ما زلت أتذكر صوت جرس الباب في ذلك المساء من شهر أكتوبر

لمحة نيوز

ما زلت أتذكر صوت جرس الباب في ذلك المساء من شهر أكتوبر ثلاث رنات قصيرة عاجلة.
وعندما فتحت الباب رأيت أختي أندريا واقفة هناك تحمل طفلا بين ذراعيها وحقيبتين على كتفيها.
قالت دون حتى أن تلقي التحية
ممكن أطلب منك خدمة
كانت الهالات السوداء تحت عينيها واضحة وشعرها مرفوعا على عجل في كعكة فوضوية.
قلت بقلق
أندريا في إيه إنت كويسة
دخلت إلى الشقة دون إذن وأسقطت الحقائب على الأرض بصوت مكتوم.
قالت وهي تلتقط أنفاسها
عايزاك تاخدي بالك من ماتيو كام يوم... أسبوع بالكثير. لازم أظبط شوية حاجات.
نظرت إلى الطفل كان في نحو الثمانية أشهر ينظر إلي بعينيه العسليتين الكبيرتين... عينا أمنا نفسها.
قلت
حاجات إيه يا أندريا الموضوع له علاقة ب رودريغو
أدارت وجهها بعيدا وقالت بحدة
مش عايزة أتكلم عنه. تقدري تاخدي بالك منه ولا لأ
كان علي أن أفهم حينها كان علي أن أرى العلامات... الطريقة التي كانت تتجنب بها نظري ارتجاف يديها وهي تسلمني الطفل استعجالها وهي تملي علي تعليمات الأكل وتبديل الحفاض.
قلت بهدوء
أكيد أقدر بس...
قاطعتني بسرعة
شكرا يا صوفي أنا مديونة لك قوي.
ثم قبلتني على خدي بسرعة وغادرت قبل أن أقول أي شيء آخر.
تابعتها من النافذة وهي تمشي مبتعدة بخطوات تتسارع شيئا فشيئا كأنها

تهرب من شيء لا يرى.
في الأسبوع الأول كنت أعيش على الانتظار.
كلما رن الهاتف هرعت للإجابة كل إشعار على هاتفي جعل قلبي يقفز.
لكن أندريا لم تتصل لم تكتب ولم تتحرك حساباتها على مواقع التواصل قيد أنملة.
سألتني صديقتي المقربة كلارا عندما جاءت لزيارتي
لسه مفيش أي حاجة منها
كنت أحاول تدفئة زجاجة الحليب بيد بينما أحمل ماتيو الباكي باليد الأخرى.
قلت بيأس
ولا حاجة كأنها اختفت من الدنيا.
قالت كلارا بقلق
طب كلمت البوليس
آه قالولي طالما بالغة ومفيش أثر عنف مقدروش يعملوا حاجة. قالوا يمكن محتاجة وقت.
حملت كلارا ماتيو وأرضعته الزجاجة بهدوء لم أكن أملكه.
ثم سألتني برفق
وإنت عاملة إزاي
جلست على الأريكة وغطيت وجهي بيدي.
أنا مرعوبة يا كلارا... معرفش حاجة عن البيبيهات بشتغل عشر ساعات في البنك وشقتي فيها سلالم وماعنديش سرير للرضع. حتى اللبن الصناعي بحسه غلط وأنا بعمله.
ابتسمت كلارا وقالت بثقة
هتتعلمي وبعدين إنت مش لوحدك.
لكنني كنت أشعر بالوحدة خاصة في الثالثة صباحا عندما يبكي ماتيو ولا أعرف السبب.
جوع نوم ألم
يقال إن الأمهات يملكن غريزة الأمومة أما أنا فلم أملك سوى الخوف... واتصال بالإنترنت أبحث من خلاله عن نصائح في منتديات الأمهات.
كانت الأشهر الأولى ضبابية... ليال بلا
نوم زجاجات حفاضات ومكالمات من العمل تطلب مني أن أعمل من المنزل.
اضطررت لإعادة تشكيل حياتي كلها حول ذلك المخلوق الصغير الذي لم يختر أن يكون هنا في شقتي الفوضوية مع خالته التي لا تعرف حتى كيف تحمله بطريقة صحيحة.
كنت أهمس له في الليالي الطويلة
يا ماتيو بالله عليك نام شوية.
وكان ينظر إلي بعيني أندريا نفسها كأنه يسأل عن أمه.
وكنت أتساءل الشيء ذاته.
بعد عام تغير شيء ما... ليس فجأة بل تدريجيا.
لاحظته ذات صباح وأنا أطعمه تفاحا مهروسا. بدأ يقول كلمة ماما رغم أنني كنت أصححه في كل مرة
لأ يا حبيبي أنا خالتك صوفي ماما هترجع قريب.
لكن في ذلك الصباح عندما ابتسم بفمه المليء بالطعام وعيناه تلمعان شعرت بشيء مختلف في صدري.
لم يكن تعبا ولا غضبا...
كان دفئا وحبا.
قلت وأنا أمسح وجهه برفق
إحنا الاتنين في الحكاية دي سوا صح يا صغيري
ضحك وصفق بيديه.
ومن تلك اللحظة... توقفت عن الانتظار.
بدأت أعيش.
استأجرت شقة أكبر وسجلته في روضة جيدة وتحدثت مع محام عن الوصاية القانونية.
عندما بلغ ماتيو عامين كان يمشي ويتحدث بجمل كاملة.
كان يناديني ماما ولم أعد أصححه.
صار لنا روتين ثابت الإفطار معا والحديقة كل سبت وقصص ما قبل النوم.
امتلأ البيت بضحكه وصوته الصغير وهو يجري في الممر كأنه يملكه.

قال لي ذات مساء وهو راكع على الأرض بين لعبه المبعثرة وأسفل الأريكة بنبرة فيها قلق طفولي لطيف
ماما... فين الديناصور الأزرق
كان وجهه الصغير متجهم وهو يمد يده تحت الكنب كأنه بيحفر في عالم تاني. ابتسمت وأنا بمسح على شعره اللي ريحته شامبو الفانيليا اللي بيحبه.
تعالى ندور عليه سوا يا بطل يمكن مستخبي تحت المخدة.
ضحك وهو يزحف جنبي وكل ما يشوف لعبة تانية يقول بحماس
دي بتاعت ماتيو لما كان صغير!
قلت وأنا بضحك
يا سلام! وإنت دلوقتي كبرت يعني
رفع راسه بثقة وقال
أيوه أنا كبير خلاص!
في اللحظة دي كنت بحس إني محظوظة وأني مش محتاجة حاجة من الدنيا أكتر من وجوده جنبي.
لكن أوقات... الغضب بيرجع.
بيرجع زي نسمة برد مفاجئة بتعدي في نص الدفا.
أجلس أحيانا في المساء بعد ما ينام وأفتح درج الصور القديمة.
صور أندريا وأنا في بداية العشرينات ضاحكتين في مطبخ صغير شعرها البني مربوط على شكل كعكة غير مرتبة ووشها مليان حياة.
كنت ببص عليها وأسأل نفسي كل مرة نفس السؤال المؤلم
إزاي قدرت تعملي كده
إزاي قدرتي تسيبي طفل قطعة منك وتمشي
الغضب كان بيغلي في صدري بس أول ما أحس بحركة صغيرة جنبي ألاقي ماتيو اتقلب في نومه لافف دراعه الصغير علي ريحته ريحة شامبو وبسكويت وشمس وقتها الغضب كله بيتبخر.
بيفضل
بس دفء اللحظة دي كأنه بيقولي من غير كلام أنا هنا وده كفاية.
وفي يوم ثلاثاء عادي جدا...
تم نسخ الرابط