السرّ الذي أفصح عنه السونار بين الصورة والحقيقة طريق واحد للهروب
في آخر فحص دوري للحمل ظننت أن كل شيء على ما يرام. فحص روتيني كغيره. لم أكن أتصور أن تلك الجلسة الروتينية ستصبح لحظة تغير مصيري إلى الأبد. حدق الطبيب في شاشة السونار طويلا كأنه يرى ما لا يرى. رفع بصره إلي فجأة وهمس بصوت مبحوح
عليك أن تغادري المكان فورا وأن تبتعدي عن زوجك.
رفعت حاجبي بدهشة جارحة ظننت أول الأمر أنني لم أسمعه جيدا. أي عقل يمكن أن يقول مثل هذه الجملة وعندما سألته عن السبب انحنى قليلا وصوته خافت كأنه يهرب من مسمع أحد
ستفهمين عندما ترين الأمر بنفسك.
تلك اللحظة كانت اللحظة التي لم أعد بعدها إلى منزلي أبدا.
كان الهواء باردا في عيادة الدكتور إيمرسون تفوح منه رائحة المطهرات والقلق معا. الرابع عشر من أكتوبر تاريخ لن يمحى من ذهني ما حييت. كنت في الأسبوع الرابع والثلاثين من حملي وبطني يضم صغيري الذي طالما انتظرت أن أراه على الشاشة لا أن أشاهد الذعر الصافي في عيني طبيبي.
زوجي إيثان المهندس المعماري الذي يتباهى بذكائه ونجاحه كان متأخرا كالعادة. وصلتني منه رسالة مقتضبة
اجتماع مهم. أحبك. خذي صورا.
كنت متفهمة دائما. فالطفل رغم أنه ابننا كان عالما سريا أحمله وحدي لا أستطيع
جلس الدكتور إلى جواري ووضع المجس البارد على بطني المستديرة. ظهرت الاهتزازات الرمادية على الشاشة وانبعث معها الأمل. تمتم وهو يراجع القياسات
كل شيء يبدو مثاليا يا سارة.
كلماته كانت تسري في دمي طمأنينة لثانية واحدة فقط.
إذ فجأة توقف. يده التي كانت ثابتة كصخرة منذ سنوات بدأت ترتجف ارتجافة خفيفة لكنها كانت كافية لتوقظ الرعب داخلي. لم يعد ينظر إلى الشاشة بل إلى نقطة مجهولة خارج حدود الصورة. وكأن شبحا خرج فجأة من رحم الصورة وجثم فوق كتفيه.
سألته بصوت متقطع
دكتور إيمرسون هل هناك مشكلة هل هل حدث شيء للطفل
لم يجب. بل أزاح المجس عني ببطء ومسح الجل من بطني بحركات آلية خالية من الوعي. ثم توجه نحو الباب فتحه قليلا ألقى نظرة سريعة إلى الردهة ثم أغلقه بإحكام وقفل المزلاج.
لحظتها شعرت بأن قلبي يسقط في أعماق معدتي.
عاد إلي وجهه متلون بين الشحوب والرعب. اقترب وانحنى نحوي صوته هسيس يكاد لا يسمع
سارة يجب أن تهربي من هنا الآن. ويجب ألا تعودي إلى زوجك.
كلماته كانت كالسياط تشق الهواء. زوجي إيثان الرجل الذي كان يقسم أنني حب حياته الذي خط لي اسمنا فوق جدران باريس
تمتمت بانهيار
ماذا رأيت! أخبرني!
لكنه تراجع خطوة وكأنه يخاف من الحقيقة بقدر ما أخافها أنا. اتجه إلى مكتبه كتب كلمات سريعة على ورقة صغيرة طواها وقدمها لي بحذر شديد كما لو كانت تحمل عدوى قاتلة.
اقرئيها بعيدا عن هنا. لا أستطيع قول المزيد الآن.
وقفت بصعوبة. لم يعد بطني الذي يثقلني هو المتعب بل الخوف الذي ألقى ظلاله فوق كل شيء. خرجت من الغرفة مرتبكة لا أكاد أرى أمامي. الباب الزجاجي للعيادة انغلق خلفي بصوت مدو كأنه قال وداعا لسارة القديمة.
ركبت سيارتي تحت المطر الخفيف. ارتجفت يداي على المقود. كل ضربة مطر على الزجاج كانت كنبضة قلب مرتبكة. جلست أقبض الورقة بيدي أتردد في فتحها. أخيرا مزقت التردد وفتحتها.
كانت كلمات قليلة لكنها هدمت عالمي
هناك تطابق جيني كامل بين جنينك وطفل آخر التطابق مقصود. زوجك يعرف وسيحاول استكمال الأمر بأي ثمن.
أعدت القراءة مرارا والذهن يرفض الفهم.
طفل آخر! من أين لمن وكيف!
ثم انطلقت شظايا الذاكرة تقطعني
تلك الليالي التي أيقظته فيها الكوابيس.
الملفات الطبية
جملة ظروف شخصية التي كررها حين سألته عن عائلته.
دموعه الغريبة حين رآني أشتري أول لباس للطفل.
أمسكت الهاتف بأصابع متجمدة واتصلت بالطبيب. رد بعد طول انتظار ونبرة صوته متقطعة كأن أنفاسه تسحب من صدره
هل غادرت
نعم لكن أخبرني أي طفل! ماذا يحدث بحق السماء!
تنفس ببطء كمن يستعد لكشف سر مدفون
زوجك لديه طفل من زواج سابق. الطفل مصاب بلوكيميا عدوانية. يحتاج زرع خلايا جذعية فورا.
أغمضت عيني بقوة صورة طفل شاحب يتشبث بالحياة تسللت إلى رأسي.
تابع الطبيب
إيثان فشل في إيجاد متبرع مناسب. طفلك قد يكون آخر فرصة.
رددت بكلمات متكسرة
ولماذا لم يخبرني لماذا
قاطعني بصوت يشق روحي
لأن حملك لم يكن صدفة بل خطة. أنت متوافقة وراثيا معه وهذا لم يترك للحب أي دور في الأمر.
سحب الهواء من حولي. هل أحبني أم اختارني هل كنت زوجته أم وسيلة إنقاذ
تمتمت
لن أسمح لأحد بأن يمس طفلي
لكنه قال بسرعة
الخطر الآن أنك تعانين بداية تسمم حمل حاد. الضغط مرتفع جدا. أي توتر قد يقتلك أو يقتل الجنين. وإذا عرف إيثان الحقيقة الآن سينهار. وقد يأخذك بالقوة لإتمام العملية.
رق قلبي لرجل يحتضر طفله لكن قلبي ذاته ينبض بجنين
همست بصوت مكسور
ماذا أفعل