ما زلت أتذكر صوت جرس الباب في ذلك المساء من شهر أكتوبر
المحتويات
يوم ممل ما يوحيش بأي مفاجآت كنت في المطبخ بقطع الخضار والتلفزيون في الخلفية بيذيع برنامج طبخ صوت المذيعة واطي والدنيا ماشية على روتينها.
ماتيو كان قاعد في غرفة المعيشة بيبني برج من المكعبات ويغني بصوت واطي أغنية روضة.
رن جرس الباب.
رفعت راسي باستغراب الساعة كانت لسه اتناشر ونص مفيش حد بييجي في الوقت ده.
صرخت من جوه المطبخ
مين
مفيش رد.
رجع الجرس يرن تاني.
المرة دي أسرع.
مسحت إيدي في الفوطة وروحت ناحية الباب. قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة من غير سبب واضح.
فتحت الباب شق صغير ولما شفتها... اتجمدت مكاني.
ما عرفتهاش في الأول.
كانت أنحف بكتير شعرها قصير وأشقر لبسها أنيق ومكياجها بسيط جدا بس عينيها كانت مرهقة كأنها شالت فوق طاقتها سنين.
وراها شنطة سفر صغيرة زي اللي بيستخدموها في الرحلات القصيرة.
قالت بهدوء غريب بصوت خافت لكنه واضح
هاي صوفي.
سكتت لحظة وبعدين زودت
أنا... رجعت.
وقفت ساكتة إيدي على الباب وقلبي بيحاول يستوعب.
رجعت دلوقتي بعد كل ده
تابعت كلامها وهي بتحاول تبتسم
جيت علشان ماتيو.
الكلمة خرجت منها عادية لكنها نغزتني في قلبي.
علشان ماتيو
ردت بسرعة كأنها خايفة من صمتي
آه... أنا بقى عندي شغل وشقة. حياتي اتظبطت. أنا جاهزة أكون أمه تاني.
في اللحظة دي... اتحرك كل الغضب اللي كنت
الغضب اللي خبيته سنين تحت طبقات من الصبر والليل الطويل.
رفعت صوتي وأنا حاسة إن الكلام بيطلع من وجع مش من حنجرتي
طفلك! بعد تلات سنين جاية تقوليلي جيت علشان ابني كأنه طرد كنت ناسيه في البريد!
اتسعت عينيها بخوف وقالت بسرعة
صوفي أرجوك اسمعيني بس!
هزيت راسي بقهر وأنا بحاول أقاوم دموعي
مش عايزة أسمع! سبتينا! سبتيني لوحدي معاه! كنتي فين فاهمة اللي عملتيه الليالي اللي قعدت فيها جنبه وهو بيعيط وأنا مش عارفة أسكته الخوف الشغل الدموع!
بدأت تبكي.
دموعها كانت مختلفة عن زمان.
كنت محطمة...
كنت محطمة بمعنى الكلمة.
رودريغو سابني وقلبي اتكسر ألف مرة. ماكنش عندي فلوس ولا بيت ولا حتى مكان أبات فيه من غير ما أحس إني عالة على حد. كنت محتاجة وقت أتنفس أتعالج أصدق إن الدنيا لسه فيها أمل.
بس الوقت الوقت كان ترف مش متاح.
ماتيو كان عنده تمن شهور... عمر صغير بالنسبة للعالم لكنه بالنسبالي كان حياة كاملة محتاجة رعاية دفء وذراعين يحتووه لما الدنيا تبقى قاسية.
في وسط الزحمة دي سمعنا صوت صغير من ورا ضهرنا صوت بريء فيه دهشة الدنيا كلها
مين دي يا ماما
التفتنا سوا أنا وهي.
كان واقف هناك ماسك الديناصور الأزرق المفضل عنده عينيه الواسعة بتتنقل بيني وبينها باستغراب طفولي مؤلم.
اتجمدت أندريا
ناداك ماما.
قالتها بصوت مبحوح مش قادرة تخفي الرعشة اللي في كلامها.
نظرت لها بثبات وقلت بهدوء
علشان أنا مامته فعلا.
سكتت لحظة وبصت لي بعينين فيها كل حاجة ندم حنين ضعف وتوسل.
قلت وأنا بحاول أثبت نفسي
مش بالولادة يا أندريا لا... بالفعل. أنا اللي كنت هناك. أنا اللي سهرت معاه لما كان بيعيط ومحدش فاهمه أنا اللي حضنته لما كان بيتخنق من السخونية أنا اللي علمته أول كلمة. أنا اللي حبيته لما الكل مشي.
مرت الشهور بعدها زي ما تمر العواصف عنيفة مرهقة لكن في الآخر بتهدأ.
محامين وسطاء جلسات طويلة دموع كتير وليل ما بيخلصش.
بسنا ما وصلناش للمحكمة.
يمكن لأن الرحمة كانت أسبق من القاضي.
في يوم شتوي جلست قدامها في مقهى صغير على ناصية شارع جانبي. كانت لابسة معطف رمادي وعنيها غارقة في التعب.
قالت لي وهي تبص في فنجانها
مش جاية آخده. كنت عايزة أطمن عليه... وهو بخير. علشان إنت كنتي هناك.
سكت ماعرفتش أرد. كنت ببص فيها وقلبي بيدق بنبض متناقض راحة وخوف وحنين.
هو محتاج استقرار يا أندريا. ماينفعش الناس تدخل وتخرج من حياته كأنها أوتوبيس.
هزت راسها بهدوء وقالت
عارفة... وعايزة أكون جزء بس مش أمه. أكون الخالة أندريا... لو تسمحيلي.
اتأملت وشها
قلت بهدوء
هيحتاج وقت. بس... ممكن نحاول سوا.
ابتسمت والدموع كانت بتلمع في عينيها كأنها بتغسل سنين من الذنب.
مش هختفي تاني... بوعدك.
عدت الشهور وفعلا أوفت بوعدها.
بقت تزورنا كل سبت.
ماتيو سماها الخالة آندي ووشه بينور لما يشوفها داخلة ومعاها ألوان أو قصص جديدة.
كانت لطيفة رزينة ما بتتجاوزش الحدود وبتتعامل معايا باحترام يخلي أي غيرة تتحول لامتنان.
وبالتدريج بدأت أصدق وعدها.
في ليلة هادية بعد ما نام ماتيو كنا قاعدين في المطبخ نشرب شاي.
قالت بصوت خافت
شكرا.
رفعت عيني وسألتها
على إيه
قالت وهي بتبص في الكوب
علشان أنقذتيه... وأنقذتيني أنا كمان.
مديت إيدي ومسكت إيدها
كلنا نستحق فرصة تانية يا أندريا. بس ماتيو... دايما رقم واحد.
ابتسمت وقالت
دايما.
الصبح اللي بعده صحاني صوت ضحكه وهو بيقفز على السرير
ماما! اصحي! النهارده يوم الحديقة!
ضحكت وأنا أحتضنه
صباح الخير يا حبيبي.
الخالة آندي جاية!
آه بعد شوية.
ياي! وعدتني بآيس كريم!
جري يبدل هدومه بحماس وأنا ببصله وأفكر.
دي ما كانتش الحياة اللي خططت ليها أبدا.
في التاسعة والعشرين من عمري ما كنتش أتخيل أبدا إني هبقى أم لطفل ما أنجبتوش.
لكن كمان... ما كنتش أتخيل إني هعرف أحب بالقدر ده.
الأمومة لقتني
وغيرتني.
دخلت أوضته لقيته بيحاول يلبس
متابعة القراءة