رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد
رأيت أبي يطلب سيارة على الطريق وما اكتشفته بعد أن توقفت له حطم قلبي وغير حياتي إلى الأبد
كان المشهد على الطريق السريع صادما إلى حد يجمد الدم. مشهدا لا يشبه أي شيء رأيته من قبل مشهدا يملك القدرة على انتزاع أنفاس الإنسان قبل أن يحاول فهمه. شمس حارقة معلقة في منتصف السماء تمد يدها الملتهبة فوق الإسفلت فيصير كمرآة من نار والهواء نفسه بدا وكأنه يحتج من شدة الحر. وسط هذا الجحيم وقف رجل مسن وحيد نحيل الجسد محني الظهر كأنه بقايا ظل كان يوما ما إنسانا أقوى من الجبال.
لكن الحرارة لم تكن سبب دموعه.
لم يكن العطش أو الإرهاق أو الوحدة من أجبراه على الوقوف هناك.
كان الشيء الذي سحقه ببطء طوال ثلاث سنوات هو الصمت صمت امتد لأكثر من ألف يوم صمت أعمى جاف قاتل والآن كان على وشك أن يتحطم أمامي بالطريقة التي لم أكن لأتخيلها حتى في أبشع كوابيسي.
وللمفارقة كنت أنا الابن الذي سيواجه هذه الحقيقة الحقيقة التي ستعيد تشكيل حياته من جديد.
كنت أقود سيارتي الفاخرة مرسيدس حديثة اشتريتها بعد أن حققت نجاحا كبيرا في شركتي التقنية في مدريد شركة قدرت بملايين اليوروهات وشقة واسعة في حي سالامانكا الذي يعتبر موطنا للأثرياء. ومع ذلك رغم كل ما حققته كان هناك فراغ ثقيل يقيم داخل صدري فراغ لم يملأه المال ولا الانشغال بالعمل ولا السهرات مع رجال الأعمال.
كان شيئا يشبه غمامة سوداء تقيم في داخلي منذ ثلاث سنوات منذ أن انقطعت أخبار عائلتي في سبتة.
أتذكر الأسابيع الأولى بعد أن تركت المدينة كنت أتصل مرارا وتكرارا. الهاتف يرن ثم يتحول إلى البريد الصوتي. جربت رقم البيت مرارا جربت رقم والدي جربت رقم إخوتي أدريان وبرونو وحتى أختي الصغرى فيرنندا لكن شيئا لم يتغير.
ثم صارت المكالمات تغلق دون أن تستقبل. ثم صرت أنا نفسي أمسك الهاتف لأتصل ثم أتركه على الطاولة غير قادر على الضغط على زر الاتصال.
كنت أقنع نفسي أنهم مشغولون أو أنني من اخترت الرحيل وأنه من الطبيعي أن تأخذ الحياة كل واحد منا في اتجاه مختلف.
لكن الحقيقة
كنت مجروحا. مجروحا لأن أحدا منهم لم يبحث عني.
ولأنني كنت أخاف من أن يكونوا هم أيضا مجروحين بسببي.
حتى جاء اليوم الذي انتصرت فيه مشاعر الذنب على كبريائي.
قلت لنفسي يكفي. يجب أن أعود ولو لأسبوع واحد.
حجزت أسبوعا كاملا ووضعت خطة سريعة للعودة عبر الطريق البري إلى ميناء الجزيرة الخضراء ومنه إلى العبارة التي ستأخذني إلى سبتة.
لكن قبل وصولي إلى الميناء بحوالي عشرين كيلومترا رأيته.
كان يقف على جانب الطريق يرتدي قبعة رمادية قديمة ممزقة
قبعة والدي.
ضغطت على المكابح بقوة حتى انحرفت السيارة قليلا وارتفعت خلفها سحابة غبار ثقيل.
نظرت عبر المرآة الخلفية ورأيته ما يزال واقفا يرفع يده بحركة ضعيفة تطلب النجدة.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهري رغم الحر.
قلت لنفسي مستحيل. هذا مستحيل.
فتحت باب السيارة ونزلت. طعنتني حرارة النهار بقوة لكنني لم أشعر بها. كل حواسي كانت مركزة على الرجل الذي يقف على بعد خمسين مترا تقريبا متجمدا في مكانه كأنه يخشى أن يقترب من معجزة قد تتلاشى لو خطا خطوة واحدة.
بدأت أمشي نحوه.
صرخت بصوت حاولت جعله ثابتا
يا عم هل أنت بخير
لم يجب.
ظل رأسه منخفضا.
كنت أشعر بدقات قلبي ترتفع إلى أذني. كان هناك خوف ورجاء وتوسل بأن أكون مخطئا أو مصيبا لم أكن أعرف.
اقتربت خطوة بعد خطوة حتى صرت على بعد أمتار قليلة منه.
وحين رفع رأسه أخيرا توقف الزمن.
كانت عيناه حمراوين منتفختين محاطتين بتجاعيد حفرتها الشمس والسنون. لحيته بيضاء طويلة غير مرتبة وملابسه متسخة كمن ينام على الطرقات منذ أيام.
لكن تلك العينين
تلك العينين لم أنسهما يوما.
كانت عينا أبي.
انكمش العالم كله إلى نقطة واحدة.
لم أعد أسمع السيارات المسرعة ولا الرياح ولا صوت الطريق.
سمعت فقط صوتي المبحوح يخرج من داخلي بصعوبة
أبي
بدت الكلمة غريبة.
ثقيلة.
كأنني أنطقها لأول مرة في حياتي.
فتح فمه ولم يخرج منه صوت فقط شهقة محطمة.
مد يده المرتجفة ولمس ذراعي لمسة شخص يخشى أن يلمس سرابا.
لياندرو يا بني أأنت حقا
كان هذا صوته لكنه ليس ذاك الصوت الذي عرفته. كان مكسورا ضعيفا جريحا.
ثم انهار.
خارت ركبتاه وسقط على الحقيبة البنية المهترئة وانزلقت عصاه الخشبية بعيدا لتسقط في الغبار.
جثوت أمامه أمسكت كتفيه شعرت بأناملي تلامس جلدا بلا لحم تقريبا.
أبي ماذا تفعل هنا ما الذي حدث أين الجميع
كان قلبي يضرب كالمطرقة ورأسي يرفض أن يفهم.
رفع رأسه بصعوبة وقال بصوت متحشرج
أتيت لأبحث عنك لم يعد لي مكان أذهب إليه طردوني يا بني طردوني من بيتي
كانت تلك اللحظة انتهاء حياتي كما عرفتها وبداية شيء آخر شيء أعمق من الألم وأقوى من الغضب.
تجمدت في مكاني كأن ما قاله أبي كان حجرا سقط على صدري لا على أذني.
طردوه
الكلمة وحدها كانت كافية لتفجر في داخلي غضبا لم أعرف يوما أنني قادر على حمله.
وضعت يدي على كتفه الهزيل محاولا مساعدته على الوقوف. كان جسده خفيفا على نحو مخيف خفة شخص أنهك أكثر مما ينبغي. فتحت باب السيارة الفاخرة وأجلسته فيه
ركضت إلى الخلف حملت الحقيبة القديمة كانت شبه فارغة وكأن حياة كاملة سرقت منه ولم تترك له سوى قطعة قماش بالية. وضعت الحقيبة والعصا في الصندوق وعدت إلى مقعد القيادة.
ساد صمت ثقيل داخل السيارة لا يقطعه إلا شهقات مكتومة يحاول أبي حبسها بلا جدوى.
ناولته زجاجة ماء أمسكها بيدين مرتجفتين وشرب كما لو لم يذق الماء منذ أيام طويلة. سالت قطرات على لحيته البيضاء فمسحها بكف متسخة.
قلت وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف صوتي
أبي أخبرني. ماذا حدث أين إستير أين أدريان وبرونو وفيرنندا
كانت الأسماء تخرج مني كطعنة بعد أخرى.
كيف لهؤلاء أن يتركوا الرجل الذي ربانا أطعمنا عمل لأجلنا ثلاثة عقود يقف وحيدا على طريق صحراوي
رفع أبي رأسه ومسح دموعه بظاهر يده ثم قال بصوت خافت بالكاد يسمع
أخذوا كل شيء يا بني كل شيء. إستير هي من خططت لكل ذلك.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
إستير زوجة أبي بعد وفاة أمي. امرأة لم أثق بها يوما لكنني لم أتخيل أنها بهذا القدر من الخبث.
تابع أبي بصوت متهدج
وإخوتك ساعدوها. أدريان وبرونو صدقوها. عاملوني كأنني حمل زائد كأنني عار على البيت.
كان يستجمع أنفاسه بين كل جملة وأخرى كأن الكلمات نفسها تثقله.
طردوني
قالها وكأنها ما زالت تقال له للمرة الأولى.
قبضت على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت أصابعي. لم أستطع تشغيل السيارة. كنت أشعر أن دماغي يرفض استيعاب ما يسمعه.
لكن كيف قلت بصوت مرتعش.
البيت لك. الورشة لك. أنت من بنيت كل شيء.
أخفض أبي رأسه وقال بمرارة
كانوا أذكياء يا لياندرو أذكياء أكثر مما يجب.
وسرد ما لم أتخيل يوما أنني سأسمعه
بعد آخر زيارة لي بثلاث سنوات بدأت إستير تزرع السم في نفوس إخوتي. أخبرتهم أنني تخليت عنهم أنني لم أعد أهتم وأنني أرسل لأبي مبالغ مالية سرية وأخفيها عنهم.
كانت تهمس في أذن أبي
ابنك الكبير يعيش كالملوك ونسيك.
تقولها كل يوم حتى صدق هو نفسه هذه الأكاذيب.
وبينما كان أبي يروي كنت أشعر كأن ذنبا ثقيلا يسلط الضوء على أخطائي.
لم أتصل كما ينبغي انشغلت بحياتي تركت الأمور تسير. تركت إساءة الظن تكبر.
كنت ألوم نفسي كما لم أفعل في حياتي.
قال أبي
من ستة أشهر جاءتني إستير بأوراق كثيرة. قالت إنها متعلقة بتأمين البيت وقوانين جديدة. وأنا أنت تعرف لم أكن أجيد القراءة. قالت لي وقع هنا يا عجوز. أريد حماية العائلة.
ابتلعت غصة.
تابع بصوت منكسر
وقعت وقعت على كل شيء. كانت الأوراق توكيلا عاما سلمتها بيتي وورشتي ومدخراتي كل شيء.
ثم أضاف
في اليوم التالي
كنت أرتجف وأنا أسمعه.
لم يسبق لي أن شعرت بهذا القدر من الغضب.
غضب من إستير.
من إخوتي.
ومن نفسي أيضا.
قلت بحدة
وفيرنندا هل شاركت
تنفس أبي بعمق كأن كل ذكرى تمر في صدره تحمل معها وجعا يجرح الروح قبل القلب. قال وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صوته
فيرنندا صغيرة يا لياندرو. لم تكن ترى شيئا بعينيها وإستير ملأت رأسها بالأوهام. وعدتها بسيارة جديدة وملابس باهظة وأخبرتها أني بخيل لا أصرف مالا على أحد. كانت كلما علا صوت الشجار تختبئ في غرفتها وتشغل الموسيقى بأعلى ما يمكن تظاهرت أنها لا ترى شيئا لكن صمتها كان موجعا.
كنت أقود السيارة في طريق العودة إلى مدريد أحمل أبي أمامي بعيني عقلي أكثر مما أحمله في المقعد المجاور. كان كلامه ينساب مثل سكين بطيئة يجرح طبقات من الغضب والحزن في داخلي. ومع كل جملة كان جزء مني يعاد تشكيله من جديد. كنت أعد ملفا ذهنيا سأحتاج إلى محام من الطراز الأول وإلى قوة صلبة تقف خلفي. لدي المال لأحارب لكن قبل أي شيء يجب أن أحمي أبي من تلك العائلة التي كادت تفنيه.
تابع بصوت منخفض كأن الكلمات نفسها تخجل من أن تقال
منذ أسبوع فقط كانت النهاية. جاء أدريان وبرونو وإستير. اقتحموا غرفتي لم تكن غرفتي أصلا بل المخزن الذي حولتني إليه إستير. كانت تحمل حقيبة تلك الحقيبة البنية التي تراها في صندوق السيارة. أمسك بي أدريان من ذراعي أما برونو فوقف عند الباب كالحارس.
رغم أني كنت محاصرا بالغضب أغمضت عيني للحظة لم أحتمل صورة إخوتي وهم يمسكون بأبي الرجل الذي لم يرفع يده عليهم يوما.
قال أبي
لم يضربوني لكنهم دفعوني. رمت إستير الحقيبة على الأرض وقالت ضع فيها ما تستطيع خلال خمس دقائق لأنك لن تعيش هنا مرة أخرى. ظننتها تمزح. قلت لها إلى أين أذهب هذا بيتي. لكنها ضحكت يا بني. ضحكت في وجهي.
تخيلت المشهد وكان فيه قدر لا يحتمل من القسوة قسوة لا ترتكب إلا حين يموت الضمير.
أكمل بصوت مبحوح
أشعلت الأوراق التي وقعت عليها في وجهي تقريبا وقالت هذا البيت ليس بيتك البيت بيتي وبيت أولادي. قالتها وكأنكم لستم أولادها. وكأنك أنت بالذات لا وجود لك. كان أدريان وبرونو واقفين يراقبون مثل تماثيل باردة. نظرت إليهما وقلت يا أولادي ماذا تفعلون أدريان أدار وجهه أما برونو فقال هذا جزاؤك لأنك طول عمرك تفضل لياندرو علينا.
كانت الغيرة منذ كنا صغارا جرحا صغيرا في البيت لكن يبدو أنها
قال أبي
وضعت بعض القمصان وبنطلونين في الحقيبة. وعندما مددت يدي لأخذ صورة