رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد

لمحة نيوز

أمك ماريصول أخذتها مني. قالت لن تأخذ هذه. هذه المرأة لا تستحق أن تكون صورتها في بيتي. ثم مزقت الصورة أمام عيني.
لم أتمالك نفسي فضربت لوحة القيادة بقبضتي. كانت وحشية لا تستحق وصفا أقل.
تابع
بحثت عن دفتري الصغير الذي كنت أخبئ فيه رقم هاتفك الرقم الوحيد الذي يربطني بك. وجدته لكنها انتزعته من يدي. قالت كنت تنوي الذهاب لابنك المدلل تريد أن تشتكي له ثم أعطته لأدريان. مزقه بيده مزقه إلى ألف قطعة. قالت لم يعد لك أحد انتهيت.
كانت خطتهم واضحة تجريده من كل شيء. البيت المال الذكريات وحتى أي وسيلة توصله إلي.
قال أبي
دفعوني إلى الخارج ورموا حقيبتي على الرصيف وأغلقوا الباب. بقيت واقفا لا أعرف كم مر من الوقت. رأيت الجيران يطلون من النوافذ لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب. أظن أن إستير ملأت رؤوسهم بالأكاذيب قالت لهم ربما أنني خنتها أو أنني فقدت عقلي.
أغمض عينيه وهو يتذكر كأنه يعيد مشاهدة مشهد كتب عليه أن يعيشه مرات عديدة.
قضيت تلك الليلة في الحديقة. كان الجو باردا. في اليوم التالي ذهبت إلى الورشة حاولت أن أتحدث مع أدريان أو برونو لكنهم غيروا الأقفال. كان هناك حارس على الباب. قال لي لدي أوامر بعدم السماح لك بالدخول وإن حاولت سيتصل بالشرطة.
ارتج جسدي غضبا. كيف يعامل رجل قدم لهم عمره كأنه مجرم
قال
تجولت يومين في سبتة. نمت على الشاطئ. حاولت شراء طعام لكن كثيرين رفضوا إعطائي شيئا. لم أشعر في حياتي بمثل تلك الإهانة. أدركت حينها أنني لم أعد أنتمي إلى تلك المدينة. فقررت أن لم يبق لي إلا أنت يا لياندرو أنت وأمك.
نظر إلي نظرة لا أنساها ما حييت نظرة رجل غارق ظل يتمسك بخيط واحد أخير.
أعطاني أحدهم عشرين يورو لأركب العبارة إلى الجزيرة الخضراء. برونو صرخ خلفي ارجع للبر الرئيسي ولا ترجع مرة ثانية. ركبت السفينة وعندما عبرت البحر بدأت أمشي. كنت أعرف فقط أن مدريد في الشمال فبدأت أسير شمالا.
رفع قدمه وكان حذاؤه ممزقا كأنه مر بحرب.
بعض سائقي الشاحنات رحموني فأوصلوني مسافات قصيرة لكن معظم الوقت كنت أمشي. كنت أرى قدمي تتمزقان وأقول لنفسي إن استمريت في هذا الطريق ربما تحدث معجزة.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
وحدثت المعجزة وجدتك أمامي.
عندما وصلنا إلى شقتي في حي سلامنكا كان المبنى الزجاجي اللامع يبدو كأنه من عالم آخر عالم لا ينتمي إليه رجل أنهكته الطرقات . كان أبي ينظر حوله باندهاش طفل يدخل لأول مرة متحفا من الضوء. في المرآب تحت الأرض وقف صامتا يتأمل السيارات الفارهة كأنه يشاهد فيلما خياليا لا يدرك إن كان هو أحد أبطاله أم مجرد عابر سبيل.
قال بصوت
مرتجف
يا بني هذا كثير علي.
وضعت يدي على كتفه وقلت
ليس كثيرا عليك يا أبي. هذا أقل مما تستحق. هذا بيتك وملجؤك وكرامتك.
صعدنا المصعد الخاص الذي يفتح مباشرة على غرفة الجلوس الواسعة بنوافذ زجاجية تمتد من الأرض حتى السقف تطل على مدريد المضيئة كمدينة لا تنام. كانت ماريصول في المطبخ تحضر العشاء امرأة شاخت بوقار تحمل جمالا هادئا لا يخبو. وما إن رأتني حتى ابتسمت
رجعت بدري يا بني.
لكن ابتسامتها تلاشت حين شاهدت الرجل خلفي. حملت يدها إلى فمها وهمست
غييرمو!.
نزع أبي قبعته ووضعها على صدره احتراما وهمس بصوت منكسر
مرحبا يا ماريصول مضى وقت طويل.
لم تر ماريصول ثيابه الممزقة ولا الأوساخ التي غلفت بشرته بل رأت الألم القديم في عينيه الألم الذي كانت تشعر به منذ سنوات لكنها لم تستطع أن تفعل شيئا حياله. اقتربت منه ولمست وجهه براحتيها
يا إلهي يا غييرمو ماذا فعلوا بك انظر إلى حالك!.
راقبتهما وأنا أشعر بخليط عجيب من الارتياح والشجن. قلت لها
أمي القصة طويلة ومؤلمة. إستير وإخوتي طردوه. سرقوا منه كل شيء.
تصلب وجه ماريصول. تعرف إستير جيدا. تعرف خبثها ودهاءها وحقدها المدفون خلف ابتسامتها الثقيلة. فقالت بحزم
أولا سنعتني به. يا لياندرو حضر غرفة الضيوف. وسأعد له حماما ساخنا وطبق حساء يدفئ قلبه قبل بطنه. غييرمو أنت في بيتك الآن. أنت آمن.
أخذت ماريصول بعض ملابسي وأعطته قميصا قطنيا نظيفا وبنطالا مريحا. دخل الحمام وحين خرج بعد نصف ساعة بدا كأنه استعاد عمرا ضائعا وإن بقيت تجاعيد الحزن بارزة كحروف منقوشة لا تزول.
جلست في مكتبي والسماء خارج النافذة تتلون بالبرتقالي. كنت أشعر بأن وجهي مضاء فقط بشاشة الحاسوب أما روحي فكانت مشتعلة. لم يعد الغضب مشتتا بل أصبح مركزا مثل شفرة يطلب ثأره بثقة وصمت.
بحثت عن أفضل مكتب محاماة في سبتة. لا يهمني الثمن. المال الذي كسبته بعرقي لم يعد للترف أو لشراء سيارات فارهة بل صار سلاحا. سلاحا حقيقيا.
أجريت اتصالا
مساء الخير. أتصل باسم لياندرو رييس من شركة رييس تك سوليوشنز. أحتاج إلى استشارة عاجلة مع الشريك الرئيسي. نعم الأمر يتعلق بقضية عائلية. نعم غدا مناسب.
بعد تحديد الموعد خرجت من المكتب. كان أبي يجلس على الأريكة بشعر مسرح وثياب نظيفة يحمل طبق حساء دافئ. بدا أصغر بعشر سنوات لكن عينيه بقيتا مثقلتين بالحزن المتجمد.
جلست أمامه وقلت
ارتح الليلة يا أبي. كل ونام. غدا سنبدأ القتال. أعدك أن كل ما أخذ منك سيعود. أعدك أنهم سيدفعون الثمن حتى آخر سنت وحتى آخر كلمة أذوك بها.
نظر إلي ولمعت في عينيه لأول مرة منذ زمن طويل شرارة
أمل
شكرا يا بني كنت أعلم أنك ستأتي.
في صباح اليوم التالي تناول أبي إفطاره بصمت. كانت ماريصول تقدم له القهوة وهو ينظر من شرفة المطبخ إلى أفق مدريد كأنه لا يصدق أن هذا العالم يخصه الآن.
قلت وأنا أعدل ربطة عنقي
حان وقت المغادرة يا أبي. عندنا موعد مهم مع محام في سبتة.
قال بهدوء
أنا معك يا لياندرو. افعل ما تراه صوابا.
سافرنا بالطائرة إلى ملقة ومنها بالسيارة إلى الجزيرة الخضراء لنركب العبارة. رغم قلقه من العودة كان متماسكا تائها قليلا لكنه ثابت.
وصلنا مكتب المحامي راؤول ساندوفال رجل في الخمسين أنيق بنظرات حادة تحفظ التفاصيل قبل أن تقال. استمع لقصة أبي ساعة كاملة بلا مقاطعة ثم قال أخيرا
يا غييرمو ما وقعت عليه هو توكيل كامل. قانونيا أنت من منحت لزوجتك الحق المطلق بالتصرف. سيكون استرجاعه صعبا لكنه ليس مستحيلا.
خفض أبي رأسه خجلا
كنت ضعيف القراءة يا سيدي ووثقت بها.
قلت وأنا أكتم غضبي
هذا اسمه استغلال. استغلت جهله وثقته.
أجاب ساندوفال
علينا إثبات الإكراه سوء النية واستغلال السن. نحتاج شهودا جيرانا أي أحد رأى معاملتهم لك. نحتاج إثباتا أن المال كان يصرف عليهم بينما دواؤك لم يكن يشترى.
تحرك شيء داخل أبي حين سمع ذلك كأن جرحا قديما ينبض من جديد
كانت تقول دائما إنه لا يوجد مال لدواء الضغط لكن كانت تشتري أغلى الأشياء لنفسها ولأبنائها.
ابتسم ساندوفال ابتسامة خفيفة
ممتاز. هنا تبدأ القضية. إستير ارتكبت خطأ كبيرا لم تحسب حسابك يا لياندرو.
حين خرجنا من المكتب قلت لأبي
لن أرتاح حتى أنظر في أعينهم وهم يفقدون ما سرقوه.
قادني غضبي إلى الشارع الذي نشأت فيه. استأجرت حراسا شخصيين مرافقين. قلت لأبي
ابق في السيارة. مهما حصل لا تخرج.
عند باب البيت الذي كان يوما دافئا وقفت أمام جدران باهتة وحديقة مهملة. طرقت الباب بعنف.
فتحت إستير خلف سلسلة الأمان. قالت ماذا تريد.
قلت افتحي يا إستير أنا لياندرو.
امتلأت عيناها بالاضطراب. همس أدريان من الداخل إنه لياندرو جاء.
فتحت الباب وهي تحاول الابتسام
أوه عاد الابن الضال. هل فقدت شيئا هنا يا مليونير.
وقفت ثابتا وقلت ببرود
نعم فقدت شيئا. كرامة أبي.
ارتعشت شفتاها. قالت بصوت حاد
انتبه لكلامك! هذا البيت ملكي. قانونا. ولدي أوراق تثبت ذلك!.
وقفت عند باب البيت الذي ولدت فيه البيت الذي كان يوما رمزا لدفء العائلة وعرق أبي ثم تحول على يد امرأة غريبة إلى ساحة للطمع. لم أسمح لصوت انفعالي أن يرتفع قلت بهدوء صلب
استمتعي بالبيت ما دمت قادرة فقد استعنت بأفضل محام في سبتة وسأستعيد كل شيء كل مسمار كل شبر كل سنتيمتر
من هذه الأرض.
رأيت شفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تبتسم بسخرية لكنها لم تخف ارتباكها.
قالت وهي ترفع ذقنها
محام! وبأي حجة أبوك رجل عجوز خرف وقع بإرادته. القاضي نفسه سيضحك عليك.
لكني لم ألتفت لكلماتها فقد رأيت الحقيقة في مكان آخر
في عيني أدريان أخي الأوسط. كان الذعر يطل من داخله كأن كلمة واحدة قد تودي بما بنوه على الكذب.
قلت بثبات
لم آت من أجلها جئت لأتحدث مع إخوتي.
دفعت باب غرفة الجلوس. المكان كان صدمة. الأثاث الذي صنعه أبي بيديه والذي ظل يلمع رغم السنين اختفى تماما.
حل محله أريكة رخيصة وتلفاز ضخم يكاد يبتلع الجدار ورائحة نفاذة خليط من الغبار والطعام المتروك.
تمتمت
أدريان برونو كيف سمحتم بهذا هذا رجلنا أبوكم.
تقدم برونو وجهه متوهج بالغضب وكأنه طوال السنوات الماضية كان يخزن نيرانا لا يعرف مصدرها.
صرخ
ليس لك حق في الكلام! أين كنت ثلاث سنوات كنت تجمع الأموال في مدريد بينما نحن نتحمل مزاج أبي وتعبه ونوبات مرضه! أنت من تركتنا!
كان واضحا كيف بثت إستير سمومها فيهم.
وهي لم تتأخر في تأكيد ذلك إذ قالت بنبرة مخادعة وهي تلتفت إليهما
هو نال كل شيء أعطاه والدكم المنح الدراسية والفرص ومستقبلا في مدريد. أما أنتم فقد ترك لكم ورشة متهالكة.
نظرت إليها طويلا ثم قلت
كانت تلك الورشة إرثكم الوحيد وأنتم بعتموها بثمن الخردة. أليس كذلك
احمر وجه برونو أكثر ودفع الهواء كأنه يدفعني معه
اخرج! أنت غير مرحب بك هنا!
هززت رأسي بأسى وقلت بنبرة هادئة رغم كل ما يجتاحني
أنتم لا تعرفون ما فعلتم وستدفعون الثمن.
صرخت إستير وهي تشير إلى الباب
اخرج من بيتي الآن! وإلا اتصلت بالشرطة!
ابتسمت نصف ابتسامة وقلت
اتصلي. قولي لهم إن ابن صاحب البيت الحقيقي موجود هنا وقولي لهم أيضا أن يحضروا الموثق الذي ساعدك على تزوير الأوراق.
كان وقع الكلمات كصفعة. رأيت الارتباك يزحف على ملامحها ويهتز طرف شفتيها. أدركت ساعتها أن إصابة الهدف جاءت في الصميم.
قلت أخيرا
سنلتقي في المحكمة.
خرجت من البيت لكن غضبي لم ينطفئ. وبينما كنت أتجه إلى السيارة وقعت عيني على وجه مألوف في آخر الشارع
فيرنندا أختي الصغرى تجلس وحدها على مقعد صغير في الحديقة تحدق في هاتفها بشرود.
اقتربت وقلت بهدوء
مرحبا يا فير.
قفزت واقفة فور سماع صوتي.
لياندرو! ماذا تفعل هنا سمعت الصراخ هل حدث شيء
نظرت إليها طويلا قبل أن أسأل
فيرنندا لماذا سمحت لهم أن يفعلوا هذا بأبي
امتلأت عيناها بالدموع فورا كأنها كانت تنتظر أحدا يكسر هذا الجدار الزائف حولها.
قالت بصوت مرتجف
لم أكن أعرف أقسم لك يا لياندرو! إستير قالت
إن والدنا أصبح صعبا وأن ما تفعله لمصلحته وأنهم سيضعونه في دار رعاية جيدة صدقتها.
كانت كلماتها أشبه بطفل يتعلق بخشبة نجاة
تم نسخ الرابط