المليونير تظاهر بالنوم ليختبر خادمته الخجولة… لكن حين فتح عينيه ورأى ما كانت تفعله
المحتويات
عن أحد الأدراج انزلق منه صندوق خشبي صغير وسقط على الأرض بصوت خافت. انحنت بسرعة لتلتقطه وعندما فتحته لتعيد ترتيب الأوراق التي تناثرت رأت بداخله أشياء قديمة محفوظة بعناية ساعة يد متهالكة قلم فضي صدئ وبضعة صور قديمة.
لكن ما شد انتباهها كانت صورة صغيرة لطفل يجلس على البيانو نفسه الموجود في القصر. كان الطفل يضحك بعفوية نادرة وإلى جواره امرأة جميلة تضع يدها على كتفه ملامحها دافئة وعيناها تشبهان عيني أليخاندرو. نظرت لوسيا إلى الصورة مطولا ولم تشعر بمرور الوقت. لم تكن تنوي التدخل أرادت فقط إعادة الأشياء مكانها لكن الصورة سقطت من يدها عندما سمعت صوت الباب يفتح فجأة.
دخل أليخاندرو بخطوات ثابتة وبمجرد أن وقعت عيناه على المشهد تجمد المكان. نظرت إليه مرتبكة وهي تمسك الصورة بين يديها. رفع حاجبه وقال ببرود واضح
من سمح لك بلمس هذا
تلعثمت ارتبكت أعادت الصورة بسرعة وهي تقول بخوف ظاهر
كنت أنظف فقط يا سيدي... لم أقصد شيئا أقسم لك.
أخذ الصورة من يدها ببطء بنظرة جامدة خالية من أي ملامح وكأنها ارتكبت خطأ لا يغتفر. لكنه لاحظ شيئا لم يتوقعه كانت الدموع في عينيها. لم تبك بصوت عال لكنها همست بخفوت وهي تنظر للأرض
آسفة...
لم يرد فقط غادر الغرفة بخطوات سريعة.
لكن عندما أغلق الباب خلفه توقف للحظة شعر بشيء غريب يثقل صدره. جلس على الأريكة ممسكا بالصورة ينظر إلى ملامح والدته وابتسامته القديمة. تساءل بصوت خافت لم يسمعه أحد
لماذا بكت هي ما الذي جعلها تتأثر أكثر مني
قضى تلك الليلة في صمت طويل والصورة أمامه على المكتب. أحس أن شيئا فيه تحرك بعد ركود طويل. كان يحاول أن يقنع نفسه أن الأمر لا يعني شيئا لكنها كانت المرة الأولى منذ سنين يشعر فيها بالذنب... لا عليها فقط بل على نفسه أيضا.
مرت الأيام التالية ببطء. لم يتحدث معها ولم تنظر إليه. كانت تؤدي عملها كالمعتاد بنفس الهدوء والاتزان وكأن شيئا لم يحدث. لم تتذمر لم تبك ولم تغب يوما واحدا. كان ذلك الصمت بينهما أكثر إيلاما من أي عتاب. وكلما رآها تمر في الممر شعر أن شيئا يريد أن يقول أنا آسف لكنه لا يجد الكلمات المناسبة.
كان يراقبها خلسة يلاحظ كيف تخفي تعبها بابتسامة صغيرة وكيف تضع الغطاء على البيانو قبل أن تغادر كل مساء. في داخله كان يعرف أنها لا تزال تحمل احتراما له رغم ما حدث وهذا وحده جعله يشعر بالضياع.
وفي ليلة هادئة لم يستطع النوم. نزل إلى
عندما لمحته أغلقت الدفتر بسرعة ووقفت متوترة.
قال بهدوء وهو يقترب
ما الذي تكتبينه
ترددت قليلا ثم نظرت إليه بعينين خائفتين كأنها تخشى أن يساء فهمها وقالت بصوت خافت متردد
رسائل... لوالدي. رحلا منذ زمن لكني أكتب إليهما كلما شعرت بالوحدة.
تجمد للحظة كأنه لم يتوقع هذا الجواب. لم يعرف بماذا يرد واكتفى بالصمت الذي حمل بين طياته أكثر من سؤال. ثم قال أخيرا بصوت مبحوح صادق
وهل... يخفف ذلك عنك
أخفضت رأسها وابتسمت ابتسامة حزينة كأنها تعتذر للعالم عن حنينها ثم همست
أحيانا. لا أحتاج ردا يكفيني أن أكتب. يجعلني أشعر أني لست وحدي في هذا العالم وكأن شيئا مني ما زال هناك حيث تركته آخر مرة.
جلس بصمت على الكرسي المقابل لها تتبع بنظره الدفتر المغلق أمامها وكأنه يحمل سرا لم يفصح عنه بعد. ثم قال بعد لحظة من التردد
كنت تبكين يومها... عندما رأيت الصورة. لماذا
نظرت إليه مطولا قبل أن ترد وكأنها كانت تختار كلماتها بعناية كي
لأن الطفل في الصورة كان يشبهك لكنه بدا سعيدا. ظننت أنك افتقدت هذا الطفل في داخلك فقط... شعرت بالحزن من أجله.
لم يجد ما يقوله. كانت كلماتها بسيطة لكنها اخترقت شيئا عميقا فيه الجزء الذي ظل يختبئ خلف صلابته لسنوات طويلة. شعر أن جدرانه تتشقق قليلا وأن صوته حين خرج أخيرا كان أضعف مما أراد
ربما... أنت الوحيدة التي ما زلت ترين الطفل بداخلي.
ابتسمت بخجل وحركت أناملها على غلاف الدفتر بخفة كأنها تبحث عن مخرج لتوتر خفي بينهما. ثم قالت بعد لحظات من الصمت
أحيانا يا سيدي لا يحتاج الإنسان إلى من يخبره الحقيقة... فقط إلى من يراها.
لم يستطع الرد. كانت كلماتها تمس شيئا لم يكن يعرف اسمه. ظل ينظر إليها للحظات طويلة قبل أن يقول بنبرة أكثر دفئا مما اعتاد
اسمي أليخاندرو لوسيا... يمكنك أن تناديني به.
رفعت رأسها ببطء وعيناها تتسعان بدهشة خافتة كأنها لم تصدق أنه هو من قال ذلك. ثم تمتمت بابتسامة هادئة
شكرا... يا أليخاندرو.
تلك الليلة لم تشبه سواها. عاد إلى غرفته وهو يشعر بشيء غريب دافئ خفيف كأنفاس المطر على نافذة قديمة. لم يكن حبا بعد لكنه كان بداية دفء لم يزره منذ زمن بعيد. حين نطق اسمها لأول
متابعة القراءة