قطعة الخبز التي غيّرت كل شيء لحظة واحدة هزّت قلب صاحبة المطعم المتكبرة

لمحة نيوز

أن هذا المشروع يستحق جائزة فلتكن له هو.
وأشارت إليه بيدها. وقف ليو خجولا محرجا بينما يتعالى التصفيق. كان التصفيق هذه المرة مختلفا ليس تصفيق نجاح مطعم ولا تصفيق طبق جديد بل تصفيق لإنسانين اختارا أن يغيرا العالم خطوة خطوة وجبة وجبة قلبا بقلب.
وبريندا
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت أن النجومية التي تقف فيها الآن ليست زائفة ولا فارغة ولا مصنوعة من كلمات الناقدين بل مصنوعة من شيء آخر
من طمأنينة.
بعد انتهاء الحفل عادا إلى المطعم. كانت المدينة شبه نائمة الشوارع هادئة والأضواء الخافتة تنعكس على الأرصفة المبللة بمطر خفيف. دخلت بريندا من الباب الخلفي ذلك الباب الذي بدأت منه القصة كلها ذلك المكان الذي لطالما اعتبرته ثقبا مظلما في ذاكرتها.
وقفت أمامه لحظة لمست الحديد البارد بيد مرتجفة ثم أغمضت عينيها كأنها تستعيد كل المشاهد التي مرت هنا صراخها خوف الطفل ارتعاش الجرو نظرة الموظفين ثم بداية المصالحة.
اقترب ليو يحمل كوبين من الشاي. ناولها أحدهما وهو يبتسم قائلا
تبدين وكأنك تتحدثين مع الجدار.
ضحكت بريندا ضحكة رقيقة فيها شيء من السخرية من نفسها وقالت
أتذكر فقط أنني هنا في هذا المكان تحديدا كنت أسوأ نسخة من نفسي. واليوم ربما ربما أصبحت أقل سوءا بقليل.
هز ليو رأسه وقال بثقة هادئة
أنت لست أقل سوءا فقط أنت مختلفة. نحن لسنا ما فعلناه في أسوأ يوم بل ما نختار فعله بعد أن نفهم خطأنا.
جلسا عند عتبة الباب يشربان الشاي ببطء بينما يمر الهواء البارد حولهما كأنه يحاول أن يسمع كل كلمة تقال. روكو الكلب العجوز الآن استلقى عند قدميهما كحارس ذكريات يقظ رغم العمر.
بعد صمت طويل قالت بريندا بصوت خافت
ليو هل تذكر تلك الليلة
ابتسم دون أن يلتفت إليها
أي ليلة ليلة الماء البارد أم ليلة الطعام
الساخن
ترددت لحظة قبل أن تجيب
كلاهما.
ظل صامتا قليلا ثم قال
أذكرهما لكني لا أكرهك على الأولى. لو لم تحدث لما وصلت إلى الثانية. أحيانا يكون أقسى ما نمر به هو نفسه الباب الذي يدخل منه الخير بعد ذلك.
تنهدت بريندا تنهدا يشبه تحررا بطيئا من ثقل قديم ثم قالت
هل سامحتني حقا
التفت إليها هذه المرة ونظر إليها نظرة رجل شاب عرف الجوع والخوف والألم وعرف بعدها معنى الشفاء. وقال بثقة صافية
سامحتك من اللحظة التي رأيتك فيها ترتجفين وأنت تحاولين الاعتذار. الجوع يعلمنا معنى اللقمة ومعنى الإنسان الذي يقدمها ولو تأخر.
كانت المدينة من حولهما تسير كعادتها أشخاص يعبرون الشوارع مسرعين سيارات تترك خلفها ضجيجا خافتا مبان تتلألأ نوافذها بالضوء ثم تخفت شيئا فشيئا. كانت الحياة تمضي بلا اكتراث كما اعتادت دائما ولكن عند الباب الخلفي لمطعم صغير في شارع جانبي كان شيء آخر يحدث شيء لا يقاس بعدد الزبائن ولا بحجم الأرباح ولا حتى بعدسات النقاد.
هناك بين جدارين قديمين وباب معدني بارد جلس إنسانان اختارا أن يكتبا لنفسيهما نسخة جديدة من حياتهما
إنسان كان يوما طفلا جائعا يرتجف في الظلام
وإنسانة كانت يوما امرأة قاسية لا ترى أبعد من حدود مطبخها.
بعد لحظة صمت طويلة نهضت بريندا ببطء كأنها تنتشل قدميها من ذكريات سميكة. مدت يدها إلى ليو وقالت بصوت ثابت
هيا لدينا عمل غدا. هناك أشخاص ينتظرون وجبة وكلمة طيبة وقليلا من الأمل.
أمسك ليو يدها ونهض. كانت يدها دافئة رغم البرد. وفي تلك الحركة البسيطة شعرت بريندا بشيء يشبه السلام الداخلي السلام الذي لم تصل إليه سنوات طويلة رغم نجاحاتها المهنية.
دخل الاثنان إلى المطعم لكن بريندا تركت الباب الخلفي مواربا قليلا كأنها تقول للقدر
ما زلنا مستعدين إن جاءت روح جديدة في
ليلة باردة تطلب لقمة واحدة سنكون هنا.
في الأيام التالية استيقظت المدينة على أخبار جديدة تتحدث عن توسع مبادرة وجبة بكرامة. كانت الفكرة تنتقل من مطعم إلى آخر ومن شارع إلى آخر حتى بدأت تظهر مطاعم جديدة تعلن انضمامها للمشروع بعد أن أدركت أن الإنسانية ليست حملة دعائية بل مسؤولية.
وفي الأسبوع ذاته وصل للمطعم خطاب غير متوقع من البلدية يطلب حضور بريندا وليو لاجتماع رسمي. ظنا في البداية أنه متعلق بتراخيص أو أوراق لكنهما فوجئا بأن المجلس البلدي قرر اعتماد مبادرتهم كنموذج رسمي للمدينة بأكملها الأمر الذي سيضمن دعما ماليا كبيرا وفتح أبواب جديدة لهم.
ولكن أكثر ما أثار دهشة بريندا هو أن رئيس المجلس قال لها
وصلتنا قصص من شباب وعائلات تغيرت حياتهم بسبب مبادرتكم أنتم لم تقدموا طعاما فقط بل قدمتم كرامة.
لم ترد بريندا بشيء. اكتفت بالنظر إلى ليو الذي كان ينظر إليها بالامتنان ذاته الذي رأته فيه أول مرة نطق بكلمة شكرا.
وفي إحدى أمسيات الشتاء التالية وبينما كان فريق المطعم يجهز وجبات جديدة لحملة توزيع جاءهم زائر غير متوقع امرأة مسنة ترتدي معطفا ثقيلا وتحمل صندوقا خشبيا صغيرا.
كانت تترقب المكان بخوف وفضول قبل أن تتقدم نحو بريندا وتسأل بصوت مرتجف
هل هل أنت السيدة بريندا
ابتسمت لها بريندا وقلت بلطف
نعم أنا هي. كيف أستطيع مساعدتك
فتحت المرأة الصندوق ببطء وداخل الصندوق كانت هناك مجموعة صغيرة من الصور القديمة إضافة إلى ورقة مطوية بعناية. قالت المرأة
هذا ابن أختي. اسمه كان ليو أيضا. ضاع منذ سنين طويلة ولم نعثر له على أثر. كنت أرى صورتك معه في الصحف فقلت لنفسي ربما يكون هو. جئت فقط لأتأكد.
تجمدت بريندا وارتجف قلبها بطريقة غريبة. نظرت إلى الصورة ورغم أن ملامح الصبي كانت صغيرة وغامضة إلا
أنها شعرت بشيء يشبه الخيط الرفيع الذي يصل بين الماضي والحاضر.
نادت ليو فلما رأى الصورة لم يتكلم. جلس بصمت ثم نهض فجأة يخرج من المطعم يلتقط أنفاسه كأن شيئا كان محبوسا في صدره منذ سنوات طويلة وانفجر الآن.
لحقت به بريندا ووجدته يقف في الزقاق الخلفي نفس الزقاق الذي عرف فيه الجوع والخوف. كان ينظر إلى السماء والدموع تتجمع في عينيه دون أن تسقط.
قال ببطء
لا أتذكر وجوها كثيرة من طفولتي لكن هذه الصورة تشبه شيئا في داخلي.
سألته بريندا بلطف
هل تريد لقاءها
أجاب بعد تردد طويل
نعم لكن ليس اليوم. أريد أن أستعد.
فهمت بريندا. لم يكن الخوف من اللقاء بل من احتمال أن يتغير العالم مرة أخرى بعدما وجد أخيرا مكانا يشعر فيه بالأمان.
وفي ليلة أخرى جلس ليو وبريندا في المكتب الصغير خلف المطبخ. كانت الأوراق المالية مبعثرة وخطط جديدة معلقة على الحائط والكلب روكو نائما بجانب الباب. لكن وسط هذه الفوضى الجميلة قالت بريندا فجأة
ليو هل تعرف ما أخافه اليوم
رفع رأسه وقال
ماذا
قالت وهي تبتسم بحنان لم تعرفه في نفسها سابقا
أخاف أن يأتي طفل جديد في ليلة باردة ولا نجد في قلوبنا ما يكفي من الرحمة.
ضحك ليو وقال
اطمئني. طالما هذا الباب الخلفي مفتوح الرحمة ستدخل قبلنا جميعا.
نظرت بريندا إلى الباب الذي تركته مواربا وشعرت وكأنه ليس بابا لورشة مطبخ بل باب لحياة كاملة جديدة.
وفي صباح يوم جديد بينما كانت الشمس تنتشر ببطء فوق المدينة وقفت بريندا أمام الباب الخلفي للحظة أخيرة تتأمله كأنها تراه لأول مرة. ثم قالت في سرها
الحياة ليست ما فعلناه في أسوأ أيامنا بل ما
نفعله بعد ذلك.
ثم دفعت الباب برفق ودخلت لتبدأ يوما جديدا
مستعدة لأي طفل جديد أو روح جديدة أو بداية جديدة قد تأتي.
فالقصص الكبرى كما تعلمت تبدأ أحيانا
من لقمة خبز واحدة
ومن باب خلفي موارب
ومن قلب اختار ألا يتأخر مرة أخرى.

تم نسخ الرابط