الفتاة التي وصلت مستشفى الأغنياء وغيّرت كل شيء
المحتويات
عابر ثم اختفى ليحل محله التزام إداري بارد.
كأن الطفلة تحولت من إنسانة تحتضر إلى مجرد رقم ومشكلة لوجستية!
قالت بصوت محايد
في هذه الحالة عليكم مراجعة المدير الإداري. هو وحده يقرر مثل هذه الحالات.
نظر إليها رافائيل بحدة وسأل
وأين هو
أجابته الممرضة بإيجاز
سأستدعيه حالا.
ثم انطلقت مسرعة.
ظل رافائيل واقفا في منتصف الممر يحتضن الجسد الصغير الهش محاطا بموظفين يعاينون المشهد بوجوه تجمع بين الفضول والقلق واللامبالاة.
كان يشعر بأنفاس إيزابيلا المتسارعة تكاد تتلاشى على صدره وأن حرارة الحمى تخترق ملابسها البالية وكل ثانية تمضي كانت كالسيف بينما هم يتجادلون في اللوائح والأوراق وطفلة تختنق بين أيديهم على حافة الموت.
وفجأة ظهر رجل طويل القامة يرتدي بدلة رمادية وربطة عنق زرقاء داكنة مشيته توحي بالسلطة والاعتياد على اتخاذ القرارات الحاسمة.
إنه الدكتور أوغوستو بيريرا المدير الإداري لمستشفى سانتا كلارا منذ خمس سنوات تلك السنوات التي حول خلالها المستشفى إلى أحد أكثر المؤسسات الطبية ربحا في البلاد.
كان يمشي بثقة رجل يرى نفسه مخولا باختيار من يستحق النجاة ومن لا يستحق.
وقف أمام رافائيل وألقى نظرة خاطفة بعيون باردة كالفولاذ قبل أن يسأل بجفاء
ما المشكلة
قال رافائيل دون تردد
هذه الطفلة تحتاج إلى علاج فورا.
تفحص أوغوستو مظهر إيزابيلا قدماها الحافيتان ملابسها المتسخة النحافة المخيفة
ثم أطلق تنهيدة ثقيلة كأن الأمر مجرد إزعاج في جدول مزدحم
سيدي هذا مستشفى خاص. لسنا قادرين على استقبال أي شخص يأتي من الشارع هكذا بلا نظام. لدينا بروتوكولات ولدينا حسابات ورواتب.
شدد رافائيل كلماته وصوته يزحف نحوه الغضب
إنها مريضة تحتضر.
رد المدير دون أن يتأثر
هناك مستشفيات حكومية لمعالجة مثل هذه الحالات.
ارتجفت عضلة في فك رافائيل وكأنه يحاول أن يمنع بركانا من الانفجار
ربما لا تملك ثلاثة كيلومترات من العمر يا سيدي.
قال أوغوستو بفتور واضح
أنا متأسف حقا لكن هناك قواعد. لا يمكنني تجاهلها من أجل شخص لا يملك ثمن علاجه. إن فتحنا الباب اليوم سيأتي غدا كل أنواع الناس.
رد رافائيل باستياء حاد
كل أنواع الناس
هكذا تسمي طفلة في الثامنة تحتضر أمام عينيك
تصلبت ملامح المدير وهو يقول باقتضاب
لا أعلم من تظن نفسك لكنني لن أسمح بتهديدي داخل مستشفاي. انتهى النقاش.
حراس!
ظهر حارسان جديدان أكثر ضخامة من السابقين.
أشار إليهما المدير
اصحبوا هذا الرجل إلى الخارج وإن قاوم اتصلوا بالشرطة.
أدار رافائيل رأسه حوله وجوه مصدومة وأخرى غير مكترثة.
لا أحد مد يدا لا أحد رأى إنسانة تحتاج إنقاذا.
في داخله سقط آخر ما تبقى من ثقته بأن المستشفى مكان للرحمة.
فهذا ليس سوى ناد حصري ثمن دخوله أعلى من قيمة حياة طفلة فقيرة.
بدأ الحراس يتحركون نحوه.
تراجع خطوة يفكر بسرعة شديدة
الخروج يعني المخاطرة بحياتها والطريق الطويل قد يكون نهايتها.
لم يعد هناك وقت للتردد.
الاختيار الآن أو لا أبدا.
قال المدير بلهجة متهكمة وعيناه تقيمان ملابس رافائيل المتواضعة
سيدي أنت لا تستطيع دفع تكاليف علاجها. لا بأس في الاعتراف بذلك. فقط خذها إلى مكان يناسب قدركم.
نظر رافائيل إلى وجه إيزابيلا الشاحب وشعر بجرح الماضي ينفتح مجددا.
تذكر يد مارينا الصغيرة حين أمسك بها آخر مرة
وتذكر وعده
إن جاءته فرصة لإنقاذ طفل آخر فلن يسمح للموت أن يربح بسهولة.
بلا كلمة أخرج هاتفه.
توتر الحراس مستعدين لأي حركة.
اكتفى أوغوستو بضحكة
هل ستتصل بأحد هذا لن يغير شيئا.
لم يرد رافائيل.
فتح تطبيقا خاصا يعرض رموزا وأرقاما معقدة منصة لتحريك الأموال حول العالم خلال ثوان.
كتب رقم السجل الضريبي للمستشفى المعلق على اللوحة.
ثم كتب المبلغ
2000000 دولار
حولها إلى الريال ضغط تأكيد وانتهى الأمر.
أعاد هاتفه إلى جيبه وقال بثقة قاتلة
لقد دفعت.
قهقه المدير باستهزاء
تحويل وهمي على هاتفك أظن أنك تخطيت حدود السذاجة.
رد رافائيل ببرود
تفضل تحقق بنفسك.
أدار أوغوستو وجهه مبتعدا بعصبية
لست مضطرا لإضاعة وقتي في
لكن صوتا مرتجفا انطلق من مكتب الاستقبال
دكتور أوغوستو! تعال بسرعة!
تقدم المدير بحدة تبعه رافائيل والحراس وعدد من الموظفين.
وعلى شاشة الحاسوب ظهر الرقم واضحا باللون الأخضر الفاقع
10154000 ريال برازيلي
بعد التحويل ورسومه
ساد صمت خانق.
اتسعت عينا فرنندا
الحراس تبادلوا نظرات مذهولة
أما المدير فتلون وجهه بين الاحمرار والشحوب.
همس مرتبكا
ك كيف كيف فعلت ذلك
قال رافائيل بنبرة صارمة
الآن ستنقذونها.
جاء التحول كالسقوط من قمة الكبرياء إلى قاع الذعر
انطلق المدير يصيح بالأوامر
فريق طوارئ فورا!
جهزوا غرفة عناية مركزة!
استدعوا أفضل طبيب أطفال الآن!
فحوصات كاملة! أسرعوا!
ركضت ممرضات واندفع سرير متنقل نحوه.
وضع رافائيل إيزابيلا عليه برفق بالغ
وفي لمح البصر اختفت وسط الأبواب المزدوجة نحو قسم الطوارئ.
اندفع الطبيب إلى جانب السرير يفحص العلامات الحيوية بسرعة بينما يوجه سؤاله إلى رافائيل
منذ متى فقدت الوعي
أجاب وهو يواكب خطواتهم القلقة
قرابة عشر دقائق.
هل ذكرت شيئا عن أعراض سابقة
ألم حاد في البطن أخبرتني أنها لم تستطع تناول الطعام منذ أيام.
قطب الطبيب حاجبيه قائلا بتوجس
يحتمل التهاب زائدة حاد. سنجري فحوصات عاجلة.
ثم التفت
هل أنت المسؤول عنها
تردد لحظة واحدة ثم قال بثبات
نعم أنا المسؤول.
عند أبواب غرفة الطوارئ قالت إحدى الممرضات بلطف مهني متوتر
سيدي يجب أن تنتظر هنا. سنبذل كل ما في وسعنا.
أومأ رافائيل بصمت وظل واقفا عند الممر يراقب الأبواب المزدوجة وهي تغلق خلفها عالم مضطرب من الأضواء الساطعة والأوامر السرية وحركة الأقدام المتسارعة.
كل ما كان يستطيع فعله هو الانتظار.
اقترب منه الدكتور أوغوستو محاولا رسم ابتسامة ودية لكنها بدت مفتعلة بوضوح. صافح حنجرته وقال
سيد ميندس أرى أن من واجبي الاعتذار عما حدث اليوم. الموظفة المسؤولة فرنندا تم فصلها فورا. نحن لا نتسامح مع مثل هذا السلوك في مؤسستنا.
لم يحرك رافائيل عينيه عن الأبواب وهو يجيب ببرود
حقا لأن ما وصلني يؤكد العكس يؤكد أن هذا السلوك بالذات هو ما تتسامحون معه بل وتشجعونه.
تبدل لون وجه المدير.
سيدي لا أعلم ماذا قيل لك لكن
قاطعه رافائيل بصوت متماسك
قيل لي إن طرد المرضى الفقراء سياسة ثابتة وإنها تتم بموافقتك وتشجيعك. قيل لي إنكم تقيسون حياة البشر بحساباتهم البنكية.
حاول أوغوستو الدفاع عن نفسه
مع كامل احترامي ربما لا تعلم تعقيدات إدارة مستشفى خاص. لدينا تكاليف عالية وهوامش ربح محدودة. لو استقبلنا كل من لا يستطيع الدفع لأغلقنا أبوابنا خلال أشهر.
رمقه رافائيل بنظرة نافذة وقال
دعني أسألك كم بلغ صافي أرباح المستشفى العام الماضي
تردد المدير قليلا
حققنا فائضا قدره ثلاثة وعشرون مليون ريال.
كرر رافائيل الرقم ببطء
23 مليونا
ثم أردف
وكم كان سيكلف علاج العجوز الذي طردتموه قبل أربعة أسابيع ذلك الذي أصيب بأزمة قلبية ومات في الشارع على بعد عدة شوارع من هنا خمسون ألفا مبلغ تافه مقارنة بأرباحكم ومع ذلك فضلتم حمايتها على حماية حياته.
خفض
لقد حولت مكانا خصص لإنقاذ الأرواح إلى ناد يحق فيه بالحياة لمن يدفع فقط
متابعة القراءة