الفتاة التي وصلت مستشفى الأغنياء وغيّرت كل شيء

لمحة نيوز

وهو يجيب
كان لي ابنة مارينا. كانت كل عالمي. رحلت وتركتني في بيت فارغ ومال لا قيمة له.
وعندما رأيتك أمس شعرت أن روحي تعاد إلى صدري.
أخذ يدها برفق وقال
لا أحاول أن أستبدل أحدا. والدك ووالدتك سيبقيان جزءا منك دائما ومارينا ستبقى ابنتي.
لكن يمكننا أن نكون عائلة جديدة.
ارتجفت شفتاها وهي تقول
كنت أخاف الليل لأنني أظن أنني سأبقى وحدي للأبد.
قبض على يدها بقوة
ولن يحدث ذلك بعد اليوم. أعدك.
مسحت دموعها بابتسامة صغيرة
أنت تعد بالكثير
فضحك بخفة
وأفي بكل ما أعد به.
دخل الدكتور فيليبي مبتسما
جميل أن نراك مستيقظة! كيف تشعرين
وبعد فحصها طلب الحديث مع رافائيل خارجا
حالتها تتحسن لكن التعافي طويل. أسبوعان على الأقل هنا ثم متابعة غذائية ونفسية مكثفة. لقد مرت بصدمة كبيرة.
قال رافائيل بثبات
افعلوا كل ما يلزم. وبعد خروجها سأهتم ببقية الرعاية. لدي ما يضمن لها أفضل فريق.
سأله الطبيب بدهشة لطيفة
تنوي تبنيها إذن
نعم.
ابتسم الطبيب
قرار شجاع وستحتاج معه إلى الكثير من الحب.
رد رافائيل بثقة هادئة
سأتعلم كل يوم فقط لأكون أهلا له.
رغم الاجتماعات والقرارات الصارمة كان يعود دوما إلى سرير الصغيرة. يقرأ لها يحدثها ويعيد رسم الطمأنينة في عينيها.
وبالتوازي أعاد بناء المستشفى من جذوره
استقبال إنساني دون حواجز
أخصائيون اجتماعيون في الصف الأول
بروتوكول صارم أي طفل يعالج فورا وبالمجان
مراجعات جذرية وطرد كل من تلاعب بإنسانية المكان
أما إجراءات التبني فكانت تمضي بثبات. فتح حياته كلها للفحص دون تردد.
وفي إحدى الأمسيات كانت ترسم بيتا ورجلا طويلا إلى جانب طفلة صغيرة.
نظرت إليه فجأة وسألته
هل يمكنني أن أعرف كيف كانت مارينا
شعر بوخز في قلبه ومع ذلك ابتسم ابتسامة دافئة حملت الحنين كله
كانت ذكية شجاعة وضاحكة. عنيدة أحيانا. تحب الحيوانات وتريد أن تنقذ كل كلب وقط في الشارع.
رفعت رأسها وقالت بخجل
وأنا أحب الحيوانات أيضا
ضحك برقة
وأيضا كانت ترسم كثيرا.
نظرت إلى رسمها وسألته بصوت مرتجف
أتظن أنها كانت ستحبني
ترقرقت الدموع في عينيه
أنا متأكد كنتما ستصبحان صديقتين.
سألته بخجل يختلط بالخشية
أتظن أنها ستغضب إن اتخذت ابنة أخرى
جلس بقربها وقد تلألأ الحزن في عينيه
لا أظن ذلك قلبها كان كبيرا وكانت تكره أن ترى أحدا يتألم. لو استطاعت محادثتي الآن لقالت لي اعتن بها.. لا تتركها وحيدة.
هناك في تلك الغرفة الهادئة بدأ
قلبان منكسران يلتئمان ببطء.
وبعد ثلاثة أسابيع غادرت إيزابيلا المستشفى.
كان رافائيل خلال تلك الفترة قد أعاد ترتيب حياته من أجلها استعان بمهندسة ديكور حولت إحدى الغرف إلى عالم طفلة جديدة وجهز المطبخ بأطعمة صحية وحلويات صغيرة وتواصل مع مختصين لمساندتها في تجاوز الصدمات التي عاشتها.
توقفت السيارة أمام منزل كبير في حي هادئ حديقته تسبق بابه ومسبح صغير يلمع خلفه. فتحت إيزابيلا عينيها بدهشة
أأنت تعيش هنا
ابتسم قائلا
نحن نعيش هنا من الآن فصاعدا.
طاف بها في أرجاء المنزل حتى وصل غرفتها جدران بلون أزرق مريح رفوف كتب مكتب صغير يطل على الحديقة سرير دافئ ولوح رسم بألوان وفرش كثيرة.
قال برفق
أخبرتني أنك تحبين الرسم فظننت أن زاوية كهذه ستفرحك.
كانت تلمس الأشياء بتحفز وكأنها تخشى أن يختفي كل ذلك فجأة. توقفت عند صورة مؤطرة لفتاة ذات شعر أسود مجعد تبتسم بأمل.
همست بصوت متردد
أهذه مارينا
اقترب منها وقال
نعم أردتك أن تتعرفي إليها بطريقتك الخاصة.
تمتمت
تبدو جميلة ولطيفة.
أجاب بثقة وحزن متداخلين
كانت كذلك جدا.
ثم التفتت إليه بعينين يملؤهما الامتنان
شكرا لأنك أنقذتني ولأنك أحضرتني إلى هنا ولأنك تريد أن تكون أبي.
جثا أمامها مبتسما بدموع محبوسة
أنا من يجب أن يشكرك لقد منحتني سببا لأعيش من جديد لأهتم لأتذكر أن بوسعي أن أغير شيئا في هذا العالم.
في تلك الليلة نفسها عاد رافائيل إلى المستشفى لكن ليس كرجل بعيد عن الواقع بل كمالك حاضر يريد التغيير.
جمع الأطباء والممرضين والموظفين في اجتماع كبير وقفت القاعة مكتظة ونظرات القلق والترقب تملأ الوجوه.
قال بصوت قوي
مساء الخير أنا رافائيل ميندس مالك هذا المستشفى. أعلم أن معظمكم لم يكن يراني لأنني كنت أظن أن بوسعي إدارة المستشفيات من بعيد وقد كنت مخطئا.
قص عليهم ما حدث لإيزابيلا. فاحمرت وجوه وظهرت أخرى غاضبة أو مرتاحة لأن أحدا تجرأ أخيرا وقال ما كان مكتوما.
أعلن بحزم
من اليوم هذا المكان سيعود لما أسس له إنقاذ الأرواح كل الأرواح لا فقط من يملكون المال.
وتابع
نعم ستعملون أكثر سيتطلب الأمر ابتكارا ورحمة وصبرا. لكن المريض الذي يدخل من هذا الباب إنسان وليس فاتورة. المستشفى الذي يقدس الربح فقط ليس مستشفى بل شركة باهتة.
ثم قال
أنشأت مؤسسة مارينا ميندس برأسمال أولي قدره خمسون مليون ريال كي لا يرفض أي طفل هنا لعدم امتلاكه المال. وسنوسع المساعدة تدريجيا
للبالغين أيضا لن نحارب الإنسانية باسم الاقتصاد.
رأى أديمير الحارس العجوز في آخر القاعة يبكي بصمت فابتسم له.
أعلم أن كثيرين منكم طلب منهم ما يخالف قناعاتهم لست هنا لأدين أحدا بل لأقول من اليوم ليس فقط مسموحا لكم أن تفعلوا الصواب بل واجبكم أن تفعلوه. وإن حاول أحد إيقافكم فبابي مفتوح.
استمر الاجتماع ثلاث ساعات من الأسئلة والجدل والآراء لكن رافائيل خرج منه بقلب مطمئن لقد زرع بذرة تغيير حقيقي.
مر شهر وازدهرت إيزابيلا كزهرة تسقى بحنان. ارتاحت نفسيا التحقت بالمدرسة تعرفت إلى صديقات ازداد وزنها وصحتها.
وتعلم رافائيل كيف يصبح أبا كيف يربط شعرها كيف يعرف أنها تكره البروكلي وتحب الجزر وكيف تحتاج الضوء ليبقى مضاء لأنها تخاف الظلام وكيف يحتاج الطفل أحيانا فقط لأن يقال له أنا هنا.
وفي المقابل تعلمت إيزابيلا الثقة والحب والأمل.
في أحد أيام السبت أخذها لزيارة مستشفى سانتا كلارا من جديد. ارتجفت حال رؤيته
لا أريد العودة إلى هناك.
قال بابتسامة مطمئنة
لن نعود كمرضى بل لشيء أجمل. ثقي بي.
دخلت الردهة فرأت الفرق واضحا وجوه أكثر لطفا وألوان أهدأ وركن أطفال مليء باللعب والقصص.
قادها لحديقة داخلية غناء تتوسطها نصبة رخامية تحمل لوحة برونزية.
اقتربت وقرأت بصوت خافت
مؤسسة مارينا ميندس
كي يحصل كل طفل على الرعاية التي يستحقها دون استثناء
إهداء إلى مارينا صوفيا ميندس التي علمت والدها أن الحب هو أعظم دواء.
قالت منبهرة
إنه جميل
أجابها
أردتك أن تريه لأن ما حدث لك غير هذا المكان وأن أطفالا آخرين لن يعيشوا ما عشته أنت.
جاءت امرأة تحمل رضيعا تلهث امتنانا
قالوا لي إنك قد تكون هنا أردت فقط أن أشكرك.
حكت له كيف رفضتها مستشفيات ثلاث لأنها لا تملك تأمينا وكيف أنقذ سانتا كلارا حياة طفلها.
قال بلطف
لا تشكريني اعتني به فقط. هذا يكفيني.
نظرت إليه إيزابيلا بإعجاب لامع
أنقذته مثلما أنقذتني.
قال بثبات
أنا فقط أصلحت ما كان يجب أن يكون صحيحا.
وخلال مغادرتهما توقفت أمام المبنى قائلة
هذا المكان كان يخيفني اليوم أراه منارة للخير.
أجاب
وسيظل كذلك ما دمنا نحمله في قلوبنا.
تلك الليلة وقبل أن يغادر غرفتها نادته بخجل
أبي
توقفت قدماه. ارتجف قلبه. تلك الكلمة كانت أعذب من أن توصف.
أتظن والدي سعيدين بما حدث
جلس قربها وربت على كفها
متأكد لقد أحباك كثيرا وكل ما أراده والدك ووالدتك أن تكوني آمنة ومحبوبة وهذا ما
أنت عليه الآن.
ومارينا
أجاب بصوت متأثر
أظنها تبتسم سعيدة بك وبنا لأننا أصبحنا عائلة.
قالت وهي تضم الغطاء إليها
أحبك يا أبي شكرا لأنك انتشلتني ولأنك لم تتركني.
رد عليها وهو يلمس شعرها بحنان
وأنا أحبك يا ابنتي ولن أتخلى عنك أبدا.
وبعد أن غفت بطمأنينة وقف يراقب أنفاسها الهادئة وهو يفكر
الحياة تأخذ كل شيء في لحظة ثم تعيد إليك الشمس من نافذة أخرى.
لم يستطع إنقاذ مارينا سيظل ذلك الوجع ثقبا في قلبه لكنه أنقذ إيزابيلا وبإنقاذها أنقذ نفسه.
دخل مكتبه جلس أمام صورة مارينا وهمس لها
شكرا لأنك علمتني الحب لولاك ما كان هذا كله. آمل أن تعجبك أختك الصغيرة أظن أنكما كنتما ستصبحان الأفضل.
شعر للمرة الأولى منذ سنوات أن روحه تغتسل بالسكينة.
كأنها تقول له من الصورة
امض قدما يمكنك أن تسعد من جديد.
مرت الشهور وأصبح مستشفى سانتا كلارا نموذجا للطب الإنساني.
انتشرت السياسة نفسها في بقية مستشفيات الشبكة وتوسعت مؤسسة مارينا لتشمل دعم البالغين أيضا.
وصلت قصة إيزابيلا للصحافة أرادوا بطولات ودراما لكن رافائيل اشترط أن يتركز الحديث على إصلاح النظام الصحي لا على المنقذ الغني.
وبعد عام كامل على بداية تلك الحكاية عاد رافائيل وإيزابيلا إلى الساحة أمام النصب لكنهما لم يكونا وحدهما هذه المرة. كانت هناك عائلات كثيرة أطفال أنقذت حياتهم آباء يبكون شكرا.
ألقيت كلمات عن الرحمة والعدل وتحدثت كلاوديا وفيليبي وأديمير عن كرامة الإنسان قبل ربح الشركات.
ثم صعد رافائيل إلى المنصة وإيزابيلا تمسك يده.
قال بصوت مليء باليقين
كنت أظن النجاح مالا وسلطة ثم اكتشفت أن النجاح الحقيقي هو القلوب التي ساعدتها على الشفاء الأرواح التي أنقذتها والإنسانية التي استعدتها.
نظر إلى إيزابيلا وابتسم
هذه الطفلة علمتني ذلك حياة واحدة قد تغير العالم كله.
تعالت التصفيقات وامتلأت العيون دموعا.
أعلن
العام الماضي أنقذت مؤسستنا 147 طفلا كانوا سيرفضون في النظام القديم. لكل واحد منهم اسم وقصة ومستقبل. وهذا هو كل ما يهم.
وفي السيارة عائدين كانت إيزابيلا صامتة تفكر.
سألها
ما بالك
قالت بهدوء يفوق عمرها
الأشياء السيئة تحصل لكنها أحيانا تفتح أبوابا لم نتخيلها. لولا ما حدث لما وجدتك ولما تغير هذا المكان ولما نجا كل هؤلاء الأطفال.
تنهد وقال
لا يمكننا تغيير الماضي لكن يمكننا أن نسمح له بتغييرنا. الألم قد يكسرنا أو قد يصنع منا أشخاصا أفضل.
وقد اخترنا أن نكون الأفضل.
ابتسمت
وأنا أحب ذلك.
وهكذا
انتهت الحكاية.
حكاية رجل امتلك كل شيء حتى فقد روحه.
وطفلة لم تملك شيئا سوى قدرتها على أن تعيد له إنسانيته.

تم نسخ الرابط