جاء طفلان مشرّدان إلى طاولة سيّدة مليونيرة وهمس أحدهما بخجل يا سيدتي هل يمكن أن تعطينا بقايا طعامك

لمحة نيوز

عليكما هنا
أجاب نواه وهو يضم حقيبته الممزقة بقوة
منذ وفاة أبي لم يكن معنا أحد.
كان صوته يحمل حزنا لا يليق بطفل وكأنه رجل صغير حمل سنوات أكبر من عمره.
وقفت مارغريت لحظة تستعيد أنفاسها ثم قالت بنبرة حاسمة واضحة
ستأتيان معي غدا إلى منزلي. أريد التحدث مع المسؤولين هنا أولا.
لم يعترضا لكن الخوف كان يملأ عيونهما أكثر مما يملؤهما الكلام.
في صباح اليوم التالي عادت إلى المأوى. طلبت مقابلة المديرة السيدة كلاين امرأة بخمسينية العمر في عينيها تعب العالم كله.
فتحت المديرة درج مكتبها وأخرجت ظرفا أصفر قديما قائلة
هذا كان يجب أن يصلك لكنه لم يفعل. وجده الولدان بين أغراض والدهما.
أخذت مارغريت الظرف بيد مرتعشة.
كان مكتوبا بخط مرتجف
إلى مارغريت إن وجدت هذه الرسالة.
فتحت الظرف وقرأت
مارغريت
إن كنت تقرئين هذا فهذا يعني أن النهاية سبقتني.
كنت دائما أكثر قوة مني وأكثر حكمة وأكثر حبا لكن كبريائي دمر كل شيء.
لم أتحمل أن يراك الأولاد ناجحة بينما حياتي تنهار.
فقلت لهم إنك لم تعودي تريدينهم وأنت تعلمين أنها كذبة.
أنا الذي كنت ضعيفا.
وهم يستحقون أمهم.
أرجوك إن استطعت العثور عليهم لا تتركيهم وحيدين.
لم تستطع متابعة القراءة.
انهارت دموعها أمام مكتب السيدة كلاين للمرة الأولى منذ سنوات طويلة كانت تبكي ليس بدموع امرأة مكسورة بل بدموع
أم ترد لها روحها.
في اليوم التالي اصطحبت الطفلين معها إلى منزلها.
كانت تريد احتضانهما لكن شيئا ما بداخلها قال لها إنهما هشان وإن كلمة واحدة خاطئة قد تكسرهما.
أدخلتهما إلى قصرها المطل على البحيرة جدران رخامية ثريات ضخمة سجاد ناعم عالم لم يعرفاه من قبل.
توقف إيلاي عند المدخل وسأل بصوت خافت
هل سنبقى هنا الليلة فقط
مسحت على شعره قائلة
ستبقيان كما تشاءان هذا بيتكما.
لكن رغم الكلمات بقي الغيم معلقا فوق قلبيهما.
كانا يأكلان بحذر
يمشيان بحذر ينظران إلى كل شيء كأن لمس الكمال خطيئة.
وفي اليوم الثالث وصلت نتائج تحليل الحمض النووي.
٩٩ ٩٪
كانا ابنيها.
ابنيها حقا.
بكت بكت كما لو أن روحا خرجت من قبرها.
لكن عندما ذهبت إلى غرفتهما لتخبرهما بالخبر
كانت الأسرة فارغة.
الخزانة مفتوحة.
الحقائب الصغيرة اختفت.
وعلى الطاولة ورقة صغيرة مكتوبة بخط مرتجف
نعتذر لأننا غادرنا دون وداع
نحن لا نتمي الي هذا المكان
أنت طيبة أكثر مما نستحق.
لكننا لا نريد أن نحملك ما لا طاقة لك به.
نحن أفضل بعيدا حتى لو كان البعيد مخيفا.
نواه إيلاي.
وقفت مارغريت تحدق في الكلمات كأن الحروف تتحول إلى سكاكين صغيرة تغرس في صدرها واحدة تلو الأخرى.
لم تشعر بساقيها لم تفهم كيف خرج الهواء من رئتيها كل ما أحست به كان الفراغ فراغا واسعا يتسع في قلبها بسرعة تفوق
قدرتها على الاحتمال.
ثم اندفع اسم نواه من حنجرتها كصرخة ذبيح تلاه اسم إيلاي بحدة أم ينتزع ولدها مرة ثانية.
ركضتلم تعد ترى الطريق ولا الجدران ولا الأبواب.
اصطدمت بالأثاث انزلقت على السلالم فتحت كل باب في المنزل كأن طفليها سيقفزان من خلف أحدها.
وحين لم تجد شيئا
خرجت إلى الشارع حافية تركض بعشوائية تناديهما كأن الصوت وحده قادر على إعادتهما إلى حضنها.
وعندما وصلت إلى آخر طاقتها أمسكت بهاتفها بيد ترتجف واتصلت بالشرطة.
وفجأة وسط زحام ذاكرتها المشوشة
برزت عبارة قالها نواه في الطريق قبل يومين عبارة صغيرة لكنها الآن بدت كخارطة خلاص.
كان قد قال وهو يحدق من نافذة السيارة بصوت خافت يشبه الاعتراف
كنا ننام أحيانا على مقعد قرب البحيرة لأنه آمن.
توقف الزمن لحظة. ثم دوى قلبها ضربة بعد ضربة.
أمسكت المقود بقوة وضغطت على الوقود فانطلقت السيارة بسرعة تكاد تمزق الليل. المطر كان يجلد الزجاج بعنف لا يطاق والريح تعوي في الخارج كأن العالم كله يريد أن يمنعها من الوصول. لكن عينيها كانتا مسمرتين أمامها تبحثان عن أي ضوء أي ظل أي إشارة تنقذ ما تبقى من روحها.
كانت تلهث تبكي تستجدي السماء بصوت لا يسمعه أحد
لا أريد أن أفقدهما ثانية لا أريد.
وحين وصلت قرب البحيرة كانت ركبتاها ترتجفان قبل أن تطأ قدماها الأرض. كان الليل ثقيلا والماء ساكنا
والهواء باردا على نحو يجرح الجلد. تقدمت خطوة ثم رأت مشهدا جعل قلبها ينقبض ويتمدد في اللحظة ذاتها.
رأتهما.
كانا جالسين متلاصقين تحت مصباح شارع خافت الضوء كأنهما يحاولان سرقة الدفء منه. كان الغبار يغطي وجهيهما والبرد يأكل أطرافهما الصغيرة. بدا عليهما التعب الخوف والانكسار كطفلين قاتلا العالم بأيد عارية.
لم تفكر.
لم تحس بجسدها.
ركضت إليهما كأن المسافة بين قلوب البشر يمكن محوها بخطوة واحدة.
وحين وصلت سقطت على ركبتيها أمامهما وامتدت يداها نحوهما دون وعي. انهمرت دموعها بلا توقف وارتجف صوتها وهي تقول
أرجوكما لا ترحلا عني. أنتما حياتي أنتما روحي ولن أسمح للعالم أن يؤذيكما بعد اليوم.
رفع نواه رأسه ببطء وعلى ملامحه دهشة طفل لم يعد يثق بالوعود. كانت عيناه مملوءتين بدموع ثقيلة أكبر من عمره بكثير. همس وكأنه يخاف أن يخدع نفسه
هل أنت حقا أمنا
لم تجبه بالكلمات أولا.
مدت يدها إلى القلادة المخبأة تحت معطفها القلادة التي لم تخلعها منذ خمسة عشر عاما. فتحتها فأضاء نصف قلب معدني صغير مكسور من منتصفه.
ثم رفعت رأسها بهدوء ممتزج بألم عمر كامل وقالت
هذا نصف قلبك بقي معي كل هذه السنوات. لم أتوقف يوما عن البحث عنكما.
مد نواه يده لا إراديا نحو القلادة المعلقة على صدره النصف الآخر من القلب ذاته.
وعندما التقت القطعتان بنظرهما انهار
الحذر داخل عينيه وانفتح باب صغير للطمأنينة.
فتحت مارغريت ذراعيها فاندفع
تم نسخ الرابط