قطعة الخبز التي غيّرت كل شيء لحظة واحدة هزّت قلب صاحبة المطعم المتكبرة

لمحة نيوز

قطعة الخبز التي غيرت كل شيء لحظة واحدة هزت قلب صاحبة المطعم المتكبرة
تجمدت بريندا في مكانها لحظات طويلة والهواء البارد يلسع وجهها لكنها لم تشعر بشيء. فقد كانت روحها هي التي ترتجف لا بشرتها. كانت عيناها محمولتين بقوة على ذلك الطفل النحيل الجالس فوق الأرض الإسمنتية القاسية يحتضن جروا يرتعش من البرد والجوع كأن قلبه الصغير قرر أن يقاوم العالم كله لأجل هذا المخلوق الأضعف منه. كان الطفل يمنحه الجزء الأكبر من قطعة خبز يابسة بالكاد تكفي بشرا لا كلبا ومع ذلك كان يحرص أن يصل الجزء الأكبر إلى فم الجرو قبل فمه.
داخل جسده الصغير كان الجوع ساكنا في كل خلية لكن داخلها هي كانت القسوة هي التي تسكن كل شيء. قسوة اعتادت عليها حتى ظنت لسنوات أنها طبيعية وأن التشدد والصلابة هما الطريق الوحيد للنجاح. أما الآن أمام هذا المشهد شعرت أن قلبها الذي كانت تظنه صلبا كالحجر بدأ يتحرك لأول مرة منذ زمن بعيد.
رفعت يدها إلى صدرها كأنها تتحسس وجود قلب ينبض فعلا. أحست للحظة خاطفة أنه إن عادت إلى الداخل وأغلقت الباب الحديدي خلفها متجاهلة ما رأته فإن شيئا عميقا فيها سينكسر شيء لو انكسر فلن تستطيع إصلاحه مهما ارتفعت أرباح المطعم ولا مهما ازدادت الجوائز والشهادات التي تزين جدرانه.
تنفست بعمق ثم قررت أن تفعل أصعب ما يمكن لإنسان اعتاد أن يأمر ولا يعتذر. تقدمت خطوة للأمام فارتطم صوت كعب حذائها بالأرض بصدى حاد جعل الطفل ينتفض فجأة ويضم الجرو لصدره بقوة كأنها جاءت لتأخذ منه آخر ما تبقى لديه في هذا العالم.
توقفت على مسافة مترين لا قريبة بما يكفي لتفزعه ولا بعيدة بحيث تبدو متجاهلة.

ومن تلك المسافة رأت تفاصيل لم تكن لتلاحظها لو لم تقف الآن أصابعه الزرقاء من شدة البرد أظافره المتسخة شفتاه المتشققتان تنزفان قليلا عيناه الواسعتان التي تحملان تعبا أكبر بكثير من عمره الحقيقي.
حاولت أن تتكلم لكن صوتها انكسر في حلقها. هي التي اعتادت أن تصرخ
أسرعوا!
أخرجوه!
غير مقبول!
هذا عيب على مستوى خمس نجوم!
لكن الآن لم تكن المديرة هي التي تتكلم. كانت امرأة تحاول لأول مرة منذ سنوات طويلة أن تكون إنسانة.
قالت بصوت خافت متردد
يا صغير
رفع وجهه نحوها. لم يرد. فقط شد الجرو أكثر إلى صدره وعيناه تحملان سؤالا مريرا تعلمه من الشوارع
ما الذي ستفعلينه بي الآن
بلعت ريقها بصعوبة وحاولت أن تثبت نظرها في عينيه دون أن تهرب.
أنا أنا ارتكبت خطأ فظيعا قبل قليل.
لم يظهر على وجهه أي تعجب. ربما في عالمه ما فعلته لم يكن فظيعا على الإطلاق بل مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإهانات التي اعتاد عليها.
قال ببرود طفل تعلم أن يتلقى الصفعات بصمت
لا بأس يا سيدتي أنا متعود.
تلك الجملة كانت أبرع صفعة تلقتها في حياتها.
أنا متعود.
هذا الاعتياد على الإهانة كان أكثر إيلاما من الإهانة نفسها.
حاولت السيطرة على ارتجاف أصابعها وقالت
لا ليس لا بأس. ما فعلته لم يكن طبيعيا ولم يكن صحيحا ولا يحق لأي أحد أن يفعله بك.
سمر الصمت بينهما كأن الهواء يحمل ما لم يقال بعد.
أشارت بيدها نحو الباب الخلفي للمطعم
هل تسمح أن أدعوك إلى الداخل أنت والجرو لتأكلا شيئا ساخنا ثم نتحدث.
لمعت في عينيه علامات خوف واضحة كأنها عرضت عليه فخا متنكرا في هيئة مساعدة. هز رأسه نفيا بخفة
إن دخلت سيصرخون علي.
الناس لا يريدون أن يروني. أنا وسخ.
تكسر شيء ما في قلبها. لم تتردد حين قالت بلا تفكير
لا أنت لست وسخا. أنا أنا التي كانت قذرة بحكمي عليك لا أنت.
رفع حاجبه كأن هذه الكلمات تنتمي لعالم لم تطأه قدماه من قبل.
كانت لا تزال تمسك بكيس القمامة فتركته يسقط أرضا. خلعت معطفها الصوفي الثقيل ذاك الذي يساوي راتب شهر كامل لأحد موظفيها واقتربت خطوة أخرى ومدته إليه
خذ هذا أولا الجو شديد البرودة.
تردد. نظر للجرو ثم للمعطف ثم لها.
سأل بصوت خافت يشبه الخوف أكثر من السؤال
هل تريدين شيئا في المقابل
شعرت أنها هي الطفل الذي يتم توبيخه.
لا. لا أريد شيئا. بل بعد ما رأيته الآن أدركت أنني محتاجة أن أعطي. أنت لست من يفترض أن يدفع الثمن.
اقترب بحذر وأخذ المعطف. لفه حول الجرو أولا ثم أدخل نفسه معه كأنهما يحتميان داخل كهف دافئ صغير.
قالت بهدوء
ما اسمك
ليو.
ومنذ متى وأنت هنا
هز كتفيه
لا أعرف منذ خرجت من الملجأ الأخير ومن قبله الشارع ومن قبله بيت لا أريد أن أرجع إليه.
لم تسأل. فهمت وحدها أن هناك قصصا مؤلمة لا يحتاج الإنسان أن يسمعها كي يعرف أنها تؤذي.
قالت
حسنا يا ليو تعال معي. الليلة على الأقل لن تنم في الشارع.
التفت ليو نحو آخر الزقاق قبل أن يتحرك كأنه يودع ظلا عاش معه أكثر مما عاش مع البشر. ظل الجوع والخوف والبرد والليل الطويل. ثم نهض ببطء حاملا الجرو تحت ذراعه ومعطف بريندا تحت الذراع الأخرى وتبعها بخطوات قصيرة مترددة كأن كل خطوة نحو الضوء لعتمة اعتاد عليها.
حين فتحت باب المطبخ الخلفي اندفع هواء دافئ يحمل رائحة الحساء الطازج والثوم والزبدة. توقف الطهاة لحظة حين رأوا
الطفل وظهرت على وجوههم علامات صدمة واضحة. أحدهم شاب ضخم الكتفين كاد يعترض قائلا
سيدتي الناقد ما يزال في الداخل وهذا الطفل
لكن بريندا قاطعته بنظرة صارمة مختلفة عن نظراتها السابقة التي كان فيها الغضب سيد الموقف هذه النظرة كان فيها حزم قديم لكنه مخلوط الآن بخيط رقيق من الرحمة لم يعرف العاملون في المطعم وجوده من قبل.
قالت بهدوء لا يقبل الجدل
هذا الطفل ضيفي. ومن يرفع صوته عليه لن يبقى في هذا المكان دقيقة واحدة.
ساد صمت ثقيل لثوان ثم انهمك كل واحد في عمله من جديد لكن عيونهم جميعا ظلت تراقب المشهد من طرف أعينهم كأنهم يشهدون لحظة تاريخية لا تتكرر.
أجلست ليو على كرسي خشبي في زاوية قريبة من الموقد حيث تتجمع الحرارة. وضعت الجرو على فوطة نظيفة قرب المدفأة فمد الجرو رأسه بشيء من الفضول والخجل ثم انكمش من جديد في لفافة المعطف.
تقدم أحد الطهاة رجل في الخمسين شعره رمادي ووجهه مجهد وقال بصوت منخفض
سيدتي إن شئت أعد لهما شيئا سريعا. شوربة دجاج بعض الخبز الطري وقليلا من اللحم من الطبق الخاص بالناقد. لن يلاحظ أحد.
رفعت بريندا حاجبيها بدهشة.
ماركو الذي لطالما كانت تفترض فيه الصرامة فقط يظهر الآن قلبا لم تتوقع وجوده.
قالت بصوت خافت مليء بالامتنان كلمة نطقتها لأول مرة في عمر المطعم
شكرا يا ماركو.
ذهب الرجل يعمل بسرعة بينما جلس ليو على حافة الكرسي كمن يخشى أن يطرد في أي لحظة. كانت يداه على ركبتيه يضغط عليهما بتوتر وكتفاه مشدودتان كوتر نايلون على وشك الانقطاع.
حين وضع ماركو الطبق أمامه ارتفع بخار الشوربة الدافئ كضباب رقيق يحمل رائحة الدجاج والخضار والملح الخفيف.
كانت رائحة كافية لإيقاظ ذاكرة معدة جائعة منذ أيام.
قالت له بريندا
تم نسخ الرابط