عندما اختفت اختي
طلبت مني أختي أن أعتني بطفلها ثم اختفت لثلاث سنوات.
ما زلت أتذكر صوت جرس الباب في ذلك المساء من شهر أكتوبر ثلاث رنات قصيرة عاجلة.
عندما فتحت الباب ذلك المساء لم أكن أتوقع أن أرى أختي أندريا تقف أمامي بتلك الهيئة الغريبة وجه شاحب عيناها غائرتان تحتهما هالات سوداء وكتفاها مثقلتان بحقيبتين كبيرتين. بين ذراعيها كان هناك طفل صغير نائم بعمق رأسه متكئ على صدرها كأنه يبحث عن أمان ضاع.
قالت بصوت متعب دون حتى أن ترفع عينيها نحوي أو تلقي تحية
أحتاج منك أن تفعلي لي معروفا.
كانت نبرتها تحمل رجاء خفيا وارتباكا واضحا جعل قلبي ينقبض. اقتربت منها خطوة وسألتها بقلق
أندريا ما الأمر هل أنت بخير
لم تجبني بل دفعت الباب ودخلت الشقة دون انتظار وأسقطت الحقيبتين على الأرض بصوت مكتوم كأنها كانت تحمل أثقال العالم كله فوق كتفيها.
وقفت للحظة تتنفس بصعوبة ثم قالت وهي تشيح بوجهها عني
عليك فقط أن تعتني بطفلي ماتيو لبضعة أيام أسبوع على الأكثر. يجب أن أرتب بعض الأمور.
وقفت مذهولة. لم أفهم ما كانت تعنيه.
نظرت إلى الطفل بين ذراعيها صغير ربما في الثامنة من عمره شهور بشرته دافئة كالعسل وعيناه الكبيرتان تحملان نفس لون عيني أمنا عسليتان تميلان إلى الذهبي.
قلت وأنا أحاول أن أستوعب
أي أمور أندريا
لكنها أدارت وجهها بعيدا. بدت كمن يخشى أن تنهار دموعه إن التقت نظراتنا.
لا أريد الحديث عنه. فقط هل يمكنك الاعتناء به أم لا
كان في صوتها ارتجاف خفيف كأنها تحاول أن تتماسك.
حينها كان علي أن أفهم أن أرى العلامات تلك الإشارات الصغيرة التي لم أدرك معناها إلا لاحقا يدها المرتجفة وهي تسلمني الطفل الطريقة التي كانت تتهرب بها من نظري استعجالها وهي تشرح لي بسرعة تفاصيل الطعام وتبديل الحفاض وكأنها تخشى أن تبقى دقيقة أطول مما ينبغي.
قلت وأنا أحاول تهدئتها
بالطبع أستطيع لكن
قاطعتني بسرعة قبل أن أكمل
شكرا صوفي. أنا مدينة لك كثيرا.
ثم مالت نحوي قبلتني على خدي قبلة سريعة مرتجفة وأدارت ظهرها وغادرت. لم أستطع أن أقول شيئا. وقفت مكاني أتابعها بعيني حتى أغلقت الباب وراءها.
ركضت نحو النافذة أراقبها وهي تسير في الشارع. خطواتها كانت مترددة أولا ثم بدأت تتسارع كأنها تهرب من شيء لا يرى أو كأنها تخاف أن يراها أحد تعود أدراجها.
بقيت واقفة لثوان طويلة لا أسمع سوى صوت أنفاسي وصوت الطفل الصغير الذي بدأ يصدر أنينا خافتا.
نظرت إليه إلى ملامحه الغافلة عن الفوضى التي حدثت للتو وتساءلت في داخلي ماذا فعلت يا أندريا
في الأيام الأولى كنت أعيش على الانتظار.
كلما
لكن لا شيء.
لم تكتب لم تتصل ولم تظهر لها أي حركة في العالم الرقمي أو الحقيقي. كأن الأرض انشقت وابتلعتها.
كنت أحاول أن أقنع نفسي أنها تحتاج فقط إلى وقت أنها ستعود قريبا لتطرق الباب وتقول كعادتها كنت أحتاج إلى أن أختفي قليلا.
لكن الأيام تحولت إلى أسبوع ثم إلى أسبوعين وكل ما ازداد هو صمتي وقلقي.
في إحدى الليالي جاءت صديقتي المقربة كلارا لزيارتي.
دخلت وهي تحمل كيسا من الطعام ونظرت حولها بدهشة. الشقة التي كانت دائما مرتبة صارت فوضى زجاجات حليب مبعثرة حفاضات نظيفة وأخرى لم أجد بعد أين أضعها بطانية صغيرة على الأريكة وطفل يصرخ من دون سبب واضح.
قالت كلارا بابتسامة باهتة تحاول بها تخفيف التوتر
يبدو أن عندك ضيفا دائما.
ضحكت ضحكة قصيرة لا تحمل أي بهجة وقلت وأنا أحاول تدفئة زجاجة الحليب بيد وأحمل ماتيو الباكي باليد الأخرى
أندريا تركته عندي وقالت إنها ستعود خلال أسبوع مر أسبوعان ولا شيء.
جلست كلارا بجانبي على الأريكة وسألت
ما زال لا شيء لا اتصال لا رسالة
هززت رأسي بيأس.
لا شيء. كأنها تبخرت من
قالت بصوت أكثر جدية
هل اتصلت بالشرطة
نعم فعلت. لكنهم قالوا إنها بالغة ولم يجدوا أي دليل على جريمة أو اختفاء قسري. قالوا ربما تحتاج بعض الوقت فقط.
نظرت إلي كلارا بشفقة صادقة. أخذت ماتيو من بين ذراعي وبدأت تهدهده بخبرة لم أكن أملكها ثم أطعمته الزجاجة بهدوء عجيب.
وأنت كيف حالك
جلست على الأريكة وغرقت وجهي بين يدي.
أنا خائفة يا كلارا. لا أعرف شيئا عن الأطفال. أعمل عشر ساعات يوميا في البنك وشقتي مليئة بالسلالم لا أملك سريرا للرضع وحتى الحليب الصناعي لا أعرف إن كنت أخلطه بطريقة صحيحة.
ابتسمت كلارا وقالت بنبرة حنونة
ستتعلمين. ولست وحدك.
لكنني كنت أشعر بالوحدة.
خاصة في الثالثة صباحا حين يبكي ماتيو بلا سبب واضح.
كنت أجلس أمامه حائرة أحدق في وجهه الصغير المبلل بالدموع وأسأل نفسي
هل هو جائع هل يؤلمه شيء أم أنه فقط خائف مثلي
يقولون إن الأمهات يمتلكن غريزة الأمومة تلك التي تهديهن الطريق حتى وسط العتمة.
أما أنا فلم أملك سوى الخوف وهاتف متصل بالإنترنت أبحث من خلاله عن نصائح في منتديات الأمهات المجهولات.
كانت الأشهر الأولى كأنها ضباب كثيف غمر حياتي. ليال بلا نوم زجاجات حليب متساقطة من يدي المرتعشة حفاضات تتبدل كل ساعتين ومكالمات عمل لا تنتهي تذكرني بأنني ما زلت
اضطررت لإعادة بناء كل شيء حول