الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا

لمحة نيوز

ينقص صاحبه.
بعد يومين اتفقنا أن نخرج لتغيير الجو.
ركبنا سيارة أمي وتوجهنا إلى طرف المدينة إلى مقهى صغير يطل على نهر ضيق كانت الشمس تنعكس على الماء وتكسر نفسها إلى فتافيت من الضوء.
المكان كان بسيطا بلا موسيقى صاخبة والنسيم يسير ببطء كأنه لا يريد أن يوقظ شيئا.
كانت إيما تمسك بالونا أحمر وتضحك لكل كلب صغير يمر بجوارها.
قالت أمي وهي تنظر إلي
هل تسمحين لي بكلمتين
قلت تفضلي.
قالت بصوت متردد لكنه صادق
لو عاد الزمن إلى الوراء كنت سأقف إلى جانبك يوم أخبرتني بأنك حامل. ربما لم أكن لأستطيع مسامحتك فورا لكنني كنت سأقف معك. الكلمة الطيبة يومها كانت ستنقذك وتنقذني أنا أيضا.
ابتسمت وانعقدت دمعة عند طرف عيني ولم تسقط. قلت بهدوء
أنا اليوم أقرب إلى ابنتي كل يوم أطمئنها وأقف بجانبها وقت حاجتها. الزمن لا يعود لكن القلب يستطيع أن يبدأ من جديد.
حين عدنا إلى البيت الكبير وجدت أمي قد وضعت رفا صغيرا في الصالة عليه إطار قديم لصورة جدتي وبجانبه ورقة بيضاء كتبت عليها بخط يدها
البيت بيت من يسكنه بالعدل.
تذكرت ورقة صغيرة كنت قد كتبتها منذ زمن ووضعتها في برواز في شقتي وكان فيها
من يعيش بكرامة لا يخسر حتى لو خسر الجميع.
شعرت أن الجملتين تتكاملان كأنهما جسر بين جيلين تصالحا أخيرا.
ثم بدأت أشياء صغيرة تتصلح من تلقاء نفسها مثل زر مفقود وجد طريقه إلى مكانه.
كارولين مثلا تغيرت صارت تقول لإيما هل تحبين أن نلون معا بدل أن تقول تعالي عندي.
فرق كبير بين الجملتين الأولى مشاركة والثانية سيطرة.
أبي كذلك اقترب أكثر من باب الصالة لم يعد يقف بعيدا كعادته بل صار يجلس معنا. لا يتحدث كثيرا لكن كلماته حين تخرج صارت كاملة لا ناقصة.
ذات مرة قال لي
كنا نقول لك دائما اعرفي مكانك. وكنت أقولها في الحقيقة لنفسي لأنني كنت أخاف من مكاني.
نظرت إليه وقلت بابتسامة خفيفة
ما زال الوقت مبكرا
لإصلاح كل شيء لكن الطريق مفتوح.
هز رأسه موافقا وابتسم ابتسامة مريحة.
وفي يوم جمعة هادئ قالت أمي فجأة
تعالوا نذهب لزيارة قبر جدتكم.
كان الطريق ملبدا بسحابة خفيفة والجو لطيفا 
وقفنا أمام الرخام الأبيض الذي يحمل اسم جدتي بخط واضح.
قرأت أمي الفاتحة بصوت مسموع ثم همست
سامحيني يا أمي أنا ابنتك لكن ابنتك تأخرت كثيرا حتى تفهم.
رفعت عيني إلى السماء وقلت في قلبي
يا رب احفظ هذه النهاية اجعلها ثابتة لا أريدها موجة تأتي وتذهب اجعلها جذرا في قلوبنا ينبت منه الأمل.
حين عدنا إلى البيت رأيت في الحديقة كرسيا خشبيا قديما.
قالت أمي بابتسامة
هذا كرسي جدتك لم يكن أحد يجلس عليه سواها. وضعته هنا لأي واحدة منا تتعب فتجلس.
جلست عليه بهدوء وشعرت بيد خفيفة على كتفي كأن جدتي تهمس لي
النور هنا.
مرت الأيام والأسابيع ولم يعد مشهد التصالح حدثا واحدا نادرا بل صار عادة صغيرة يومية.
صارت أمي ترسل لي صورة فطور أعدته بيديها وأرسل أنا لها مقطع فيديو لإيما وهي تغني أغنيتها الجديدة.
ذات مساء هادئ أرسلت لي كارولين صورة كتاب عن الغيرة النفسية ألفه أحد الأساتذة المعروفين وكتبت لي تقول
لأول مرة أفهم نفسي دون أن أكرهها.
أجبتها الفهم لا يعني العفو التلقائي لكنه يفتح له بابه.
قالت وإن ضاق بابك وفري له ممرا صغيرا أنا سأظل أطرق على الهدوء حتى يفتح.
ضحكت وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الحوار بيننا صار يشبه العلاج لا الجدال.
وفي ليلة ماطرة كنت أنا وأمي في الصالة نستمع إلى صوت المطر وهو يضرب الزجاج كأنه يرسم نوتة موسيقية على الشباك. كانت إيما نائمة والبيت ساكن لكنه لم يكن فارغا كما في الماضي.
قالت أمي بصوت منخفض
كنت أخاف من صمت البيت كنت أشعر أنه محكمة تنتظر حكمي.
قلت اليوم صار الصمت يشبه الدفء.
ابتسمت وقالت وهي تنظر إلي
لأنه لم يعد فيه حكم صار فيه حب.
وفي ليلة أخرى ارتفعت
حرارة إيما فجأة. لم أتردد اتصلت بأمي فورا فقالت ببساطة
أنا قادمة.
وجاءت. أحضرت معها معجون الزنجبيل الذي كانت تضعه على صدري عندما كنت طفلة ودهنت به صدر إيما برفق وهي تهدهدها وتهمس
نامي يا قمر نامي يا روح تيتة.
كنت أقف عند الباب أراقب المشهد والدموع تملأ عيني. لمستها كانت موجهة لابنتي لكن أثرها تسلل إلى قلبي أنا أيضا كأن شيئا من الطفولة عاد ليصلح ما انكسر.
وبعد أيام قليلة جاء اليوم المنتظر في المحكمة يوم التسليم الرسمي للأوراق. ذهبت أنا وأمي معا لا لأنني كنت أحتاج سندا بل لأن وجودها بجانبي كان ختام حكاية طويلة مكتوبة بجملة واحدة ما كان خطأ قد صلح.
ختم الموظف الأوراق وقال بابتسامة مبروك.
نظرت أمي إلي وقالت مبروك يا ابنتي.
أجبتها لنا جميعا لأن الذي عاد ليس بيتا بل طريقا.
ضحكنا ونحن ننزل الدرج وكانت الشمس تلقي على البلاط ظلالا هندسية جميلة.
قالت أمي تعالي نشتري وردا ونضعه في بيتك.
قلت مبتسمة وفي بيتك أيضا.
اشترينا وردا أبيض وآخر أصفر كأننا نلون كلاما جديدا بيننا.
وضعت زهرة على نافذة شقتي وأمي وضعت باقة على طاولة الصالة في البيت الكبير.
ومنذ ذلك اليوم صرت كلما دخلت البيت أشم رائحة الورد قبل أي شيء آخر.
وفي نهاية الأسبوع أقمنا عزومة صغيرة للعائلة. لم تكن فخمة لكنها مليئة بالمعنى.
أبي حضر الشاي بنفسه وقال مبتسما
ليس كل شيء يجب أن تحمله نساء البيت.
ضحكنا جميعا.
كارولين أحضرت كعكة من صنع يديها ولما سألتها إيما
هل أنت التي صنعتها
قالت وهي تضحك
نعم لكن لا تضحكي لو كانت ناشفة!
فضحكنا جميعا وخرجت الكعكة لذيذة أكثر مما توقعنا.
بعد العشاء خرجت أنا وأمي إلى الحديقة في الليل والهواء كان لطيفا كهمس المساء.
قالت أمي بهدوء
أعرف أنك لن تنسي بسهولة ولن تثقي سريعا وهذا حقك. لكن دعيني أقدم لك كل يوم شيئا صغيرا دون أن أطلب مقابلا ربما تعود ثقتك ببطء مثل
شمس تخرج بعد الغيم.
قلت لها وأنا أنظر إلى السماء
لقد خرجت يا أمي لكني أريد أن أحافظ عليها فدعينا نترك الماء يسري بهدوء.
قالت بابتسامة مطمئنة
ويسري.
ثم رفعت يدها فوق رأسي كعادتها وقالت دعاءها الذي صار طقسا محببا
يا رب احفظهم وزدهم واجعل هذا البيت بيت رحمة.
قلت وأنا أتنفس بعمق
آمين.
وفي نهاية تلك الليلة وأنا أحمل إيما النعسانة إلى سريرها مر في ذهني شريط طويل كأنه مشهد من فيلم قصير أعد لمستقبل جديد.
تخيلت حياة لابنتي بلا صراخ ولا مقارنات أعياد ميلاد بسيطة وصادقة زيارات لأمي ليس لأنها واجب بل لأنها حب.
تخيلت نظرات لكارولين بلا عداء بل تحد نفسي ورغبة في السلام وفرحة حين أراها تحاول.
ورأيت أبي وهو يحاول بدوره يقول
تعالوا نتمشى.
بدلا من صمته الطويل.
أما أنا فقد صرت أرى نفسي أخيرا دون مرآة مقعرة.
وفي آخر مشهد من تلك الليلة خرجت إلى شرفة البيت الكبير. كان القمر واضحا جدا يملأ السماء بنوره.
شعرت بوجود جدتي قريبا كأن همسة خفيفة مرت بجوار أذني تقول
الشجاعة ليست في الصراخ بل في أن تمدي يدك لتربتي على قلبك وقلب غيرك.
نظرت إلى الإطار الصغير الذي وضعت فيه ورقتي القديمة وبجانبها وردة بيضاء مكتوب عليها
من يعيش بكرامة لا يخسر حتى لو خسر الجميع.
وعلى جوارها ورقة أمي
البيت بيت من يسكنه بالعدل.
كانت الوقفة
بسيطة لكنها في داخلي بدت ككتاب كامل يغلق صفحته الأخيرة برفق.
من داخل البيت سمعت ضحكة إيما وصوت أمي يقول لها
تعالي نامي عندي الليلة سأحكي لك حكاية عن قمر يرى قلوب الناس.
ضحكت أنا أيضا وقلت في نفسي
ما بين قمر وجدة وحفيدة يبدو أن الدنيا تتعلم من جديد.
كانت خطوتي الأخيرة إلى الداخل خفيفة كأنني أمشي في بيت ولد من جديد بيت لا يعرف صوت الطبق وهو ينكسر بل يعرف صوت القلب وهو يشفى ويتجبر.
وفي قلب هذا البيت أدركت أن النهاية السعيدة ليست صفحة أخيرة بل عادة يومية
قرار نختاره ونجدده كل صباح أن نسامح أن نتعلم وأن نكمل الطريق حتى يصير الحب اللغة الوحيدة التي يفهمها البيت.

تم نسخ الرابط