رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد
ثابتة رغم ارتجاف أصابعها. قدمت كشوف الحساب الأندورية أمام القاضي وعرضت صور جواز السفر وشرحت كيف اكتشفت نية والدتها في الهرب.
صرخت إستير فجأة
كاذبة! خائنة! تبيعين أمك من أجل المال!
لكن القاضي طرق بمطرقته بقوة
كلمة أخرى وسأخرجك من القاعة مكبلة.
انكمشت إستير في مقعدها واشتعلت عيناها بنار هوجاء.
ثم جاء الدور على راميرو فارغاس الموثق الذي كان حجر الأساس في مخططها.
وقف مضطربا يمرر لسانه على شفتيه كل لحظة. وحين بدأ الكلام بدا كمن يفرغ حمولة خطايا ثقيلة
لقد جرى تضليل السيد غييرمو. أغرته السيدة إستير بأوراق قالت إنها روتينية. ادعت أن الرجل يعاني فقدانا عقليا جزئيا وبأن نقل الملكية سيكون في مصلحته. وأنا كنت شريكا في ذلك.
تزاحمت الأصوات في القاعة. توتر غضب تصادم نظرات.
أما إستير فنهضت تشتمه وتلعنه وتصفه بالخائن.
وفي اللحظة نفسها فقد أدريان سيطرته وانهار أمام الجميع باكيا
كانت هي! هي من تسبب بكل شيء! يا سيادة القاضي لقد خدعتنا جميعا! قالت إن أبي يكرهنا وإن لياندرو يريد سرقة كل شيء سممت قلوبنا! سامحني يا أبي أرجوك سامحني!
سقط على ركبتيه بينما كان برونو يزداد غليانا.
قصدني غاضبا يصرخ
أنت دمرتنا!
اندفع نحوي لكن الحارس الشخصي كان أسرع. طرحه أرضا وكبلته الشرطة دون تردد.
كانت لحظات محكمة سبتة تلك أشبه
وبعد أن اكتملت الشهادات وقف القاضي وبدأ قراءة قراره بصوت لا يرتجف
استنادا إلى شهادة الموثق واعتراف أدريان رييس والأدلة المالية الثابتة تعد الوكالة العامة الممنوحة لإستير هرنانديث لاغية وباطلة. وتعاد ملكية جميع الممتلكات إلى السيد غييرمو رييس.
تعالت الهمسات في القاعة لكن القاضي تابع بصرامة أكبر
كما يأمر هذا القضاء بحبس المتهمة إستير هرنانديث احتياطيا بتهم الاحتيال التزوير التآمر والإساءة إلى رجل مسن.
ويحبس برونو رييس بتهمة التهديد ومحاولة الاعتداء داخل المحكمة.
وما إن هم الجنود بتقييد إستير حتى صرخت بحقد أصاب القاعة بالذهول
ستموت وحيدا يا غييرمو! وحيدا ككل الأغبياء!
أغمض أبي عينيه ووضع يده على قلبه المتعب. كانت ماريصول تمسك بيده كأنها تثبت روحه في مكانها.
أخرجت إستير ثم أدريان الذي خفف اعترافه الحكم عنه لاحقا بينما فتحت الأبواب لفيرنندا التي برأها القاضي تماما.
اقترب أبي مني وانهار على صدري باكيا.
ليست دموع حزن بل دموع رجل عاد إليه حقه بعد سنوات عذاب.
قال بصوت مختنق
انتهى الكابوس يا بني انتهى.
خرجنا من المحكمة كأننا نخرج من حفرة مدفونة بالظلام.
أخذت أبي بيدي وقلت له
لنعد إلى البيت يا أبي إلى بيتك الحقيقي.
وفي الأشهر التي تلت
استرجعنا الأموال من أندورا.
خسر الموثق رخصته.
وحكم على إستير بالسجن لسنوات.
وبرونو كذلك أما أدريان فحصل على حكم مخفف مع ساعات خدمة مجتمعية وغادر سبتة خجلا من نفسه.
رمم بيت أبي بمالي الخاص وأشرفت ماريصول على تفاصيله. كانت تملؤه ضوءا وتطرد منه ظلال السنوات الماضية.
أما فيرنندا فبقيت في مدريد تخضع للعلاج النفسي وتحاول ترميم العلاقة بينها وبين أبي.
وببطء بدأت عافيته تعود.
الطعام الجيد والرعاية والدواء المنتظم والأهم الأمان.
كل ذلك أعاد إليه روحه القديمة.
عاد للنجارة وصنع قطعا صغيرة في مرآب بيتي يستعيد بها شيئا من ذاته.
وبعد ستة أشهر اتصل بي بصوت يحمل بحة فرح
يا بني البيت جاهز. ماريصول هنا والحديقة أجمل من أي وقت مضى وفرنندا معنا. لم يبق إلا أنت.
فضحكت وقلت
لا تفسد المفاجأة يا أبي. سأزورك نهاية الأسبوع ولن آتي وحدي.
كانت سيسيليا هي سندي في كل تلك المعركة.
طارت من برشلونة لترافقني.
وعندما وصلنا إلى سبتة عند الغروب لم أعرف البيت. صار جميلا بلون عاجي تتسلق جدرانه الجهنمية البنفسجية.
كان أبي ينتظرني على الشرفة وخلفه ماريصول وفيرنندا.
فتح ذراعيه
مرحبا بعودتك يا بني.
ثم نظر إلى سيسيليا.
أمسكت بيدها وقلت
أبي هذه سيسيليا. خطيبتي والمرأة التي سأقضي حياتي
اقترب منها نظر إلى عينيها ثم قال برقة
أي امرأة جعلت ابني بهذا القدر من السعادة فهي ابنتي أيضا. أهلا بك في العائلة يا سيسيليا.
جلسنا جميعا في الحديقة الخلفية تحت أضواء دافئة ونسيم يشبه بداية حياة جديدة.
كانت سيسيليا محرجة قليلا تضع يدها على بطنها دون أن تفصح.
نظرت إلى أبي وقلت
هناك أمر آخر أظن أنك ستحتاج الكرسي الهزاز قريبا.
شهق أبي فتحت سيسيليا كفها على بطنها وقالت وهي تضحك
نعم يا غييرمو ستصبح جدا.
ارتجف جسده كله ثم انفجرت عيناه بدموع فرح نقي.
كان المشهد كافيا ليعيد الروح إلى أكثر القلوب إنهاكا.
رفعت رأسي إلى السماء أفكر كيف أخذوا مني كل شيء تقريبا.
لكنني الآن أملك كل شيء.
الحب والبيت والعائلة.
والأهم أبي الذي عاد رجلا كاملا.
قال وهو ينظر إلى حفيده الصغير بعد أشهر قليلة ينام بين ذراعي سيسيليا
يا لياندرو لا أريد أن أعيد فتح الورشة القديمة كما كانت أريد أن أبني شيئا جديدا.
سألته
ما الذي تفكر فيه
ابتسم بعينيه قبل شفتيه
أريد أن أصنع كرسيا هزازا كبيرا لحفيدي.
كان يجلس عليه بعد ولادة الطفل بأسابيع.
تهتز الخشبات تحت جسده بينما حفيده الصغير بين يديه والعائلة كلها حوله.
هناك أدركت أن العدالة لم تكن حكم القاضي فقط
بل كانت هذا المشهد.
ضحكات ونور وطفل ينهض فوق ركام ثلاث سنوات من الألم.
وأن
وهذه هي العدالة الوحيدة التي تستحق القتال من أجلها.