لم تنطق ابنة المليونير يومًا بكلمة واحدة، لكن حين قدّمت لها فتاة فقيرة كأس ماء… حدث المستحيل
المحتويات
روحا بهذا الصغر
سمعت إسبرنثا الجملة فتوقفت عن الرقص واقتربت كتف إيزابيلا وربتت على شعرها بحنان
ولماذا ستغضب ماما الكلام جميل العالم يريد سماعك يا إيزابيلا.
لكن الطفلة خفضت عينيها وعادت إلى صمتها صمت لم يعد ضعفا بل صمتا محملا بالأسرار.
في ذلك المساء وبعد أن أوصل إسبرنثا إلى منزلها الصغير المتواضع وتحية سريعة لوالدتها ماريا إليناالمرأة القوية التي تعمل ليلا في تنظيف المكاتب لتؤمن لقمة العيشعاد دييغو إلى قصره الكبير لكن قلبه كان أثقل من أن يحتمل.
إيزابيلا عادت إلى صمتها
لكن دييغو لم يعد ذلك الأب الذي يشك في قدرة طفلته على النطق.
الآن السؤال تغير.
لماذا كانت صامتة
ومن الذي زرع الرعب في قلبها كلما حاولت الحديث
استقبلت كارمن الخبر بدموع لا تنتهي وهي تردد مرارا
يا إلهي بعد كل هذه السنوات إنها معجزة حقيقية!
أومأ دييغو موافقا لكن الفرح لم يستطع أن يهزم القلق الذي بدأ يكبر بين ضلوعه خصوصا مع اقتراب عودة فيكتوريا في اليوم التالي.
في تلك الليلة اتصل دييغو بزوجته في باريس يحركه الأمل من جديد. روى لها ما حدث عن إسبرنثا وعن الكلمات الأولى التي نطقتها الطفلة.
كان ينتظر منها صرخة فرح أو ضحكة امتنان.
لكن صوتها جاء غريبا باردا يطفئ كل الحماس
هل أنت متأكد ربما ظننت ما سمعت الأطفال أحيانا يصدرون أصواتا تشبه الكلام
شد قبضته على الهاتف وقال بعناد
لا. لقد سمعتها بوضوح. قالت اسم إسبرنثا ثم قالت بابا. والكل في السوق كان شاهدا!
ساد الصمت للحظة بدت أبدية. ثم قالت بصوت متوتر
حسنا انتهى الأمر إذن. سأعود بعد يومين ونتحدث حينها.
وانقطعت المكالمة فجأة تاركة خلفها فراغا ثقيلا يخنق الأنفاس.
لماذا لم تفرح
لماذا بدا القلق يغلبها بدل السعادة
ما الذي تعرفه فيكتوريا ويجهله هو
قضى دييغو الليل ساهرا يمعن التفكير في كلام ابنته
ماما ستغضب
تحولت الجملة إلى كابوس يطارده بين اليقظة والنوم.
ما الذي يحدث
ما الماضي الذي يلاحقهم
في اليوم التالي انتظر دييغو خروج كارمن للتسوق ليستغل الفرصة ويتحدث مع ابنته على انفراد.
دخل غرفتها بهدوء فوجدها جالسة على السجادة تلعب بعرائسها بنفس البراءة المعتادة وكأن شيئا لم يحدث.
جلس إلى جانبها وسألها وعيناه تحاولان الإمساك بقلبها المرتجف
إيزابيلا أمس تحدثت. نطقت كلمات جميلة. لماذا لا تريدين أن تتابعي الكلام
توقفت أناملها فوق فستان دميتها ورفعت نظرها إليه. كان الصراع واضحا في عينيها رغبة في التحرر وخوف يشدها إلى الخلف.
سألها بصوت لطيف
هل تخافين من شيء ما يا أميرتي
هزت رأسها نعم.
تنفس ببطء ثم اقترب أكثر
هل أنت خائفة من ماما
في لحظة تغير كل شيء.
انكمشت الطفلة كقطرة
شعر دييغو بأن دمه تحول إلى ثلج.
همس محاولا تهدئتها
هل قالت لك ماما شيئا عن عدم الكلام
ولأن الخوف لا يكذب جاء صوتها ضعيفا كأنه يهرب من فمها
ماما تقول إذا تكلمت ستحدث أشياء سيئة
كأن الأرض اهتزت تحته.
سألها متلعثما
أي أشياء سيئة
أجابت وهي لا ترفع رأسها
أنك ستذهب وأنك لن تحبني بعد الآن وأن الناس سيعرفون السر
السر
أي سر
من ماذا تخاف زوجته
وماذا تخفي
اقترب منها أكثر
اسمعيني يا روحي لن أتركك مهما حدث. وسأحبك دائما سواء تكلمت أو بقيت صامتة. لا يوجد سر في العالم يمكنه أن يغير ذلك.
رفعت رأسها ببطء للمرة الأولى تنظر مباشرة داخل عينيه.
سألته بارتجاف
حقا حقا يا بابا
ابتسم وهو يمسح شعرها برفق
حقا وأكثر كثيرا من الحق.
ومحاولة منه لتخفيف العبء عن قلبها الصغير سألها
هل ترغبين أن نذهب لرؤية إسبرنثا اليوم
اختفى الخوف للحظة واشتعل نور جميل في عينيها.
هزت رأسها بحماس جعل قلبه ينبض أملا من جديد.
ذلك المساء وحين توقفت السيارة في الزاوية المعتادة التي اعتادت إيزابيلا النزول فيها لم تنتظر إسبرنثا لحظة واحدة. ركضت بكل ما تحمل قدماها الصغيرتان من حماس وابتسامة عريضة تملأ وجهها السمح.
هتفت بلهجة يغمرها الأمل
إيزابيلا! هل تحدثت أكثر اليوم
فتحت إيزابيلا النافذة بالكامل ومالت بجسدها الصغير إلى الخارج بينما كان دييغو يحدق بها مأخوذا فقد كان يسمع صوتها واضحا مستقيما بلا أي تلعثم أو خوف.
قالت بمرح خجول
مرحبا يا إسبرنثا كيف حالك اليوم
شهقت إسبرنثا بفرح طفولي خالص واستدار جسدها كله كمن تلقى هدية من السماء
أنت تتكلمين بشكل رائع! لم تعودي خائفة إذن!
ردت إيزابيلا بصوت ناعم يشوبه صدق طفلة ما زالت تكتشف نفسها
ما زلت أخاف أحيانا لكن معك أشعر بأنني بخير أشعر أنني أستطيع الكلام.
كان دييغو يراقب هذا الحوار القصير لكنه بالنسبة إليه كان حدثا بحجم المعجزة. فرح غامر يغلفه قلق عميق كأنه يقف على حافة سر خطير على وشك الانكشاف. لم يعد لديه أي شك
إيزابيلا تستطيع الكلام.
إذن ماذا فعلت فيكتوريا بابنته حتى تبقي صوتها حبيس الصمت كل تلك السنوات
اقترب من إسبرنثا وسألها بلطف
إسبرنثا هل تودين أن تأتي معنا اليوم نريد أن نريك منزلنا وإيزابيلا لديها ألعاب كثيرة تود أن تشاركك اللعب بها.
اتسعت عينا الصبية المندهشة كمن لا يصدق
حقا بيت رجل غني مثل القصور التي نراها في التلفاز
قهقهت إيزابيلا ضاحكة ضحكة لم يسمعها والدها منذ زمن مؤلم ثم قالت بفخر طفولي
نعم! لكن الأجمل من كل ذلك الحديقة!
وتابعت بحماس
هناك مسبح وأرجوحات وستعجبك كثيرا!
وخلال الطريق المتجه
حقا لديكم مسبح
وكم عدد الغرف
وهل عندكم بستاني يهتم بالزهور
وكانت إيزابيلا تجيب عن كل سؤال بابتسامة أكبر من سابقتها كأن لسانها عاد إلى الحياة بعد سنوات من الأسر.
وجود إسبرنثا لم يحرر صوتها فحسب بل حرر روحها كلها.
وما إن توقفت السيارة أمام القصر الضخم حتى بقيت إسبرنثا متجمدة في مكانها لثوان طويلة.
الحدائق المترامية الأشجار المشذبة بعناية النافورة الرخامية التي تتلألأ تحت ضوء المصابيح
كل ذلك بدا لعينيها كعالم من الحكايات بعيد تماما عن شقتها الضيقة في حي متواضع.
همست بذهول صادق
إيزابيلا أنت تعيشين في قصر حقيقي!
شدت إيزابيلا يدها بخفة وقالت بحماس
تعالي! سأريك غرفتي!
وعلى العتبة وقف دييغو يراقب ما يحدث بقلب يضج بالعواصف
ابنته تركض تضحك تتحدث دون خوف.
هكذا كان يجب أن تكون حياتها دائما لولا أن شيئا مظلما منع ذلك.
في غرفة إيزابيلا التي امتلأت رفوفها بعرائس وكتب وألعاب لا تحصى فتحت إسبرنثا فمها من الدهشة وقالت بانبهار
لديك ألعاب أكثر من كل ألعاب محل وسط المدينة!
ضحكت إيزابيلا برقة وسألتها
هل تريدين اللعب نستطيع أن نلعب ما تشائين!
تركهما دييغو يمرحان وذهب سريعا إلى مكتبه حيث التقط الهاتف واتصل بالدكتور راميريز طبيب ابنته العصبي دون أي مقدمات
دكتور أريد إجابة واضحة هل يوجد دواء يجعل طفلة تفقد قدرتها على الكلام
ساد صمت ثقيل قبل أن يأتي صوت الطبيب متوترا
من الناحية الطبية نعم. هناك أدوية تؤثر في مراكز النطق أو تسبب صمتا انتقائيا. لماذا تسأل
قال دييغو وصدره يضيق غضبا
إيزابيلا بدأت تتحدث فجأة وبشكل طبيعي جدا. لكنها تخشى أن تعرف أمها.
ارتفع توتر الطبيب على الطرف الآخر
هذا أمر خطير يا سيد دييغو. أحضرها فورا لنعمل تحاليل الدم. إن كانت تتلقى دواء من دون إشراف طبي يجب أن نعرف ما هو.
أنهى دييغو المكالمة ويده ترتعش. كان يعلم أنه اقترب من حافة الحقيقة القاسية.
عاد إلى الغرفة ليجد الطفلتين تجلسان على السجادة وتثرثران كعصافير الفجر. وما إن رأته إيزابيلا حتى ابتسمت وقالت ببراءة مطلقة
بابا كنت أخبر إسبرنثا عن ماما عن سفرها الدائم وعن أنها حتى عندما تعود تبقى مشغولة ولا تتحدث معي كثيرا.
جلس دييغو بالقرب منهما وسألها بلطف
وماذا أيضا يا صغيرتي
قالت وهي تقلب إحدى الدمى بين يديها
ماما تعطيني دواء خاصا كل ليلة تقول إنه يساعدني على النوم وكي لا أتفوه بأشياء قد تؤذي الناس.
تجمدت نظرات دييغو. وتوقفت يده في الهواء كأن الزمن انكسر.
سألها بصوت حذر
ما شكل هذا الدواء
حبوب صغيرة بيضاء ماما
ارتسمت على وجه إسبرنثا علامات رفض وقلق وقالت
للفتيات مثلك ماذا تعني
أطرقت إيزابيلا رأسها وهمست
ماما تقول إنني مختلفة. وإن بداخلي شيئا سيئا قد يؤذي بابا إن خرج بالكلام.
انقبض قلب دييغو وكاد يفقد السيطرة على أعصابه.
طفلته الصغيرة كانت تعتقد أن صوتها خطر!
سألها وهو يحاول أن يبتلع غضبه
متى كانت آخر مرة تناولت ذلك الدواء
قبل سفر ماما بثلاثة أيام. أي قبل أن أقابل إسبرنثا بيوم واحد فقط.
بدأت خيوط اللغز تتشابك أمام عينيه.
لم يكن ما حدث معجزة
بل كان تحررا من قيد كيميائي وضع لها عمدا.
اقتربت إسبرنثا من صديقتها وعانقتها قائلة بنبرة ثابتة وصوت يفيض محبة
ليس فيك شيء سيئ يا إيزابيلا. أنت أطيب وأجمل فتاة عرفتها في حياتي.
رفعت إيزابيلا رأسها وعيونها تلمع برجفة السؤال
حقا تعتقدين هذا
ابتسمت إسبرنثا بثقة وأجابت
نعم! وصوتك جميل فلا تسمحي لأحد أن يسجنه مرة أخرى.
في تلك الأمسية وبعد أن رافق دييغو إسبرنثا إلى شقتها البسيطة تعرف أكثر إلى والدتها ماريا إلينا امرأة شاحبة القسمات تحمل على كتفيها تعب الليالي الطويلة وهي تنظف المكاتب لتؤمن لطفلتها حياة كريمة قدر المستطاع. شكرها بامتنان على لطف إسبرنثا مع ابنته ثم عاد إلى قصره وهو يشعر أن خطواته أثقل من الجبال لكن قلبه يحمل عزما لم يعرفه من قبل.
ما إن دخل منزله حتى اتجه مباشرة إلى غرفة إيزابيلا. فتح درج المنضدة الصغيرة بجانب سريرها الوردي. يداه ترتعشان وهو يفتش. وبعد لحظات مرعبة وجد ما كان يبحث عنه
علبة دواء بيضاء لا تحمل أي ملصق طبي واضح.
حدق فيها طويلا كأنها سلاح ارتكبت به جريمة. ثم أغلق قبضته عليها ووضعها في جيبه وأمسك هاتفه يتصل بالدكتور راميريز بصوت جاف من شدة التوتر
دكتور وجدت العلبة.
أحضرها مع إيزابيلا غدا صباحا. سنحلل محتواها ونجري الفحوص اللازمة لها.
في تلك الليلة كانت إيزابيلا شخصا جديدا. على طاولة العشاء كانت تضحك وتحكي دون توقف عن إسبرنثا وعن المرأة الطيبة التي تبيع التاكو وعن الأيام الثلاثة التي شعرت فيها بأنها حرة لأول مرة في حياتها.
كارمن لم تحاول إخفاء دموعها
يا رب أهذه معجزة بعد كل ما رأيناه
أومأ دييغو موافقا لكنه كان يعرف في أعماقه أن الأمر أبعد ما يكون عن المعجزات.
غدا تعود فيكتوريا.
وغدا ستسقط أقنعة كثيرة.
عندما حان وقت النوم أمسكت إيزابيلا بيده بخوف طفولي وقالت
بابا هل أستطيع أن أنام معك لا أريد أن أكون وحدي.
لم يتردد لحظة. حملها وجعلها تنام بجانبه.
أما هو فلم يعرف النوم طريقا إلى عينيه. قضى الليل يراقب تنفسها الهادئ وهي بين يديه أخيرا آمنة.
مع أول ضوء للفجر كان قلبه
اليوم سيعرف الحقيقة.
في المستشفى الخاص حيث يعمل الدكتور راميريز بدا الزمن قاتلا في بطئه. دييغو يمشي ذهابا وإيابا في الممر الطويل عيناه معلقتان بباب
متابعة القراءة