زوجته السابقة حضرت زفافه
المحتويات
يشبهونها كثيرا
لكن دانيال لم يجب. عيناه كانتا معلقتين بالباب الذي خرجت منه إيما منذ دقائق قليلة. الباب الذي بدا الآن كأنه يقوده إلى عالم آخر عالم كان بإمكانه أن يكون عالمه لو لم يخطئ.
شعر أنه يريد أن يركض خلفها أن يوقف الزمن أن يقول شيئا أي شيء.
لكن الفرصة التي ضيعها يوما ذهبت إلى غير رجعة.
استمر الحفل شكليا فقط صور تلتقط موسيقى تعزف ضحكات مصطنعة لكن البهجة اختفت تماما.
كان كل من ينظر إلى دانيال يدرك أنه لم يعد موجودا بينهم. جسده واقف أما روحه فقد تبعت تلك المرأة وأطفالها.
أما صوفيا فابتسامتها أصبحت متكلفة تقاتل من أجل الحفاظ على كبريائها أمام جمهور مترف لا يرحم.
بعد أن انفض الجمع وعاد الفندق إلى هدوئه الفخم جلس دانيال على شرفة جناحه الواسع.
أما الكأس الموضوعة أمامه فلم يقترب منها كانت فارغة كفراغ قلبه.
تحت قدميه كانت المدينة تتلألأ بأضوائها لكنه شعر أنها باهتة بلا معنى.
فتح هاتفه لعله يشتت أفكاره فسقطت عيناه على عنوان كبير يتصدر أحد مواقع الأعمال الشهيرة
إيما لارسن مؤسسة E M A Studio تفوز بجائزة العام للإبداع والتصميم.
ضغط على المقال وبدأ يقرأ الكلمات التي مزقت ما تبقى من ثباته
بدأت إيما مسيرتها كنادلة بسيطة تكافح من أجل لقمة العيش لكن بإصرارها
ضحك دانيال بمرارة أو ربما كان بكاء ضاع صوته داخل صدره.
هو يعرف كيف بدأت لأنه كان بداية قصتها.
وهو من اختار أن يكون نهاية مؤلمة في أحد فصولها.
هي من آمنت به حين لم يفعل أحد هي من تحدت العالم لأجله هي من دفعت ثمن صعوده ثم دفعته خارج حياتها عندما استغنى عنها.
والآن
ها هي تقف في قمة لم يتوقع أحد أن تبلغها بينما ينهار هو داخل نفسه شيئا فشيئا.
دخلت صوفيا الغرفة وثوبها الفاخر يلمع تحت الأضواء. صوتها أشبه بحد سكين وهي تقول
كنت تنظر إليها طوال الحفل أليس كذلك
لم يلتفت إليها.
لم ينطق حرفا.
فازداد غضبها وقالت بحدة
إن كنت لا تزال تفكر في تلك المرأة فربما كان علي أنا أن أرحل قبل أن أرتبط بك!
رفع دانيال عينيه إليها نظرة جامدة لا حياة فيها
افعلي ما تشائين يا صوفيا لقد فقدت كل شيء يمكن أن أخشاه.
سكتت لثوان غير معتادة على هذا الانطفاء المخيف في ملامحه ثم خرجت غاضبة وتركته للظلام والذكريات.
أعادته ذاكرته إلى ليال بعيدة
إلى تلك الشرفة الصغيرة في شقتهما القديمة حين كانت إيما تجلس بجانبه على كرسي خشبي مهترئ
كان يشعر حينها أن العالم كله يبتسم معه.
تذكر كيف كانت تضع رأسها على كتفه وتقول له بإيمان مطلق
يوما ما سنبني شيئا جميلا شيئا يحمل اسمنا معا.
نعم قالت معا.
لكنه اختار أن يكمل الطريق طويلا وحده.
أغمض عينيه بشدة كأنه يريد أن يهرب من نفسه لكنه لم يعد قادرا على الهروب.
ذلك الفراغ الذي صنعه بيديه ابتلعه بالكامل.
وفي الجهة الأخرى من المدينة حيث يزدهر النجاح كانت إيما جالسة على أرضية شقتها الدافئة بجوار أطفالها الثلاثة.
الأوراق الملونة مبعثرة والأقلام الصغيرة ترسم منزلا جميلا تحيط به الأشجار والسماء الزرقاء.
ضحكت قائلة بصوت حاني
منزلكم سيكون أجمل من هذا بكثير فقط استمروا في الحلم.
انفجرت ضحكات الأطفال حولها فشعرت أن كل انتصار حققته في حياتها كان من أجل تلك اللحظات البسيطة.
وقفت بعدها قرب النافذة تحمل فنجان قهوتها وتتأمل اللوحة المضيئة على المبنى المقابل
E M A Studio
اسم اختارته ليجمعها بأطفالها لا بأحد غيرهم.
رفعت عينيها إلى السماء وهمست بدعاء أقرب للامتنان
أحيانا تكون النهاية أشد رحمة مما نحزن عليه لأنها الطريق الوحيد لولادة بداية جديدة.
لم تكن بحاجة إلى تصفيق الحشود
ولا إلى رجل يمنحها قيمة
لأنها اليوم تعرف قيمتها جيدا.
وفي مكان آخر
جلس دانيال في شقته الفاخرة لكنه كان وحيدا جدا.
حدق في صورته المنعكسة على الزجاج وسأل نفسه بصوت مبحوح
هل يمكن أن يعود الزمن
لكن الصمت كان الجواب الأوضح
لا
لقد ضاعت الفرصة.
والحياة لا تتوقف لتمنح نادمين فرصة أخرى.
كان الليل قد استقر فوق المدينة والسكون يلف شوارعها المخملية بينما بقي دانيال وحيدا في شرفته العالية يحدق في الفراغ الممتد أمامه. رفع الكأس أمام عينيه فرأى انعكاس وجه متعب رجل يملك كل شيء إلا ما يتمنى قلبه امتلاكه فعلا. وضع الكأس جانبا دون أن يجرؤ على تذوق ما فيه فكل ما يحاول أن يبتلعه يخنقه بدل أن يخفف ألمه.
لم يكن الصمت وحده من يرافقه بل كانت الذكريات تتجسد أمامه كأشباح تستعيد قوتها كلما حاول الهروب منها. تذكر لحظة مد فيها يده نحو المال والترف تاركا خلفه قلب امرأة أحبته دون شروط. تذكر كيف تخلى عنها حين احتاجته أكثر من أي وقت مضى وها هي اليوم تعود إلى حياته من جديد لكن لا كمنكسرة بل كمنتصرة تضيء طريقها بكرامتها.
وفي الشقة الأخرى لم تكن إيما أقل يقظة منه. رغم التعب الذي بدا على وجهها كانت عيناها تشعان بقوة امرأة رفضت أن تستسلم. عقب نوم أطفالها جلست أمام مكتبها الصغير تتقدمها ملفات التصاميم وخطط المشروعات المقبلة. مر إصبعها
متابعة القراءة