عندما تطلقت أمّي… لم يذهب أحد معها كاملة قطع ممزقه بقلم اسما السيد
عندما تطلقت أمي لم يذهب أحد معها.
خرجت وحدها من باب البيت تحمل حقيبة خفيفة وصمتا أثقل من كل شيء وكأنها تخشى أن تترك خلفها صوت بكائها فيسمعه أحد فيتهمها بالضعف.
أبي لم يكتف بطردها بل طرد اسمها من البيت أيضا.
أغلق باب قلبه في وجهها وأجبرنا على أن نغلق أبوابنا نحن أيضا.
قال لنا يومها بحزم لا يناقش من اليوم لا أم لكم.
وكأن الأم تمحى بقرار.
كنت حينها صغيرا بما يكفي لأصدق كل شيء
وأكبر أخي كان كبيرا بما يكفي ليعرف أن أبي لا يريدنا أن نتذكرها
ليس خوفا علينا بل خوفا منها.
مرت الأيام
كنت أنام وأنا أتساءل
هل نسيتها فعلا
أم أن قطعة ناقصة في صدري كانت ترفض التصديق
أما أخي
فلم يكن يسأل.
كان يشيح بوجهه في كل مرة يذكر فيها اسمها وكأنه يخفي شيئا أكبر من عمره بعامين فقط.
كبرنا
ولم تعد أمي تزورنا
ولم نعد نحن نزورها.
لم يكن مسموحا وكان الصغير داخلي يطيع.
لكن أخي الأكبر
كان شيئا آخر.
كان صامتا بوجه لا يشبه عمره وعينين تحملان أكثر مما يجب.
لم أفهم وقتها لماذا كان يتغير
حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه الحقيقة
أخي لم ينس أمنا.
هو فقط كان يحميني
ويحمل عني الذنب الذي أراد أبي أن نحمله معا.
هو وحده كان يراها سرا
يبكي معها سرا
يرجع إلينا محملا بدموعها ويقول أنها نسيت.
اختفى أخي في تلك الليلة.
لم يخبر أحدا لم يأخذ ملابس لم يترك رسالة
حتى أنا أخوه الوحيد لم يقل لي كلمة الوداع.
استيقظت في الصباح ولم أجده
سألت أبي فالتفت إلي بوجه جامد ثم قال ببرود
راح عند أمه.
قالها وكأنه يطعنني ويختبر نزيفي في الوقت نفسه.
كأنه ينتظر أن أنهار
لكنني لم أنهر.
كنت صغيرا على الانهيار
وكبيرا على التصديق.
أخي الذي أخفى كل شيء كي يحمي قلبي
هو نفسه ترك قلبي يشتعل ليلة رحيله.
أيام مرت ثم أسابيع
كل يوم كنت أفتح باب الغرفة
كل يوم كنت أنظر إلى الطبق الذي كانت أمي تضع فيه فطوري
كل يوم كنت أسمع أبي وهو يشتم أمي أمامي
وأنا لم أعد أعرف لمن ينتمي قلبي.
هل أنتمي للرجل الذي رباني بالقوة
أم للمرأة التي رحلت بالقهر
أم للأخ الذي حمل كل المعارك وحده ولم يرجع
مرت سنة
ثم أخرى.
كبرت قدمي لكن قلبي بقي صغيرا
بقي يبحث عن شيء ناقص كقطعة مفقودة من بازل لا يكتمل أبدا.
وفي يوم ما
اكتشفت أن القطعة الناقصة كانت موجودة طوال الوقت
لكنها كانت مختبئة في إحدى الأمسيات وأبي ليس في البيت
دخلت غرفة أخي لأول مرة منذ اختفائه.
الغرفة كما تركها
السرير غير مرتب
ورائحة دفء قديم
ونافذة يلامسها الغبار
وصمت كثيف يشبهه.
لكن الغريب
أن هذا الصمت كان يدعوني.
كأن الغرفة تريد أن تقول لي شيئا.
جلست على الأرض وبدأت أفتح أدراج مكتبه واحدا تلو الآخر.
كانت هناك دفاتر أقلام مكسورة قصاصات ورقية
ثم وجدت شيئا أثقل من كل ما سبق
صندوق خشبي صغير بلون داكن مغلق بإحكام.
وعليه ورقة صغيرة مكتوب بخط أخي
لما تكبر افتح.
شعرت بيدي ترتجف.
هل كبرت
لا أعرف
لكنني فتحت.
الصندوق كان مليئا بأشياء لا تشبه بعضها لكنها كلها تشبه أمي
مناديل ورقية عليها آثار دموع ليست دموعي.
دبوس شعر صغير يشبه الذي كانت تضعه لي وهي تضحك.
عقد بلاستيكي كنت أرتديه وأنا طفل.
منديل مطوي بعناية عليه رائحة لم أنسها رائحة أمي.
وصور صور لنا معها صور قديمة خبأها أخي كي لا يحرقها أبي.
رسائل.
رسائل كثيرة.
رسائل مكتوبة بخط يد امرأة أعرفه أكثر من اسمي
خط أمي.
كانت الرسائل تبدأ دائما بعبارة
ابني الصغير يا قطعة من قلبي.
أنا لم أكن أعرف أنها كتبت لي يوما
ولم أكن أعرف أن أخي كان يخفي هذه الرسائل
كي لا يجرحني كي لا يكسرني كي لا يجعلني أحارب ما حاربه هو.
فتحت أول رسالة.
كانت قصيرة
سامحني
سامحني يا ابني لأني ما قدرت آخدك معايا.
أبوك هددني بيك
كان يعرف إنك نقطة ضعفي
أقسى من كل شي
إني أعيش وأنا أعرف إن قلبي هناك بعيد عني.
وقعت الرسالة من يدي.
كنت أرتجف
كنت أتنفس بصعوبة
كنت أقرأ وأبكي وأضحك ضحكة مجنونة
ضحكة من يكتشف أن كل ما عاشه كان مبنيا على كذبة.
ثم فتحت رسالة أخرى
أخوك هو اللي بيجي يزورني.
هو اللي شايل همك بدل ما تلعب.
هو اللي بيحلف لي كل يوم إنه هيفضل جنبك
حتى لو بقي وحده.
كل حرف كان يمزق شيئا في صدري.
كل كلمة كانت تعيد بناء صورة أمي داخل روحي
بعد أن حطمها أبي بعنف لم أفهمه يوما.
أخذت الرسائل كلها ووضعتهن قرب قلبي
كأنني ألصق قطع نفسي المكسورة من جديد.
عندما عاد أبي تلك الليلة
وجدني جالسا في غرفة أخي
والصندوق مفتوح أمامي.
نظر إلي
ثم إلى محتواه
فشعرت للحظة أن وجهه سيسقط أرضا قبل جسده.
اقترب بخطوات بطيئة كأنها أول مرة يقترب مني منذ سنوات.
ثم قال بصوت لم أعرفه
مين فتح الصندوق
قلت وأنا أمسح دموعي
أنا.
سكت للحظة
ثم قال بصوت مكسور لم أسمعه منه يوما
كان لازم
كان لازم تفضل ما تعرفش.
نظرت إليه
نظرت إلى الرجل الذي سرق طفولتي وسرق أمي وسرق أخي
ثم سألته
ليه
ليه حرمتنا منها
ليه حسستنا إنها غلط وإننا غلط
لم يرد.
لم يجد كلمة واحدة.
كان يضع يده على رأسه
كأن كل الذكريات التي دفنها تنهض من القبرفجأة.
لكنني لم أكن أبحث عن تبرير
كنت أبحث عن وجه أمي الذي اشتقت إليه حد الوجع.
رفعت الرسالة في وجهه وقلت
أمي كانت بتحبني.
إنت اللي ما كنتش عايزني أحبها.
ولأول مرة
رأيت أبي ينهار.
في تلك الليلة بعدما رأيت أبي ينهار للمرة الأولى
شعرت أن شيئا ما تغير في البيت.
الجدران التي كانت تخنقنا خف ضغطها قليلا
والصمت الذي كان يكتم أنفاسنا صار أخف
لكن قلبي
كنت أقرأ الرسائل مرارا
أتنفس رائحتها
أتلمس الخط الذي كتبته بيد كانت تمسح على رأسي يوما
وأقول لنفسي
لازم أشوفها لازم.
لم أعد أريد تفسيرا من أبي
ولا عدت أريد أن أفهم لماذا فعل ما فعل.
كل ما أردته هو أن أرى أمي
حتى لو لثانية.
في تلك الليلة انتظرته حتى نام.
ثم أخذت الصندوق والرسائل والعقد البلاستيكي الذي كنت أرتديه وأنا طفل
وخرجت من البيت.
كانت خطواتي ترتجف
وكان عقلي يقول لي إنني أرتكب خطأ لا يغتفر
لكن قلبي
قلبي كان يقودني بقوة لم أعرفها من قبل.
رحلتي الأولى وحدي
كنت أعرف العنوان من الرسائل
كانت تكتبه في نهاية كل رسالة بخط صغير
شارع الزيتون البيت 14.
مشيت في شوارع لم أرها من قبل
أحياء بعيدة
بيوت صغيرة مظلمة
حتى وصلت إلى ذلك الشارع.
وقفت أمام الباب رقم 14
باب خشبي باهت
بلا زهور بلا ضوء بلا شيء يدل على حياة.
رفعت يدي لأطرق
ثم تراجعت.
ثم تقدمت.
ثم تراجعت ثانية.
كنت خائفا
خائفا من أن تكون ليست هناك
أو أن تكون هناك لكنها لا تريدني
أو أنني لن أعرفها حين أراها.
وأخيرا
طرقت الباب.
طرقة أولى
ثم ثانية
ثم ثالثة.
لا أحد.
انكمش قلبي.
أرادت قدماي أن تهربا
لكن شيئا في داخلي قال لي
اصبر الأم لا تأتي بسرعة.
جلست على الدرج أمام البيت
ووضعت رأسي على ركبتي
وانتظرت
وانتظرت
إلى أن سمعت صوت خطوات.
رفعت رأسي ببطء
فرأيتها.
كانت تمشي ببطء
تحمل أكياسا صغيرة
ووجهها
وجهها متعب لكن ملامحه كما هي.
كانت أمي.
أمي التي غادرت البيت لكن لم تغادر روحي أبدا.
توقفت حين رأتني
شهقت
سقطت الأكياس من يدها
وضعت يدها على فمها كأنها تخشى أن يخرج قلبها من بين أصابعها.
قالت بصوت مكسور
سليم
لم أستطع الرد.
لم أستطع الحركة.
كنت مجرد طفل يرى حلما كان يظنه مستحيلا.
ركضت نحوي
ركضت بسرعة لم أتوقعها
واحتضنتني
احتضنتني
كأنها تحاول تعويض السنوات كلها في لحظة واحدة.
كانت تبكي
وكانت يداها ترتجفان على ظهري.
كانت تقول
يا روحي يا روحي يا قلبي سامحني سامحني
وأنا
لم أكن أبكي فقط
كنت أتنفس للمرة الأولى منذ سنوات.
الصدمة الكبرى
بعد