الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا

لمحة نيوز

انتصارا.
كان ميلادا.
كنت أعلم أن الغد لا يزال يحمل كلاما كثيرا
وأن الأوراق لم تنته بعد
وأن بقايا المرارة تحتاج وقتا لتغسل تماما.
لكنني كنت أعرف أيضا أن القلب حين يعود إلى مكانه الصحيح
يصير الورق مجرد ورق لا أكثر.
وحين هممنا بالرحيل أمسكت أمي يدي وقالت بابتسامة خفيفة
غدا تعالي لتفطري هنا.
قلت وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي
سأفكر.
ضحكت وقالت
خليها هفكر حلوة.
نزلت السلالم ببطء.
كل درجة كانت تنزلني من مستوى خوف قديم إلى مستوى أهدأ.
وحين خرجت إلى الشارع
كان الهواء باردا لكنه لم يلدغني هذه المرة
كنت أشعر بالدفء من الداخل.
حملت إيما بين ذراعي
اقتربت من أذنها وهمست
إحنا بخير.
قالت بثقة طفولية لا تعرف الزيف
عارفة.
ابتسمت.
الدنيا اتسعت فجأة
والنور في الشارع لم يكن جديدا
لكن قلبي كان يراه لأول مرة.
ومع كل خطوة خطوتها
كنت أشعر أن التصالح ليس كلمة تقال في النهاية
بل طريق طويل يفتح بخطوة صادقة واحدة.
وقد خطوتها.
شعرت أن البيت خلفي 
الذي كان يوما سجنا للذكريات 
ينتظر هذه المرة أن يسمع ضحكنا الحقيقي
لا ضحك التجمل.
في الصباح
كان للمدينة صوت مختلف.
كأن الشوارع نفسها تفتح عينيها برفق بعد ليل طويل من الصمت.
فتحت نافذتي الصغيرة في شقتي
فرأيت السماء الرمادية تتشقق ببطء نحو لون أفتح
كأنها تتنفس معي.
سبقت رائحة القهوة خطواتي إلى المطبخ.
كانت إيما تجلس على الكرسي العالي
تحرك قدميها في الهواء وهي تغني أغنية المدرسة
نصفها كلمات ونصفها همهمة غير مفهومة.
تراقص ضوء الصباح على شعرها
وشعرت أني أرى العالم من خلال ضحكتها.
كان الأمس يشبه حجرا كبيرا أزيح أخيرا من منتصف الطريق.
أمس ثقيل انتهى وبدأ صباح جديد لا يحمل سوى نفس خفيف من الأمل.
اهتز الهاتف على الرخامة.
رسالة
قصيرة ظهرت على الشاشة
الصبحية عندنا جاهزة لو حبيتي.
لم يكن فيها توقيع
لكنني لم أحتج إليه.
كنت أعرف أن المرسلة هي أمي.
قرأت الرسالة مرتين.
كانت بسيطة لا تحمل أمرا ولا تلميحا بالقوة.
كانت دعوة خجولة مليئة بالخوف من أن أرفض.
نظرت إلى إيما التي كانت تغني بصوت متقطع وضوء في عينيها
ثم كتبت الرد ببطء وأنا أبتسم
هنعدي على تسعة ونصف.
أرسلتها
وشعرت أن الرسالة الصغيرة تلك لم تكن مجرد موعد للإفطار
بل وعدا جديدا
أننا أخيرا سنبدأ من جديد
من دون خوف
ومن دون وصايا معلقة فوق القلوب.
كان البيت الكبير في آخر الشارع
ينتظر صباحا يشبه أول مصالحة في حياة طويلة
وصوت ضحك إيما كان يسبقني إليه
كأنه مفتاح صغير يفتح كل الأبواب القديمة برفق وصدق.
بعد نصف ساعة كنا قد وصلنا إلى هناك.
البيت الكبير وقف أمامي كجبل عجوز صامد لكنه لم يعد مرعبا كما كان بل بدا أقرب إلى ذكرى قديمة تتطهر من غبارها وتتحول إلى شيء نقي.
دخلنا من الباب وكان أول ما فاجأني أن أمي كانت في المطبخ فعلا في المطبخ لا جالسة على كرسي بعيد تصرخ بالأوامر كعادتها.
يدها التي كانت دائما ناعمة من قلة العمل صارت تمسك ملعقة خشبية تقلب بها الفول على نار هادئة.
وحين رأتني ارتبكت قليلا ثم ابتسمت ابتسامة خجولة وقالت بصوت دافئ
حضرت لكم أشياء تحبونها.
كانت رائحة العيش الطازج تعبق في المكان والطماطم المقطعة بالنعناع والجبنة البيضاء المغموسة بزيت الزيتون والشاي المغلي على الصاج كلها صنعت جوا من حنين صادق يخرج من أواني الصيني القديمة.
جلسنا إلى المائدة ومدت إيما يدها الصغيرة وأخذت قضمة من الرغيف وقالت ببساطة
طعمه لذيذ.
ضحكت أمي من قلبها وقالت
ولو ما عجبك قولي أحسن ما نغلط ونكرره!
ضحكنا جميعا. كان ضحكا بسيطا لكنه ممتلئ بالمعنى
كأنه ولادة صغيرة لسلام جديد.
وأنا أتناول لقمة صغيرة كانت عيناي تسرقان نظرات خجولة إلى وجه أمي.
هناك خطوط جديدة حول عينيها لم أرها من قبل ربما لأنني كنت دائما أراها من بعيد.
أما اليوم فكنت قريبة بما يكفي لأرى في عمق نظرتها خوفا صغيرا خوفا من أن أنهض فجأة وأرحل من جديد.
قلت لها بصوت هادئ
أنا لم آت لأفتح دفاتر الماضي جئت فقط لأتناول الطعام معك.
هزت رأسها وقالت وهي تبلع ريقها
وأنا لا أريد الحديث إلا حين تكونين مستعدة. لكن شكرا لأنك جئت.
بعد الفطور ركضت إيما إلى الحديقة الصغيرة خلف البيت تطارد فراشة صفراء وهي تضحك وأمي وقفت على العتبة تتابعها بعينين رائقتين.
وقفت بجانبها فقالت وهي لا تزال تنظر إلى إيما
كنت أتمنى لو كنت أما مختلفة أما تعرف كيف تعلم الحب من غير شروط. لكنني تعلمت الحب من أم لم تكن تعرفه إلا مشروطا. وكنت أظن أن ذلك هو الصواب حتى فتح الله لي بابا وأدخلني منه قسرا كي أتعلم من جديد.
قلت وأنا أحدق في ابنتي التي كانت تركض في الضوء
الذي يهم الآن أن الباب قد فتح. لست بحاجة إلى اعتذار مكتوب بل إلى يوم واحد أعيش فيه بلا شوك في قلبي.
هزت رأسها وقالت بصوت متهدج
يوعدني الله أن أساعدك على نزع ذلك الشوك.
في العصر جاءت كارولين.
لم تدخل بعطر فاحش ولا بمكياج متقن كما كانت تفعل دائما بل بوجه عادي متعب وشعر تركته كما هو كأنها تخلت عن التمثيل.
سلمت بهدوء وجلست دون مقدمات وقالت
بدأت أروح جلسات علاج. مش عيب صح
قلت بابتسامة صغيرة
أبدا مش عيب.
تابعت بصوت خافت
قلت للدكتورة إن عندي غيرة غريبة بتخنقني أحيانا وبتخليني أمسك الطبق وأرميه. قالت إن الغيرة مش بس للأطفال الكبار عندهم منها فروع كتير.
ابتسمت في صمت.
قالت
لو ممكن عايزة فرصة ألعب مع إيما مرة في الأسبوع
هنا أو عندكم وأتعلم أكون خالة مش منافسة.
كان في صوتها ارتعاشة إنسان يعترف بأن ما بداخله ليس جميلا لكنه يريد أن يصلحه.
قلت ببساطة
نجرب.
قالت بسرعة
بس على عدد ساعات محدودة ولو حسيتي إني غلطت قولي توقفي. أنا اتعلمت كلمة توقفي.
ضحكت ضحكة صغيرة وقلت
كويس جدا.
مر أسبوع ثم آخر.
البيت الكبير بدأ يعتاد وجودنا.
مرة للإفطار ومرة للغداء ومرة للقهوة في العصر مع بسكويت بسيط.
والأحاديث الكثيرة التي كانت تحوم حولنا بدأت تخف حتى صارت الألفة هي الصوت الأعلى.
أمي عادت تحكي عن جدتي إيفلين وكيف كانت تحصي نقودها بصرامة لكنها رغم قسوتها كانت تترك قرشا خفيا لمن يحتاجه دون أن تذكر اسمه.
كنت أستمع إليها وأتخيل جسرا صغيرا مرسوما بين زمنهم وزمني
جسرا من غفران تأخر كثيرا لكنه أخيرا ولد.
وفي أحد الأيام عدت أنا وإيما إلى بيتنا مبكرا. جلست على الأريكة بجوار النافذة أحدق في نظافة المكان وهدوئه. لم تكن لدي يوما رفاهية المكان الخالي فقد كنت محاطة دوما بضجيج لا ينتهي وصوت عال يملأ الجدران. أما الآن فقد صار لي نصيب من سكون أستطيع أن أستند عليه.
رن الهاتف كان المحامي على الخط. قال باختصار حاسم
القضية انتهت. التزوير ثابت والحكم صدر لصالح الوصية الأصلية. البيت وكل ما يخصه أصبح باسمك والأموال المجمدة ستحول لك وفق الإجراءات.
قلت بهدوء تمام.
صمت قليلا ثم أضاف
هناك أمر آخر والدتك قدمت إقرارا رسميا تعترف فيه بأنها غيرت الوصية تحت ضغط وطلبت أن تتحمل هي التبعات القانونية.
جلست على حافة الأريكة كأنني أحتاج أن أتأكد من أن الأرض ما زالت تحتي.
إقرار علني اعتراف ليس لي وحدي بل أمام الدنيا بأكملها.
شكرت المحامي وأغلقت الهاتف.
في تلك اللحظة شعرت كأنني أقرأ لأول مرة في كتاب حياتي جملة كاملة
لا ينقصها شيء ولا تخفي وراءها حذوفا مؤلمة.
كتبت لأمي رسالة قصيرة شكرا.
وردت بعد دقيقة واحدة فقط الحق يجب أن يقال والحق لا
تم نسخ الرابط