لم تنطق ابنة المليونير يومًا بكلمة واحدة، لكن حين قدّمت لها فتاة فقيرة كأس ماء… حدث المستحيل
المحتويات
المختبر. لم ينم لم يأكل كل ما يشغل باله هو ابنته وصوتها الذي عاد للحياة.
وأخيرا في تمام الثامنة صباحا خرج الطبيب ونادى اسمه بملامح لا تبشر بشيء هين.
قاد دييغو إلى مكتبه أغلق الباب بإحكام وقال بنبرة منخفضة
سيد ميندوزا أرجو أن تجلس. ما سأقوله سيغير كل شيء.
جف حلق دييغو وهو يتمسك بمسند المقعد.
قل لي ماذا وجدتم
أخذ الطبيب نفسا عميقا
التحاليل أظهرت وجود مزيج من مهدئات خفيفة ودواء يستخدم عادة في بعض الاضطرابات النفسية المعقدة.
توقف لحظة ثم أكمل بحزم
بالجرعات الموجودة في دم إيزابيلا يمكن لهذا الدواء أن يمنع مبادرة الطفل بالكلام وأن يسبب انعزالا وصمتا طويلا.
أطبق دييغو جفنيه بقوة وكأنه تلقى لكمة مباشرة في صدره.
لكن الطبيب لم ينته
كما وجدنا آثار دواء آخر يؤثر على الذاكرة القصيرة الأمد ما يعني أن الطفلة كانت تمر بحالات ضبابية في تذكر ما يحدث حولها.
رفع دييغو رأسه ببطء وصوته ينكسر
لكن لماذا من يمكنه فعل هذا إنها طفلة!
نظر الطبيب إليه بعينين تملؤهما الشفقة والقلق
ثمة أمر أخشى أن أذكره لكنه ضروري.
تجمدت أنفاس دييغو في صدره.
تحدث
قال الطبيب بنبرة ثقيلة
خلال الفحوص قمنا باختبار DNA لأننا اشتبهنا في وجود إساءة ممنهجة ضد الطفلة والنتيجة أن إيزابيلا ليست الابنة البيولوجية لزوجتك.
اهتز العالم من حول دييغو.
لم يعد يسمع سوى صدى جملة واحدة تتردد في رأسه
ليست ابنتها ليست ابنتها
تمتم بالكاد يسمع صوته
كيف لقد أخبرتني فيكتوريا أنها ابنتها من رحمها
أجاب الطبيب ببطء
إيزابيلا ابنتك أنت بلا شك. أما زوجتك فلا رابط وراثي بينها وبين الطفلة.
بدأت صور الماضي تمر أمام عيني دييغو كوميض خاطف
برود فيكتوريا نفورها من إيزابيلا إصرارها على أن تتكفل الخادمات بتربيتها سفرها الدائم
وذلك الدواء الليلي الذي كانت تصر عليه!
هل هل تعتقد أن فيكتوريا دخلت حياة إيزابيلا بعد رحيل أمها الحقيقية بالكذب
قال الطبيب بصراحة قاسية
ممكن لكن نمط إعطاء الدواء يدل على شيء أكثر خطورة من إخفاء حقيقة التبني.
ثم نهض من مكانه ونظر إلى دييغو بعين الطبيب لا الصديق
سيد ميندوزا ما يحدث هنا ليس خلافا عائليا. إنها قضية قانونية لحماية طفلة تعرضت لإساءة منهجية.
يجب التواصل مع السلطات فورا.
في تلك اللحظة أدرك دييغو أنه أمام حرب
حرب من أجل ابنته
من أجل الحقيقة
ومن أجل أن لا يصمت صوت إيزابيلا مرة أخرى.
خرج دييغو من المستشفى بخطوات متثاقلة كأن جسده يسير دون روح. كان وجهه شاحبا وعيناه زائغتين لا تستقران على شيء. كل ما بناه في حياته زواجه أسرته أحلامه كان يتهاوى أمامه كجدار من الرمل.
اهتز جيب معطفه. نغمة الهاتف تقطع الصمت الذي كان يخنقه.
نظر إلى الشاشة فيكتوريا.
فتح الخط فجاء
دييغو طائرتي ستهبط عند السادسة مساء. كيف حال إيزابيلا هل توقفت عن تلك التخيلات
ابتلع غصة كادت تخنقه. ذلك الجمود في نبرة صوتها كان يتسلل إلى صدره كسم بطيء.
قال محاولا السيطرة على اضطرابه
علينا أن نتحدث عندما تعودين فيكتوريا. أمور كثيرة تحتاج توضيحا.
ردت بجفاء حاد
وأنا كذلك. لدي معلومات مهمة بشأن الطفلة لا بد أن تعرفها.
وانقطعت المكالمة تاركة خلفها ذعرا يتصاعد داخله.
لقد شعرت أو ربما تأكدت بأنه بدأ يكشف المستور.
عند عودته إلى المنزل لمح إيزابيلا من بعيد في الحديقة تلعب مع كارمن. كانت تضحك وتدور حول نفسها وفي يدها دمية مفضلة لديها. وما إن رأته حتى ركضت نحوه بقلب يفيض طفولة
بابا! هل يمكن أن نذهب لرؤية إسبرنثا اليوم أريد أن أريها كتاب قصتي الجديد!
انحنى يشم رائحة شعرها التي تشبه رائحة صباح دافئ
بالطبع يا أميرتي. لكن هناك أمر أود أن أسألك عنه أولا.
جلسا تحت شجرة جاكاراندا تتساقط أزهارها البنفسجية بخفة حولهما. نظر في عينيها العسليتين وقال بصوت يكاد يتشقق
إيزابيلا هل تتذكرين حين كنت أصغر هل تتذكرين أمك الحقيقية قبل فيكتوريا
تجمدت ملامحها لحظة ثم تاه بصرها في السماء كأنها تلاحق ذكرى بعيدة
أحيانا أحلم بسيدة جميلة كانت تغني لي أغاني هادئة. شعرها بني مثل شعري ورائحته مثل الزهور التي تحبها كارمن.
شعر دييغو بأن قلبه يتوقف عن النبض.
همس بصوت مختنق
وماذا أيضا ماذا تتذكرين منها
مسحت بأناملها الصغيرة على دميتها وقالت
كانت تقول لي إنها تحبني جدا لكنها مضطرة للذهاب بعيدا. وبعدها أصبح كل شيء ضبابيا ثم جاءت ماما فيكتوريا.
سألها بحذر شديد
ومتى جاءت فيكتوريا
فكرت طويلا ثم أجابت
أظن عندما كان عمري ثلاث سنوات لكن لم أحب أن تلمسني. كانت يداها باردتين دائما.
شحب وجهه تماما.
في المساء أخذها إلى شقة إسبرنثا كما وعد. كانت الشقة بسيطة لكنها دافئة مليئة بضحكات الطفولة ورائحة المخبوزات التي تعدها ماريا إلينا.
بينما كانت الفتاتان تلعبان جلس دييغو مع ماريا إلينا في المطبخ الصغير حيث وضعت أمامه كوب قهوة ساخنة وقالت بخجل
سيد دييغو اعذر جرأتي. لكنني امرأة عاشت كثيرا. هذه الصغيرة تحمل في عينيها بصمات خوف خوف قديم.
رفع رأسه بقلق
ماذا تعنين
هزت رأسها بأسف
هناك أطفال يصمتون ليس لأنهم لا يريدون الكلام بل لأن الحقيقة التي يحملونها قد تدمر عالمهم إن نطقت. إسبرنثا كانت هكذا بعد رحيل والدها لكن إيزابيلا نظرتها نظرة طفلة أجبرت على الصمت حتى لا تفضح ما لا يمكن فهمه.
ارتجف قلبه.
أكملت
زوجتك ستعود الليلة أليس كذلك وأنت تخشى وجودها لأن وجودها قد يؤذي الطفلة وربما آخرين أيضا.
لم يستطع الكلام. اكتفى بإيماءة بطيئة.
قالت بابتسامة
دع الصغيرة تبقى الليلة معنا. البيت متواضع لكن قلوبنا كبيرة. هنا ستكون بخير.
كاد يبكي من الامتنان
هذا أكثر مما أستحق نعم أرجوكي هذا هو القرار الصحيح.
وعندما أخبر إيزابيلا بأنها ستنام هنا الليلة قفزت بسعادة
مثل حفلة مبيت حقا
ضحك بحنان
نعم ليلة واحدة فقط. وغدا آتي لآخذك.
صرخت إسبرنثا
سنبقى مستيقظتين نتحدث حتى الصباح!
وحين ودعها قال
تذكري دائما أنا أحبك أكثر من العالم كله.
رفعت رأسها بقلق طفولي
وأنا أحبك يا بابا لكن هل كل شيء بخير
قال بابتسامة تمتزج فيها الطمأنينة بالحزن
كل شيء سيصبح بخير يا أميرتي. أعدك.
في السادسة والنصف مساء جلس منتظرا في غرفة الجلوس بالقصر. صمت ثقيل يلتهم المكان.
ثم صوت باب المدخل.
دخلت فيكتوريا بكامل كبريائها حقائب فاخرة خطوات واثقة ورائحة عطر نفاذة تملأ القاعة. كانت في الثانية والثلاثين ما تزال جميلة لكن في عينيها بريق قاس لم يلحظه سابقا.
قالت بحدة
أين إيزابيلا
أجاب دون أن يرمش
عند صديقة.
ثم وقف مواجها لها بكل ما في داخله من عاصفة
فيكتوريا يجب أن نتحدث.
رفعت حاجبها بسخرية
بكل سرور. لكن أولا يجب أن تتناول إيزابيلا دواءها. أين أخذت الحبوب
جمد الدم في عروقه.
قال متظاهرا بالدهشة
أي حبوب يا فيكتوريا
نظرت إليه بعينين تضيقان كفم أفعى
لا داعي للتمثيل يا دييغو. الحبوب التي تبقيها هادئة التي تمنعها من التحدث بما لا ينبغي قوله.
اقترب منها خطوة
وما الذي لا ينبغي لها قوله
ذهبت إلى بار المشروبات وصبت لنفسها كأسا ببرود أميرة شريرة
الأمور التي تتعلق بأمها الحقيقية وبما حدث حقا قبل ثلاث سنوات.
تسارعت أنفاسه
فيكتوريا ماذا حدث تكلمي.
رفعت عينيها إليه مباشرة
أمها اكتشفت شيئا شيئا كان سيحطم كل ما أملكه. اكتشفت أنني كنت أختلس أموال الشركة منذ سنوات طويلة. مبالغ ضخمة رحلت إلى حساباتي في أوروبا.
شل الصمت المكان.
تابعت بابتسامة باردة
كاتالينا أتذكر هذا الاسم كاتالينا هيريرا سكرتيرتك السابقة وأم ابنتك.
انهارت في رأسه صور من الماضي شعر بني ينسدل على كتفيها ضحكتها الهادئة تلك الليلة في غوادالاخارا خبر حملها ثم الحادث!
همس بصوت مبحوح
لكنها ماتت في حادث سيارة! هذا ما قيل لي
قهقهت قهقهة قصيرة جافة بلا ظل حياة في ملامحها ثم قالت بنبرة باردة لا ترحم
يا دييغو الحوادث لا تكون دائما من فعل القدر. أحيانا يكفي أن نرتب بعض الظروف حتى يصبح وقوع الحادث نتيجة منطقية جدا.
تقاطعت ذراعاها أمام صدرها وكأنها تخبره بأمر عادي لا يحوي أي جرم خلفه
السلطات رأت الأمر مجرد حادث مأساوي وانتهت القضية في دقائق. لا أحد تساءل ولا أحد بحث أبعد من السطح والملف أغلق للأبد.
ازدادت أنفاسه ثقلا وهو يحدق فيها بذهول مكتوم
هل هل تخبرينني
أومأت برأسها بخفة ورفعت كتفيها بلا أي إحساس
سمه ما تشاء أما أنا فأفضل أن أطلق عليه حماية للمستقبل. كان علي أن أضمن ألا يدمر أحد ما بنيته بجهدي ومهارتي.
ثم مالت قليلا للأمام تمسح بيديها الناعمتين على طرف الكرسي كمن يزيح غبارا تافها
وأخذت الطفلة لأنها كانت الخطر الأكبر. الأطفال خزائن ذاكرة لا تتوقعها يا دييغو. يظن الكبار أنهم ينسون لكن الحقيقة أنهم يخزنون بانتظار اللحظة التي يبوحون فيها بكل شيء.
شهق دييغو بعمق وكأن قلبه سقط داخل صدره
كنت تعطينها الدواء لتخدري عقلها! لتضعفي ذاكرتها وكلامها! فقط حتى لا تتذكر أمها ولا شيء من جريمتك!
ابتسمت ابتسامة صغيرة باردة باردة حد القتل
كان الدواء مجرد مرحلة انتقالية وسيلة حتى يحين الوقت المناسب. كنت أخطط لإرسالها بعيدا مدرسة داخلية في بلد لا يعرفها أحد أو أسرة أخرى تتكفل بها المهم ألا تبقى هنا أمام عينيك وأمام ملفاتنا.
بدأت خطواتها تقترب منه ببطء كأنها ذئب يقترب من فريسة منهارة
لكن الآن وبما أنها استيقظت من صمتها وبدأت تتذكر فنحن بحاجة إلى حل آخر. حل نهائي مستقر لا رجعة فيه.
تحرك دييغو فجأة يقف شامخا رغم الارتعاش الذي يسري في كل أوصاله. صوته خرج هذه المرة كزئير مكتوم
لن تلمسيها بعد اليوم. لن تقتربي من ابنتي خطوة واحدة. انتهى الأمر يا فيكتوريا انتهى.
كانت الكلمات وعدا وتهديدا وبداية حرب لن تنتهي إلا بخسارة أحدهما لكل شيء.
ابتسمت فيكتوريا بثقة باردة ورفعت ذقنها كمن يظن نفسه المنتصر في آخر جولة من معركة طويلة قذرة.
قالت بنبرة ناعمة تخفي خلفها شراسة الذئاب
أوه يا عزيزي لعلك نسيت شيئا بالغ الأهمية. من الناحية القانونية أنا أم إيزابيلا بالتبني. جميع الأوراق الرسمية وقعت عليها بيديك وبكامل رضاك أو هكذا سيظن القانون.
تقدمت خطوة نحو دييغو وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة لا تحمل أي رحمة
ثم لا تنس أنك شاركت دون أن تدري في قرارات مالية مشبوهة كنت أديرها باسمك. لو ذهبت إلى الشرطة قد تنكشف ملفات لا تحصى وساعتها لن تتلطخ سمعتي وحدي. الفضيحة ستطالنا معا.
اتسعت ابتسامتها وهي تضيف
قد نخسر كل شيء لكن لا تتوقع أن أتحمل المسؤولية وحدي.
سألها دييغو بصوت متوتر
أين إيزابيلا ماذا فعلت بها
ضحكت فيكتوريا بخبث ثم رفعت هاتفها أمام وجهه كمن يكشف ورقة رابحة
لا داعي لأن تخبرني بشيء لدي من يتابعكم منذ أسابيع. أعرف بالضبط أين تختبئ صغيرتك الآن.
على الشاشة ظهرت صورة لإيزابيلا وإسبرنثا تلعبان ببراءة في الشقة المتواضعة حيث تعيش ماريا إلينا.
لكن ضحكة فيكتوريا انطفأت فجأة وحل مكانها الجليد
للأسف تلك الأحياء الشعبية مليئة بالمخاطر تمديدات كهربائية رديئة
لم تصف نيتها بكلمات مباشرة لكن المعنى كان واضحا كالشمس.
إيزابيلا في خطر مميت.
قال دييغو برجاء
متابعة القراءة