جاء طفلان مشرّدان إلى طاولة سيّدة مليونيرة وهمس أحدهما بخجل يا سيدتي هل يمكن أن تعطينا بقايا طعامك
جاء طفلان مشردان إلى طاولة سيدة مليونيرة وهمس أحدهما بخجل
يا سيدتي هل يمكن أن نعطينا بقايا طعامك
رفعت المليونيرة رأسها لتنهرهما لكنها تجمدت في مكانها عندما نظرت جيدا في وجهيهما
كان صوت الملاعق والموسيقى الهادئة يملأ مطعم لا بيل في أفخم مطعم في وسط مدينة سياتل.
في إحدى الزوايا جلست مارغريت هايز سيدة أعمال في الثانية والخمسين من عمرها تملك ملايين الدولارات من تجارة العقارات. كانت تتناول طبقا فاخرا من شرائح اللحم وقد أكلت نصفه فقط بينما عيناها معلقتان على شاشة هاتفها تتابع الأسهم وحركة السوق.
لم تعد ترى العالم من حولها حقا النجاح جعلها أكثر دقة لكن أقل رحمة.
إلى أن حدث شيء غير عادي تلك الليلة.
يا سيدتي
كان الصوت رقيقا مترددا. رفعت مارغريت رأسها بضيق ثم توقفت عن الكلام.
كان أمام طاولتها طفلان لا يزيد عمرهما عن تسع وأحد عشر سنة. ملابسهما ممزقة وجوههما متسخة وعيناهما الواسعتان المتعبتان تحكيان قصصا لا ينبغي لطفل أن يعيشها.
قال الأكبر بصوت خافت وهو يتجنب نظراتها
هل يمكن أن نأخذ بقايا طعامك
سقط الصمت على المطعم.
الزبائن الأغنياء رمقوا الطفلين باستنكار وكأن وجودهما في هذا المكان إهانة للفخامة.
أسرع النادل نحو الطاولة وهو يقول منزعجا
سيدتي سأبعدهما فورا
لكن مارغريت رفعت يدها فجأة
لا. دع الأمر لي.
كان
تلك النمشات الصغيرة على أنف الأصغر
طريقة تموج شعر الأكبر عند الأطراف
كانا يشبهان ابنيها.
أو بالأصح يشبهان التوأم الذي فقدته منذ خمسة عشر عاما.
قبل خمسة عشر عاما وفي خضم طلاق مرير هرب زوجها بالتوأمين إيلاي ونواه واختفى تماما من حياتها.
دفنت نفسها في العمل في الصفقات في الأرقام مقنعة نفسها بأن المال قادر أن يملأ الفراغ.
لم تجدهم أبدا لا رسالة لا مكالمة لا أثر.
ارتجف صوتها وهي تقول
ماذا ماذا قلت للتو
أعاد الطفل الأكبر كلامه وعيناه لا تجرؤان على النظر مباشرة في عينيها
طعامك يا سيدتي يبدو أنك انتهيت منه أليس كذلك
دفعت الطبق باتجاههما فورا
طبعا يا عزيزي خذاه.
بدأ الطفلان يلتهمان الطعام بسرعة بتهذيب مرتبك يحاولان ألا يثيرا غضب المدير الذي كان يقترب بوجه متجهم.
لكن مارغريت لم تكن تسمع شيئا.
كان صوت نبضها يغطي على كل شيء وهي تحدق فيهما بجنون.
تمتمت بصوت مبحوح
أخبراني ما اسميكما
رفع الأكبر رأسه قليلا وقال
أنا اسمي نواه وهذا أخي إيلاي.
سقطت الشوكة من يدها على الأرض.
اهتز نظرها وتشوش المشهد من أمام عينيها.
مستحيل
لكن القلادة المعلقة في عنق الطفل ذلك القلب الصغير المنقسم إلى نصفين
كان النصف الآخر منه يرقد منذ سنوات طويلة في درج مجوهراتها محفوظا كذكرى
انحبس نفسها في صدرها.
انتظر قالت وهي تقف بسرعة حتى سقط الكرسي خلفها. أين والدكما أين تعيشان
تبادل الطفلان نظرة صامتة فيها شيء من الحرج وشيء من الألم.
ثم قال نواه بصوت خافت
والدي مات في الشتاء الماضي يا سيدتي
نحن نعيش الآن في مأوى للمشردين.
شعرت مارغريت أن الأرض تميد تحت قدميها
في تلك اللحظة أدركت أن القدر أعاد فتح باب ظنته مغلقا إلى الأبد.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية لما حدث لتلك الأم المليونيرة مع طفليها التوأم بعد سنوات من الفراق والضياع
بعد 15 سنة من الألم طفلان مشردان يطلبان بقايا طعام فتكتشف المليونيرة أنهما ابناها
وقفت مارغريت هناك في وسط المطعم يختلط في داخلها الخوف بالأمل والذهول بالصدمة وكأن خمسة عشر عاما من الألم عادت لتنهض من تحت الركام دفعة واحدة. لم تكن قادرة على تحريك شفتيها في البداية كانت تنظر إليهما فقطإلى وجهيهما الهزيلين إلى ملابسهما البالية إلى العينين الواسعتين اللتين لم تستطع الحياة سرقة براءتهما رغم كل ما حدث.
شعرت أن الزمن يدور في حلقات حول رأسها يعيدها بالقوة إلى ذاك اليوم الأسود حين انتزعا من بين ذراعيها وإلى الليالي التي كانت تختبئ فيها في غرفة مظلمة تبكي حتى يبح صوتها دون أن يسمعها أحد. كل شيء عاد الارتعاش العجز الألم. لكنها هذه المرة لم تسمح لنفسها
قالت بصوت مرتعش وهي تجاهد للسيطرة على ارتباكها
تعاليا معي سأوصلكما إلى المكان الذي تقيمان فيه.
هز نواه رأسه بخجل بينما تشبث إيلاي بيد أخيه كأنه يخشى أن يختفي المشهد كله لو أفلتها.
قال نواه بصوت خافت لا يشبه صوت طفل
لا داعي يا سيدتي نستطيع العودة وحدنا.
لكنها لم تكن مستعدة لانتظار آخر.
لم تكن قادرة على تحمل دقيقة أخرى من الفقد.
قالت بنبرة لا تقبل التراجع
لن تخرجا إلى الشارع وحدكما ليس بعد الآن.
خرجت من المطعم وتبعها الطفلان بخطوات صغيرة مترددة كأنهما يسيران داخل حلم هش قد ينفجر في أي لحظة. فتحت باب سيارتها السوداء الفاخرة وشعرت برغبة غريبة لو استطاعت لنزعت المقاعد الجلدية كلها ووضعت طفليها داخل صدرها لا في المقاعد الخلفية.
طوال الطريق كانت تنظر إليهما من المرآة كل بضع ثوان.
كانا صامتين منهكين يلتصقان ببعضهما بالطريقة ذاتها التي يلتصق بها طفلان لم يعرفا في حياتهما سوى الخوف.
عندما وصلت إلى المأوى كان الهواء البارد المختلط برائحة الرطوبة يضرب وجهها كصفعة. المكان لم يكن مسكنا بل محطة مؤقتة للأرواح التائهة. محطة للذين فقدوا منازلهم أو قلوبهم أو أحبابهم أو كل شيء. شعرت بالغضب يشتعل في صدرهاليس على المكان بل على الرجل الذي كان زوجها الرجل الذي دفن طفليهما
انحنت لتكون في مستوى أعينهما وسألت برفق
كم مضى