عندما تطلقت أمّي… لم يذهب أحد معها كاملة قطع ممزقه بقلم اسما السيد
المحتويات
دقائق من البكاء بلا توقف
أخذتني إلى الداخل.
جلسنا على كنبتها الصغيرة
سحبت يدي بين يديها وكأنها تخشى أن أفلت.
ثم سألتها السؤال الذي كسر كل شيء
ماما فين ريان
هو عندك صح
تجمد وجهها.
تهزدت ابتسامتها.
لمعت عيناها بطريقة لم أفهمها فورا.
ابتعدت قليلا
مسحت دموعها بسرعة
ثم قالت بصوت لم يكن يشبه صوتها
ريان
ريان ما جاش لي من مدة طويلة.
قلبي سقط.
سقط فعلا
أحسست بفراغ داخلي.
قلت بلهفة
يعني إيه
ما هو خرج من البيت علشان ييجي لك
وما رجعش.
أطبقت شفتيها وكأنها تحاول أن تمنع الحقيقة من الهروب.
ثم قالت أخيرا
ريان
كان بييجي لي فعلا
بس آخر مرة جه
كان تعبان
وكان مكبوت
وكان خايف عليك.
سألتها وأنا أرتجف
وبعدها
عمل إيه
غمضت عينيها
وبصوت مبحوح قالت
قال لي إنه مش قادر يكمل.
وإنه لازم يبعد
وأخد بعضه ومشي.
وقعت الجملة على رأسي مثل مطرقة.
مشى أين لماذا كيف
قالت أمي بدموع تحاول كتمها
كان حاسس إنه السبب في كل حاجة
وإن وجوده هيخلي أبوك يعاقبك أكتر.
فقرر يختفي.
اختفى.
أخي اختفى.
ذهب ليحميني مرة أخرى
لكن هذه المرة لم يعد هناك من يعيده.
بعد ما قالت أمي إن ريان اختفى
حسيت إن روحي نفسها بتتهز.
البيت الصغير اللي قعدنا فيه فجأة ضاق
والهواء بقى تقيل
وكأن كل جملة من كلامها كانت تفتح باب ظلام أكبر.
قعدت قدامها
مددت إيدي على يدها
وقولت بصوت مرتعش
ماما
ريان كان بيقول لي إن اللي بيعمله علشاني
بس إنت ما قولتيليش
ليه بابا كان بيكره وجودك قوي كدا
سحبت نفسها بعمق
وكأنها بتسحب من صدرها ذكرى مش عايزة تتقال.
نظرت للأرض
ولأول مرة حسيت إن أمي مش ضحية بس
دي كمان شاهدة على جرح كان أكبر منا كلنا.
قالت بهدوء موجوع
أبوك
ما كانش بيكرهني.
كان بيكره ضعفه أنا.
وبيكره إنه بيحبني
وحاسس إني ممكن أسيبه.
اتجمدت.
إزاي حد يحب ويعذب في نفس الوقت
كملت
قبل ما أتطلق
أبوك كان بيعاملني كويس
بس كان عنده خوف
خوف مرضي.
كان يشك في كل كلمة كل حركة كل نفس.
ولما
كان يغضب
يغضب لدرجة
سكتت.
لمست خدها بإيدها
وكانت اللمسة فيها ألم قديم.
أغمضت عينيها وقالت
كان يغضب لدرجة إني بقيت أخاف
وأدعي ربنا ياخد يومي قبل يومه.
أنا
ما كنتش مستوعب.
بابا
اللي عمره ما كان حنين
بس عمره ما بان عليه إنه ممكن يؤذيها
رفعت رأسها لي
وقالت جملة كانت زي النار
آخر مرة حاولت أمشي.
قلت له خلاص مش قادرة.
فهددني بكم
سكتت ثواني
ثم قالت
بك
وبريان.
سقطت دمعتي على يدي.
هو كان بيستخدمنا كقيود
مش كأبناء.
تابعت
فضل يقول لي
لو خرجت من البيت
مش هتشوفي ولادك تاني.
وهفضل أربيهم على إنك كنت السبب
لحد ما ينسوك.
أنا ارتعشت.
حرفيا ارتعشت.
لأن دا
بالضبط اللي حصل.
مسحت دموعها وقالت
ما كنتش قادرة أقاوم.
كنت خايفة.
بس في النهاية
خرجت.
خرجت من القهر
وخسرتكم.
سكتت لحظة
ثم قالت بصوت مكسور
وأبوك
نفذ تهديده.
عن ريان
بعد ما حكيت لي عن نفسها
اتجمعت شجاعتي وقلت
طيب
ريان
هو ليه اختفى
إيه اللي حصل له
سكتت طويلا
طويل لدرجة قلبي نفسه وقف يستنى.
وبعدين قالت
ريان
كان شايل همك أكتر من نفسه.
كان ييجي لي وهو بيتنفس بصعوبة
زي واحد بيهرب من حرب.
كان يقولي إنه خايف عليك
وإنه كل مرة بيرجع البيت أبوك بيبص له بطريقة تخوف.
أنا قربت منها وسألت
بابا ضربه
هزت راسها
مش بنفي
لكن بانكسار
مش دايما
بس كان يخوفه
كان يحسسه إنه غلط
حتى لو كان واقف ساكت.
ريان تعب
اتوجع
اتحمل فوق سنه.
وفي آخر زيارة
قعد قدامي وقال لي
يا ماما أنا مش قادر أبقى عايش في النص دا.
ولا قادر أسيب سليم.
ولا قادر أرجع البيت.
أنا محشور
وزعلان
ومخنوق.
دمعة نزلت من عين أمي على كفها.
مسحتها بسرعة
وكأنها بتحاول تمنع الماضي إنه يرجع.
كملت
وفي الآخر
قال لي إنه هيسافر مكان بعيد
يشوف شغل
يجرب يعيش.
ومشي.
سألتها بسرعة
راااح فين
هزت راسها
معرفش.
قال لي
هكلمك أول ما أوصل.
ومكلمنيش.
قلبي وقع لتاني مرة.
قلت بصوت مبحوح
ماما
إحنا لازم ندور عليه.
أمسكت وجهي بين يديها وقالت
هندور
هندور عليه سوا.
بس لازم تعرف
ريان كان جواه وجع كبير
أكبر من أي كلام.
العودة الأولى إلى البيت
رجعت البيت آخر النهار
وحسيت إن البيت مش بيتي
وإن روحي اتغير شكلها بعد ما قابلت أمي.
دخلت
لقيت بابا واقف في الصالة
وشكله كان
غريب.
مش غضبان.
مش هادي.
ولا كأنه بيتصرف من غير ما يعرف هو بيعمل إيه.
بصلي وقال
كنت فين
لكن المرة دي
أنا ما خفتش.
ولا نزلت عيني.
ولا كدبت.
قلت بكل هدوء
كنت عند أمي.
وقف
كأنه اتشل.
اتسمر في مكانه.
وبعد دقيقة من الصمت
قال بصوت واطي
وشفتها
قلت
أيوه.
سألني بصوت اتغير
قالت لك إيه
قلت
الحقيقة.
حسيت إنه اتنفس بصعوبة.
مسك رأسه
وقعد على الكرسي
مكسور زي طفل فقد لعبته.
بصوت ضعيف جدا
قال
كنت خايف
خايف تخطفكم مني
خايف ألاقي نفسي لوحدي.
كنت غلطان
عارف
بس كنت باحبكم
بطريقة غلط.
أنا وقفت بعيد.
ما قدرتش أقرب.
ما قدرتش أواسيه.
ولا قدرت أكرهه.
كنت تايه بين كل المشاعر.
وبعدين
قال جملة خلت لساني يتجمد
ريان
ريان ما اختفاش من غير ما يسيب حاجة.
نظرت له بسرعة
إيه
إيه اللي سابه
رفع عينيه
وقال
سليم
ريان
ساب لي جواب.
وقف أبي قدامي
وكان شكله
مش زي كل مرة يغضب فيها
ولا زي كل مرة يصرخ
كان شكله إنسان ما بقالوش مكان يستخبى فيه.
مد يده للبدروم
وقال بصوت واطي
تعال الجواب تحت.
نزلت وراه
والسلالم كانت بتئن تحت خطواتنا
كأنها عارفة إن اللي مستنينا مش حاجة بسيطة.
فتح باب البدروم
ودخل.
الجو كان ريحته غبار قديم
ورطوبة
وذكريات مركونة كأنها متعمدة تنسى اللي فوقها.
راح لأحد الرفوف
ومد إيده
وطلع ظرف أبيض صغير
وعليه بخط أعرفه
لبابا
ابقي اديه لسليم لما يبقى قادر يسمع الحقيقة.
إيدي ترجفت.
حسيت إن الأرض بتتشق.
وبابا مد الظرف لي من غير ما يقول كلمة.
طلعت فوق
قعدت على سريري
وفتحت الظرف
براحة
زي اللي بيفتح صدره لسكينة.
الرسالة
كان خط ريان زي ما هو
مقلوب شوية
مستعجل
بس حقيقي
حقيقي لدرجة
قرأتها
سليم
أنا آسف إني بمشي من غير ما أودعك.
بس أنت الوحيد اللي كنت عايزه يكمل
مش يخسر نفسه زيي.
بابانا مش وحش.
ولا كويس.
هو إنسان تايه
زينا.
بس الحكاية بينه وبين ماما أكبر من إني أفهمها
وأكبر من إنك تشيلها.
أنا شفت ماما وهي بتنهار.
وشفت بابا وهو بيغرق.
وشفتك إنت
بتتقطع بالنص.
وفهمت
إني مهما حاولت أحميك
هتتأذى.
فقررت أبعد
علشان غيابي يكون وجع واحد
بدل ألف وجع في كل يوم.
أنا ماشي
ومش رايح لمكان محدد.
هسافر أي مدينة أقدر أبدأ فيها شغل بسيط.
مش مهم أعيش فين
المهم أنت تعيش.
ولو جيت تدور علي
هضيعك معايا.
ما تعملش كدا.
خليك مع ماما.
هي اللي تستحقك.
وإدي بابا فرصة
لو قدرت.
وإوعى تنساني
بس كمان
إوعى تضيع بسببي.
أخوكم اللي بيحبكم من بعيد
ريان.
انتهت الرسالة
لكن ما انتهاش الوجع.
الورقة حرفيا وقعت من إيدي.
القلب اللي كنت فاكره بدأ يتصلب
اتكسر تاني.
أغمضت عيني
وحسيت بكمية مشاعر ما لاش اسم
اشتياق
غضب
حب
خسارة
ندم
وخوف
خوف من إني مش هشوفه تاني.
باب الغرفة اتفتح
ودخل أبي.
ما اتكلمش
ولا قرب
بس وقف قدامي
ولأول مرة شفت دمعة بتنزل من عينه.
وقال بصوت مبحوح
ما كنتش عايزك تعرف
إلا لما تبقى أقوى.
رفعت عيني ليه
وسألت سؤال كسر آخر جدار بينا
بابا
إنت بتحبنا
ولا بتحب تسيطر علينا
قعد على السرير
وكان شكله أضعف من أي وقت
أنا
أنا عمري ما كنت قوي.
ولا كنت أعرف أكون أب صح.
خفت
خفت من كل حاجة.
ومن خوفي
ضيعت كل حاجة.
كان صوته بينهار
ريان
ما قدرتش أمسكه.
ولا قدرت أفهمه.
ولا قدرت أحبه بالطريقة اللي يستاهلها.
سكت
ثم قال
لو تدور عليه
أنا هساعدك.
كانت الجملة مفاجأة
جملة بتقول إن الرجل اللي كان بيمنع كل شيء
انهار.
قرار كبير
رجعت لأمي في اليوم اللي بعده
وقعدنا مع بعض
كان قدامنا طريقين
١ نرجع حياتنا
وننسى ريان.
مش ممكن.
ولا أنا ولا أمي نقدر.
٢ نبدأ رحلة البحث عنه.
ونواجه اللي هييجي
مهما
مددت لها الرسالة
هي قرأتها
ودموعها نزلت بهدوء
زي المطر الهادي اللي بيكسر الحطب.
وقالت
ابني ضاع
بس لازم نلاقيه.
أمه مش هتسيبه.
وقتها
أنا حسيت إن قلبي كله اتحول لهدف واحد
ألاقي ريان.
مهما أخد الطريق.
ومهما كان اللي مستنيني.
من يوم ما قرينا جواب ريان
ما بقيناش زي قبل.
أنا بقيت شخص تاني.
أمي رجعتلها روحها ووجعها في وقت واحد.
وحتى أبي
بقى واقف بين خجل وندم بيحاول يحسسنا إنه موجود.
متابعة القراءة