جاء طفلان مشرّدان إلى طاولة سيّدة مليونيرة وهمس أحدهما بخجل يا سيدتي هل يمكن أن تعطينا بقايا طعامك

لمحة نيوز

الطفلان نحو صدرها كمن عاد إلى بيته بعد رحلة طويلة وشاقة. وضعت خديها فوق رأسيهما وشعرت وكأن كل قطرة ألم عاشت بها تسقط بعيدا وتترك داخلها فراغا هادئا يشبه الشفاء.
مرت أسابيع بعدها ومع كل يوم كانت ملامح الحياة تعود شيئا فشيئا إلى القصر.
لم يعد المكان صامتا كما كان.
كان مليئا بأصوات جديدة ضحكات متقطعة خطوات تركض في الممرات أكواب حليب تسكب أغطية تلقى على الأرض ونداءات طفولية تجعل البيت نابضا كما لم يكن من قبل.
لكن الطريق لم يكن سهلا.
فالطفلان كانا يحملان جراحا لا يراها الناس.
كانا يرتجفان إذا أغلق أحدهم الباب بقوة.
وكانا ينظران حولهما قبل لمس أي شيء ويسألان بصوت خافت
هل هذا مسموح هل ستغضبين
وكان إيلاي ينام كل ليلة وهو ممسك بيد نواه بقوة كأن الخوف يخبره أن لا يترك أخاه لحظة واحدة.
أعطتهما مارغريت الوقت والمساحة والطبيب النفسي والصبر الذي لم تكن تعرف أنها تملكه. ألغت اجتماعات عديدة اعتذرت عن عقود ضخمة وامتنعت عن السفر.
كانت تريد شيئا واحدا فقط
أن تشهد روحيهما وهما تلتئمان أمامها.
وفي ليلة هادئة بينما كانت تغطيهما قبل النوم سألها نواه بصوت متردد
لماذا تريديننا نحن لسنا من عالمك.
جلست بجانبه ورفعت وجهه بين يديها وقالت بصوت يقطر حبا
بل أنتما عالمي. ولو استطعت أن أرجع الزمن لأمسح كل ما عانيتماه لفعلت دون تردد. لا أريد من الدنيا شيئا سوى أن تناديني يا بني.
مرت شهور إضافية
ومارغريت تتعلم كل يوم معنى جديدا للأمومة أمومة لا تقوم على الدم وحده بل على الحضور وعلى الصبر وعلى تلك اليد الدافئة التي تمسك بطفل مذعور حتى ينام. ومع مرور الوقت بدأت قصة العائلة تنتشر في الصحف كشرارة لا تهدأ.
ظهرت عناوين كبيرة
المليونيرة التي وجدت ابنيها المفقودين في مأوى للمشردين
لكنها لم تهتم بالأضواء ولا بالكاميرات التي لاحقتها. بل استغلت القصة في شيء واحد إصلاح ما أفسده العالم.
قررت تأسيس مؤسسة جديدة أسمتها الطاولة الثانية.
لم يكن الاسم مصادفة كانت تؤمن أن كل طفل مشرد يستحق طاولة ثانية في حياته فرصة جديدة يجلس فيها مع أشخاص لا يخاف منهم يأكل دون توتر يضحك دون أن يخشى أن يطرد ويبكي دون أن يقمع.
ومع الافتتاح الأول للمؤسسة أقامت حفلا في المطعم ذاته الذي التقت فيه بطفليها للمرة الأولى.
لكن الحضور هذه المرة لم يكن من أصحاب الثروات ولا من أصحاب البدل اللامعة. بل كان من أطفال الملاجئ ومن عاملين بسطاء ومن أرواح صغيرة لم يجلس أحد إلى جوارها يوما.
جلس الأطفال حول الطاولات المزينة بالورود يأكلون بشهية ويتبادلون الضحكات وكأنهم يكتشفون العالم للمرة الأولى. كانت وجوههم لامعة بطريقة لم ترها مارغريت منذ زمن طويل وكأنهم وجدوا لحظة صغيرة من الأمان لحظة تكفي لزرع حياة جديدة.
اقتربت فتاة صغيرة من مارغريت لا يتجاوز عمرها السبع سنوات ونظرت إليها بعينين واسعتين وسألتها ببراءة
طفولية
هل أنت السيدة التي كانت غنية
ابتسمت مارغريت وضحكت ضحكة صادقة خرجت من قلب عاد ينبض من جديد ثم قالت بلطف
ما زلت يا صغيرة. لكن ليس بالمال وحده. هناك
ثروات لا تحفظ في خزائن.
هزت الطفلة رأسها كأنها تفهم شيئا لا يناسب سنها ثم ركضت لتلحق بأصدقائها.
وفي تلك اللحظة ارتفع صوت خفيف فوق الحضور.
كان نواه يقف فوق كرسي خشبي صغير وقد ضرب بكأس ليطلب الصمت.
توقفت الهمسات ثم قال بصوته الواثق رغم صغره
كنت أظن أن الأغنياء لا يشعرون بالفقراء لكن أمي علمتني أن أغنى الناس هم الذين لا ينسون كيف يكون الجوع.
كانت الكلمات بسيطة لكنها حملت حكمة طفل
عاش أعمارا لا تحصى.
صفق الحضور بحرارة وتحركت القلوب في صدورهم. أما مارغريت فشعرت بأن دموعها تنحدر دون أن تحاول إيقافها كانت تلك اللحظة أول مرة تشعر فيها أن العالم يرمم شيئا في داخلها بدل أن يكسره.
وفي تلك الليلة حين عادوا إلى القصر كان التعب ينسدل على أجسادهم كستارة هادئة. حملت مارغريت إيلاي النعسان إلى فراشه وجلست إلى جواره. رفع رأسه قليلا وقال بصوت متقطع بالنوم
أمي هل تظنين أن أبي يستطيع رؤيتنا
لم تتردد لحظة. قبلت جبينه ومسحت شعره برفق وقالت
أظنه سعيد لأننا وجدنا بعضنا أخيرا لأن القلوب حين تجتمع يسمع صداها من نحب.
أغلق إيلاي عينيه وهو يتنفس بطمأنينة. كانت تلك أول ليلة ينام فيها دون أن يمسك بيد نواه.
خرجت مارغريت من الغرفة بهدوء وتوقفت
عند النافذة.
كانت المدينة في الخارج تتلألأ وأضواؤها تنعكس على سطح البحيرة كأنها نجوم صغيرة سقطت من السماء لتؤنس ليلها الطويل.
وقفت هناك طويلا تتأمل وميض الماء وتشعر بأن شيئا يتبدل في داخلها شيئا يشبه اكتمال الدائرة.
فمنذ سنوات طويلة كان هذا البيت واسعا باردا يمتلئ بالأثاث ولا يمتلئ بالحياة.
أما الآن فكان دافئا بما يكفي ليمحو وحشة عمر كامل.
كان ضيقا بأشيائه لكنه واسع بضحكات طفليها.
كان مثقلا بالجراح لكنه ممتلئ بالحب.
ولأول مرة منذ زمن بعيد طويل كجدار من ظلام شعرت مارغريت هايز أنها كاملة من جديد.
لم تعد تبحث عن شيء خارج نفسها ولم تعد تنتظر اعتذارا من الماضي ولا علامة من القدر.
كانت تشعر أن كل خطوة في حياتها بكل ما حملته من ألم ووحدة وفقد كانت تقودها إلى هذه اللحظة.
لحظة يجلس فيها طفلان كانا مشردين على سرير دافئ.
لحظة يضحكان فيها دون خوف.
لحظة تشعر فيها أم أن قلبها لم يعد مكسورا.
رفعت يدها نحو صدرها
ولمست القلادة التي تحمل نصف القلب.
ثم تذكرت قول الطبيب النفسي
هناك قصص لا تكتب بالأقلام بل تعاد كتابتها بالقلوب التي ترمم حين تتلاقى.
ابتسمت وشعرت أن الكلمات أصبحت حقيقة.
لأن هذه القصة لم تكتب بالحبر ولم تخلق من الخيال بل نسجت من خيوط فقد طويل وانتهت في حضن أم وجدت طفليها في المكان الذي كانا يعتقدان أنه آخر ملاذ لهما.
وهكذا
انطفأت أضواء القصر تلك الليلة لكن شيئا آخر
كان يضيء في الداخل
قلب عاد ليكتمل.
وعائلة بدأت تولد من جديد.

تم نسخ الرابط