عندما اختفت اختي
المحتويات
ذلك الكائن الصغير الذي لم يختر أن يأتي إلى هذا العالم في شقتي الفوضوية مع خالته التي كانت تتعلم كيف تحمله دون أن يخاف أو يبكي.
كنت أحيانا أضمه إلى صدري وأهمس
ماتيو أرجوك فقط نم قليلا.
وكان يفتح عينيه الواسعتين اللتين تشبهان عيني أندريا تماما وينظر إلي كأنه يسألني بصمت أين أمي
وفي كل مرة كنت أسأل نفسي السؤال ذاته.
مرت الشهور ببطء كأنها سنوات صغيرة محملة بالتعب. لكن بعد عام تقريبا تغير شيء في شيء لم أستطع تحديده فورا.
كان صباحا مشمسا حين أطعمته تفاحا مهروسا فرفع رأسه الصغير وناداني بضحكته المبللة بالطعام
ماما!
ضحكت رغم الدهشة وقلت له وأنا أصحح بحنان
لا يا حبيبي أنا خالتك صوفي. ماما سترجع قريبا.
لكنه كررها بعناد طفولي وقالها ثانية بابتسامة جعلت قلبي يرتجف
ماما.
في تلك اللحظة شعرت بدفء غريب يسري في صدري. لم يكن تعبا ولا غضبا بل كان شيئا يشبه الانتماء والحب.
مسحت فمه الصغير وقلت هامسة
أنت وأنا في هذا معا أليس كذلك يا صغيري
ضحك وصفق بيديه الصغيرتين في الهواء.
ومن تلك اللحظة توقفت عن الانتظار. بدأت أعيش.
استأجرت شقة أكبر بها نوافذ تفتح على الضوء بدلا من الجدران الرمادية.
سجلت ماتيو في روضة صغيرة قريبة وتحدثت مع محام بشأن الوصاية القانونية لأحميه من المجهول.
كبر ماتيو وصار يمشي ويتحدث بجمل كاملة. كان يناديني
صارت لنا حياة صغيرة تملؤها التفاصيل الإفطار معا كل صباح اللعب في الحديقة كل سبت والقصص التي أقرأها له قبل النوم بصوت خافت حتى يغفو على كتفي.
البيت الذي كان صامتا وباردا امتلأ بضحكاته وضجيجه وحكاياته الصغيرة.
ذات مساء بينما كان يبحث أسفل الأريكة رفع رأسه فجأة وسألني بجدية
ماما أين الديناصور الأزرق
تجمدت الكلمة للحظة في أذني لكنني ابتسمت وأنا أربت على شعره
هيا نبحث عنه معا يا بطل.
لم تعد كلمة ماما تؤلمني. أصبحت صحيحة بل جميلة.
لكن في بعض الليالي يعود الغضب كضيف قديم لا يراد له أن يعود.
أنظر إلى صور طفولتي مع أندريا وأتساءل كيف استطاعت فعل ذلك كيف تركت طفلها ورحلت
غير أن الغضب يذوب حين يلتف ماتيو بجانبي تفوح منه رائحة الشامبو والبسكويت فأشعر أن كل شيء في مكانه الصحيح.
حتى جاء ذلك الثلاثاء العادي الذي لم يكن عاديا أبدا.
كنت أعد الغداء عندما رن جرس الباب.
ماتيو كان في غرفة المعيشة يلعب بسيارته الصغيرة.
صرخت من المطبخ
من هناك
لم يجب أحد.
رن الجرس مرة أخرى.
فتحت الباب وتوقف الزمن.
كانت أندريا أمامي. بالكاد عرفتها.
أنحف شعرها قصير وأشقر ترتدي ملابس أنيقة وتحمل حقيبة سفر صغيرة.
قالت بصوت متردد
مرحبا صوفي. جئت من أجل ماتيو.
لم أصدق ما سمعت.
ماذا
قالت وهي تحاول أن تبدو واثقة
أعلم أن لدي
شعرت بالغضب يشتعل في داخلي من جديد كبركان خمد ثم انفجر دفعة واحدة.
طفلك! بعد ثلاث سنوات! تعودين وتقولين جئت من أجل طفلي كأنه صندوق تسترديه من مكتب البريد!
صوفي أرجوك اسمعيني
لا!
بدأت دموعي تنهمر رغما عني.
لقد تركته أندريا! تركتني معه وحدي! هل تعرفين كم ليلة قضيتها وأنا أحاول ألا أنهار كم مرة ظننت أنني سأفشل
كانت تبكي أيضا ترتجف كطفلة
أعلم كنت محطمة. رودريغو تركني لم يكن لدي مال لم أستطع المواجهة. كنت بحاجة إلى وقت.
قاطعتها وأنا أصرخ
لتجدي نفسك! كان عمره ثمانية أشهر يا أندريا لم يكن يستطيع الانتظار!
ساد الصمت.
ثم سمعنا صوتا صغيرا يقطع الهواء
من هذه ماما
التفتنا معا وكان ماتيو يقف هناك ممسكا بديناصوره الأزرق ينظر إلى أندريا بعينين حائرتين.
ارتجفت شفتاها وهمست
ناداك ماما
فقلت بثبات
لأنني أمه. ليس بالولادة بل بالفعل. أنا من بقيت. أنا من ربيته. أنا من أحبه. أنا من صمدت يا أندريا. لا أنت.
مرت الشهور التالية بصعوبة بين محامين ووسطاء. لم نرغب أن نصل إلى المحكمة فالمعارك تدمر الصغار قبل الكبار.
وفي أحد الأيام جلسنا في مقهى صغير مطل على النهر. كانت أندريا أهدأ بعينيها تعب لا تخفيه.
قالت بصوت خافت
لم آت لأخذه صوفي. أردت فقط أن أراه أن أتأكد
نظرت إليها طويلا ثم قلت
هو يحتاج إلى الاستقرار. لا يمكنك الدخول والخروج من حياته متى شئت.
أومأت.
أعلم. أريد فقط أن أكون جزءا من حياته لكنني أدرك أنك أمه الآن. يمكنني أن أكون الخالة أندريا إن سمحت لي.
تأملت وجهها. لم أر فيه المرأة التي هربت بل امرأة أخرى مكسورة لكنها نضجت.
قلت بهدوء
سيحتاج الأمر إلى وقت ويجب أن يكون تدريجيا.
ابتسمت.
كما ترين.
أضفت وأنا أنظر إليها مباشرة
وإذا اختفيت مجددا
قاطعتني بصدق
لن أفعل. أعدك. أنا أتعالج نفسيا الآن وأتناول دوائي. تغيرت.
مرت ستة أشهر على عودتها.
تزورنا كل سبت.
يسميها ماتيو الخالة آندي ويتهلل وجهه حين تدخل ومعها كتب قصص جديدة أو ألوان للرسم.
هي لطيفة محترمة لا تتجاوز الحدود.
وأنا رغم كل شيء بدأت أتعلم أن أسامح.
أحيانا أراها وهي تلعب معه على الأرض فألمح في عينيها مزيجا من الحزن والرضا.
وفي الليلة الماضية بعدما نام ماتيو جلسنا في المطبخ بصمت طويل.
ثم قالت فجأة
شكرا.
سألتها
على ماذا
ابتسمت ودموعها تلمع
لأنك أنقذته وأنقذتني أنا أيضا رغم أنني لم أستحق.
مددت يدي وأمسكت بيدها برفق وقلت
كلنا نستحق فرصة ثانية يا أندريا. لكن تذكري ماتيو يأتي أولا. دائما.
همست وهي تبتسم
دائما.
ماتيو الآن في الثالثة والنصف.
هذا الصباح استيقظت على
قال بحماس ناعم يشبه ضوء الصباح
ماما استيقظي!
متابعة القراءة