باسمك. لم يبق سوى توقيعين بسيطين.
ابتسمت بخفوت وقلت في سري ولا ينقصني الآن سوى قلب كامل.
عدت إلى بيتي.
أعددت طعاما بسيطا سلطة وبطاطس في الفرن.
وحين وضعتها على المائدة شعرت أن هذا البيت على بساطته لن يسألني عن نسبي ولا عن شكلي ولا عن تاريخي.
هو بيت يسمع لا يحكم.
في المساء جلست أمام النافذة. كان الليل ساكنا وقلبي أهدأ مما كان.
رن الهاتف فجأة رقم غير محفوظ.
أجبت.
أول نفس سمعته من الطرف الآخر قال اسمي
كلير.
تجمد الهواء حولي.
صوت أمي كان رفيعا ضعيفا فيه انكسار لم أعهده فيها.
قالت بهدوء متردد
أنا آسفة.
كانت الكلمة مختلفة هذه المرة خرجت من بوابة جديدة بلا كبرياء بلا ادعاء.
كانت ناعمة مكسورة صادقة.
لم أجب.
كنت أستمع فقط وصوت الملعقة في الحوض يطرق بخفة وأنفاس إيما من الغرفة المجاورة تملأ الصمت.
قالت أمي بصوت متقطع
عرفت كل شيء عرفت إن الورق معك وإن المحامي أكد.
أنا أخطأت كثيرا. كنت أراك ضعيفة لكنك خرجت أقوى منا جميعا.
كبرنا يا ابنتي وأنا لا أستطيع أن أنام وأنا أعلم أن حفيدتي
انهمرت دموعي بصمت وقلت بخفوت
يا ماما...
قاطعتني بسرعة كأنها تخاف أن أتراجع
لست أطلب منك