قطعة الخبز التي غيّرت كل شيء لحظة واحدة هزّت قلب صاحبة المطعم المتكبرة
المحتويات
بصوت لطيف
كل كما تشاء يا ليو لا تتردد.
مد يده إلى الملعقة ببطء كأن الطعم قد يكون وهما. أخذ لقمة صغيرة ثم توقف. عينه اتسعت قليلا وكأنه يتذوق شيئا لم يدخل حياته منذ زمن طويل الطعام الساخن والأمان.
ثم أخذ لقمة ثانية أكبر قليلا. وبعدها ثالثة. ومع كل ملعقة كانت عضلات كتفيه تسترخي ببطء وكأن الخوف الذي كان يلتصق بعظامه بدأ يتفكك ويذوب مع حرارة الشوربة.
وبين كل ملعقتين كان يلتفت إلى الجرو يمده بقطعة صغيرة من اللحم في طبق منفصل. لم يكن يأكل لنفسه فقط بل يأكل مع رفيق الطريق الهدية الوحيدة التي منحته الدنيا إياها.
وبعد أن انتهى أسند ظهره إلى الكرسي لأول مرة منذ دخوله المطبخ ثم وضع يده على بطنه وابتسم. كانت ابتسامة صغيرة خجولة لكنها حقيقية لدرجة جعلت بريندا تشعر أن قلبها يتسع شيئا فشيئا لوجود هذا الطفل.
سألته بهدوء
أين تنام عادة يا ليو
عبث بأطراف المعطف حول يديه وقال
أحيانا أنام تحت السقف المعدني عند المحطة أحيانا في مدخل مبنى وأحيانا في الملجأ لو كانوا لطفاء ذلك اليوم. لكنهم لا يحبون الكلاب فيطردون الجرو لذلك أفضل الشارع.
شعرت بريندا بثقل كبير في صدرها. كانت الحياة قاسية عليه لدرجة جعلت الشارع مكانا أفضل.
قالت له بصوت ثابت
الليلة لن تنام في أي من هذه الأماكن. الليلة ستنام في مكان له باب وسرير وبطانية ونافذة تطل على شيء غير حاوية قمامة.
رفع رأسه فجأة كأنه لم يصدق. قال بصوت متوجس
هل ستأخذينني إلى الشرطة
لا.
إلى الملجأ
لا.
إلى بيت سيعيدني إلى أبي
هذا السؤال تحديدا لم يكن سؤالا بريئا. رأته في عينيه. رأت الخوف لا من البرد بل من الذاكرة. ذاكرة
قالت بحزم رغم أنها لم تكن تعرف بعد ماذا ستفعل حقا
إلى بيتي أنا.
تجمد كل شيء لحظة. كان القرار أكبر من مجرد مبادرة طيبة. كان بداية تغيير جذري في حياة إنسانة اعتقدت أنها فقدت جزءا من روحها منذ زمن.
جلس ليو في المقعد الخلفي لسيارتها أثناء الرحلة والجرو في حضنه يرتمي رأسه على صدره الضئيل. كان ليو ينظر من النافذة كمن يرى العالم لأول مرة تارة بفضول وتارة بحذر وتارة أخرى بدهشة طفل لم يصدق بعد أنه خرج من دائرة الخطر.
مرت السيارة أمام واجهة المطعم اللامعة أضواؤها الذهبية تتلألأ وزبائنها خلف الزجاج الفاخر يضحكون ويتحدثون ويتذوقون الأطباق الغالية دون أن يشعر أحد منهم أن حياة كاملة تتغير في تلك اللحظة في زقاق مظلم خلف المطعم.
حين صعدوا إلى الشقة وقف ليو في المدخل مذهولا. السقف عال الأثاث أنيق الرائحة دافئة والجدران تحمل صورا لبريندا وهي تتسلم جوائز وأوسمة وصورة لرجل بدا أنه كان مهما في حياتها يوما.
سألها بصوت خافت
هل هذا كله لك
نعم.
تردد قليلا ثم قال
وأنت تعيشين هنا وحدك
كانت عيناه ترى الوحدة رغم أن المكان جميل.
قالت ببساطة
نعم منذ سنوات.
لم تضف شيئا. لم تخبره عن الحب القديم الذي تركها ولا عن العائلة التي لم تر فيها سوى ماكينة مال ولا عن سنوات التعب التي ملأت البيت بالأثاث ولكن فرغته من البشر.
قدمت له بريندا مناشف دافئة وأشارت إلى الحمام قائلة
خذ حماما طويلا يا ليو الماء لن ينفد ولا أحد سيطرق عليك الباب ليعجل خروجك.
تردد الطفل لحظة ثم سأل بصوت خجول
هل يمكن أن يدخل الجرو معي لا أريد أن يختفي من أمامي.
ابتسمت ابتسامة لم
يمكنك أن تترك الباب نصفه مفتوح وأنا سأجلس هنا عند العتبة لن يأخذه أحد.
جلست على الأرض ظهرها إلى الجدار والجرو على حجرها مغطى بمنشفة صغيرة يتنفس بارتياح. كانت تسمع صوت الماء ينساب وصوت ليو يحرك قدميه في الحوض كأن كل حركة فيه محاولة لنزع طبقات من خوف التصقت بجلده لسنوات.
حين خرج لم يكن هو نفسه.
بشرته صارت أصفى شعره نظيف يلتصق بجبهته وعيناه تلك العينان اللتان كان فيهما رماد تعب عمر أكبر من عمره بدا فيهما لون جديد لون حياة صغيرة بدأت تفتح نافذتها.
أعطته بريندا قميصا قديما واسعا عليها وسروالا رياضيا نظيفا وجوارب سميكة.
نظر إلى نفسه في المرآة طويلا كأن الطفل الذي يراه لا ينتمي لتاريخه. وضع يده على شعره المبلل ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة ثم خرج إلى غرفة الجلوس.
قالت له
هذه الأريكة لك الليلة. وستبقى لك ما دمت تحتاج إليها.
تمدد ليو على الأريكة والجرو عند قدميه ملفوف في بطانية صغيرة. كانت أنفاسه هادئة كأن النوم لم يعد عدوا له كما كان في الشارع حيث كان ينام بعين مفتوحة وأخرى نصف مطفأة.
بريندا تركت باب غرفتها نصف مفتوح تسمع خطواتهما وصوت الجرو وهو يتقلب وصفير نفس طفل يطرد الكوابيس للمرة الأولى منذ سنوات.
كانت تسمع وتبتسم وتفكر كم أن قلبها الذي ظنت يوما أنه تجمد بدأ يذوب.
مرت الأيام التالية كأنها فصل جديد في كتاب حياتها.
في النهار كانت تخرج إلى مطعمها تحمل نفس القوة التي عرفها الجميع لكنها لم تعد تلك المرأة الحديدية التي تخاف من أن يراها أحد ضعيفة.
صار في عينيها شيء جديد شيء جعل العمال ينظرون
كانت ترى في وجوههم التعب الذي لم تره من قبل وكانت تسمع شكواهم قبل أن تتحول إلى مشكلة وكانت تمر على كل واحد منهم بلمسة من التقدير لم يعتادوها.
وفي الليل كانت تعود إلى بيت لم يعد هادئا كما كان.
صار فيه صوت طفل يضحك وجرو يشاغب وقدمين صغيرتين تركضان في الردهة.
كان ليو يملأ البيت بأسئلة لا تنتهي
لماذا تعملين كل هذا الوقت
هل كنت فقيرة عندما كنت صغيرة
هل الطعام دائما متوفر هنا
هل ستطردينني لو أخطأت
هل الجرو يمكنه النوم على السرير
كانت تجيبه أحيانا وتصمت أحيانا أخرى. لم تكن إجابات كثيرة جاهزة عندها لأن معظم الأسئلة كانت تضرب في عمق لم تجرؤ على النظر إليه من قبل.
وفي إحدى الليالي الماطرة جلسا معا على طاولة المطبخ الصغيرة.
ليو حل واجبات بسيطة كانت بريندا قد اشترتها له كتب وألوان ودفتر كأنها تحاول أن تضع يده على بداية حياة لم يعرفها.
قالت له وهي تراقب خطه المتعرج
هل تريد أن تلتحق بالمدرسة
رفع رأسه بسرعة كأن الكلمة وحدها حلم محرم.
هل يمكن
بالطبع يمكن. سنهتم بالأوراق وسأتواصل مع منظمة تساعد في الإجراءات.
ظل صامتا ثم قال بصوت خافت لا يخلو من خوف
لكن إن ذهبت إلى المدرسة لن أستطيع الوقوف خلف المطعم لأبحث عن الطعام المتبقي.
بادرت تمسك يده الصغيرة وتضغط عليها برفق
لن تقف خلف أي مطعم بعد اليوم يا ليو.
ثم أضافت بصوت أقرب إلى وعد مقدس
أنت من اليوم تقف أمام بابك أنت.
لم يفهم الجملة تماما لكن قلبه فهم.
وهز رأسه بثقة صغيرة خجولة.
بدأت بريندا رحلة لم تتوقع يوما أن تخوضها رحلة لم تكن فيها الخطوات واضحة ولا الطرق ممهدة
متابعة القراءة