الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا
المحتويات
سوى أن تسمعيني. كنت أظن القسوة تربي لكنها كانت تكسر.
كنت أظن السيطرة تحفظ لكنها كانت تفرق.
لو لم يحدث ما حدث تلك الليلة ما كنت لأعرف من كنت حقا.
سامحيني دعيني أراها. إيما أنا أحتاج أن أراها قبل أن أموت وأنا أحمل هذا الذنب.
تسللت كلماتها إلى قلبي ببطء لا بسبب الندم بل لأنها المرة الأولى التي سمعت فيها إنسانا يواجه نفسه بصدق كامل.
ذلك الإقرار وحده كان شفاء.
قلت وأنا أمسح دموعي
غدا تعالي أو أنا آتي.
قالت بصوت فيه رجاء خافت
تعالي أنت خليني أشوفكم في البيت البيت اللي وجعنا.
ربما أستطيع أن أغلق جرحه بيدي.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى إيما النائمة.
كان الليل ساكنا لكن قلبي أخيرا تحرر.
أدركت أن الحقيقة مهما كانت قاسية هي التي تعيد لنا بيوتنا وملامحنا ودفء أرواحنا.
اليوم التالي
ارتدت إيما فستانا أبيض بسيطا وكانت تضحك وهي تدور أمامي بخفة الفراشة.
قالت بحماس طفولي أنا فراشة!
ابتسمت وقلت وأجمل فراشة في الدنيا.
نزلنا الدرج معا. الطريق إلى البيت الكبير بدا قصيرا على الخريطة لكنه كان طويلا في ذاكرة القلب. كل خطوة كنت أخطوها كانت تقيس سنوات من الألم وتعيد لي أصواتا وأياما حاولت نسيانها. حين اقتربت من البوابة الحديدية شعرت أني أفتح باب الماضي كله.
ضغطت على الجرس وبعد لحظة فتحت الخادمة الباب كانت هي نفسها التي كانت تنظر إلينا يوما بنظرة متعالية.
لكن هذه المرة بدت متفاجئة مرتبكة وكأنها لا تعرف كيف تتصرف أمامي.
دخلت البيت.
رائحته لم تتغير الخشب المصقول والزهور القديمة الموضوعة في مزهريات من الفخار والهواء البارد الذي يتسلل بين الشبابيك العالية كذكرى لا تنطفئ.
في منتصف الصالة وقفت أمي. لم تكن جالسة على العرش الذي كانت تختاره دائما لنفسها بل كانت واقفة كأنها تقول بلا
حين وقعت عيناها على إيما لم تستطع التماسك.
انحنت بسرعة وركعت أمام حفيدتها الصغيرة وضعت يديها على كتفيها بحنان خائف وكأنها تطبطب على روحها لا على جسدها.
اقتربت منها أكثر شمت رائحة شعرها وبكت بصوت خافت لكنه كان مليئا باعتراف متأخر.
وقفت أراقب المشهد من بعيد كأنني أشاهد حلما طالما تمنيت أن يتحقق.
رأيت في عيني أمي شيئا لم أعرفه من قبل تواضع.
رفعت رأسها ونظرت إلي وقالت بصوت متقطع مبحوح
سامحيني.
كانت الكلمة كالماء البارد يسكب على جرح مشتعل.
اقتربت منها ومددت يدي. كانت يداها خشنتين
أنا سامحتك ليس من أجلك وحدك بل من أجلي ومن أجل ابنتي. لأننا نستحق أن نعيش من دون ثقل على صدورنا.
مسحت دموعها بطرف يدها المرتجفة وقالت
حقك والوصية
قاطعتها وأنا أنظر إلى إيما
الورق لم يعد يهمني لقد صار وسيلة فقط. هذا البيت سيكون لإيما ليس لأنكم تركتموه لي بل لأني أريد أن أقطع السلسلة. البيت الذي آلمنا سيشفى حين يسكنه قلب صغير نقي يعمره من جديد.
بكت أمي أكثر لكن دموعها هذه المرة كانت مزيجا من الحزن والراحة.
قالت وهي تمسح وجهها
كنت أظن أن القسوة تصنع القوة لكنها كانت تكسرها. كنت أريدك صلبة فكسرتك. وأنت يا ابنتي قوية من دوني وأنا الضعيفة من دونك.
جلسنا معا وإيما كانت تحكي لجدتها عن لعبتها الجديدة وعن المدرسة.
صوتها ملأ الصالة فصار للبيت نفس جديد.
وفجأة رأيت أبي يقف عند باب الصالة مترددا. وجهه تغير تلون بالخجل ثم بخطوة للأمام وخطوتين للخلف كما كان يفعل دائما حين يخاف المواجهة.
قالت أمي بهدوء فيه حزم
اقترب البنت هنا وأنا هنا وكلير أيضا قوتنا في اجتماعنا.
اقترب أبي ببطء وعيناه تحاولان أن تقول ما لم تستطع الكلمات.
نظرت إليه وقلت بثبات ناعم
أنا
هز رأسه وصوته خرج مبحوحا
أنا آسف كنت صامتا والسكات أصعب من الخطأ.
قلت بهدوء
كفى لندع الماضي يقول كلمته لله نحن الآن نخلق صوتا جديدا لهذا البيت.
وبالفعل بدا البيت وكأنه يتنفس للمرة الأولى منذ زمن.
ضحك إيما انساب في الجدران والشمس تسللت من بين النوافذ العالية فغسلت الخشب بلون ذهبي دافئ.
رأيت أمي تدخل المطبخ بيديها نعم بيديها لتحضر الشاي بالنعناع.
في تلك اللحظة تذكرت ليلة بعيدة كنت فيها مريضة وكانت هي تجلس إلى جواري طوال الليل.
فهمت حينها أن القسوة زمن والحنان زمن ونحن من نختار الزمن الذي نعيش فيه.
حين مالت الشمس نحو المغيب غفت إيما على الأريكة فغطتها أمي ببطانية خفيفة وقالت
لا تتركي البيت وأنت غاضبة مرة أخرى البيت يبرد من دونك.
ابتسمت وقلت
لقد تعلمت أن أدفئه حين يبرد.
وقفت وأمي عند النافذة نراقب الشارع من الأعلى والسماء تغسل المدينة بلون الغروب.
قلت لها بهدوء
أتعلمين لم أكن أحتاج إلى أن تنتصري أو تنهزمي. كنت فقط أحتاج أن تعترفي والاعتراف أقوى من ألف انتصار.
مدت يدها ومسحت على رأسي وقالت بدعاء خرج من أعماقها
ربي يحفظك يا ابنتي ويبارك لك في ابنتك ويثبتك على الحق دون قسوة.
قلت آمين.
وشعرت أن الدعاء بنى جسرا من النور فوق كل ما انهدم.
جلسنا ثانية والسكينة تملأ المكان.
لكن كارولين لم تظهر بعد.
رن هاتف أمي وظهر اسمها على الشاشة.
تبادلت معي نظرة مترددة ثم أجابت.
كان صوت كارولين على الطرف الآخر مختلفا مكسورا صادقا على غير عادته.
قالت بصوت متهدج
ماما كلير عندك ممكن ممكن أجي
نظرت أمي إلي بخوف خفيف فأومأت برأسي أن نعم.
قلت لها بهدوء
دعيها تأتي.
أغلقت الخط وقالت بصوت
هل أنت متأكدة
ابتسمت وقلت
ربما حان دورها لتنظر إلى نفسها في المرآة.
لم تمر دقائق حتى رن جرس الباب.
خطوات سريعة ورائحة عطر متوترة ووجه يعرف أنه مكشوف أخيرا.
وقفت كارولين أمامي عيناها على إيما النائمة ثم رفعت نظرها إلي.
فتحت شفتيها بصعوبة وقالت كلمة واحدة
سامحيني.
تنفست ببطء وكل ما حدث في تلك الليلة مر أمامي كفيلم طويل يعرض في ثانية.
قلت لها بهدوء خافت
تعالي اجلسي. لا نحتاج الآن أن نحسب الكلام. نحتاج فقط أن نصغي لقلوبنا.
جلست.
لم تحاول أن تقطع الصمت.
والصمت في تلك اللحظة كان أشجع من أي حديث.
بعد قليل نظرت إلى أمي وقالت بصوت يرتجف
أخطأت ولا أعرف كيف أصلح.
ردت أمي بنبرة حازمة حنون
نصلح حين نصمت ونستمع. البيت يسمعنا ونحن نسمع بعضنا.
هبط الليل بهدوء كأنه غطاء من حرير
ونور المصابيح كون هالة دافئة حول وجوهنا.
ولأول مرة منذ سنين طويلة شعرت أن هذا البيت لم يعد عدوي
بل كائن خائف مثلي كنا نخاف بعضنا بالأمس
واليوم تعرفنا من جديد.
حل منتصف الليل فاستيقظت إيما من نومها
عيناها نصف مغمضتين بينهما بقايا أحلام وطفولة لم تكتمل بعد.
نظرت إلى كارولين دون خوف وسألتها ببراءة جارحة
أنت اللي رميتي الطبق علي صح
اهتز وجه كارولين كما لو صفعته الذكرى نفسها.
اغرورقت عيناها بالدموع فورا وقالت بصوت مبحوح
كنت مخطئة آسفة يا صغيرة.
مدت إيما يدها الصغيرة وقالت بعفوية تشبه الضوء
تعالي كلي من طبقي أنا.
ضحكت إيما ضحكة خفيفة ثم التفتت إلي كأنها تطلب الإذن بعينيها.
ابتسمت وقلت
الطفولة تسامح أسرع من الكبار اذهبي.
ركضت إيما نحو كارولين وجلست إلى جوارها
ثم التصقت بها بهدوء كأنها ترد لها دفء قديما مفقودا.
رأيت شيئا يتبدل أمامي شيئا صغيرا لكنه عميق.
السلسلة التي كانت تمر من جدة إلى
سلسلة القسوة والرقابة والمقارنة
انكسرت أخيرا
وتحولت إلى نقطة ضوء صغيرة تشبه بداية فجر.
لم يكن ذلك
متابعة القراءة