زوجته السابقة حضرت زفافه
الأمل مثلها تماما.
كانت إيما تناضل لتثبت لنفسها قبل الجميع أنها تستحق الحياة التي صارت عليها. لم تعد تفكر في الماضي إلا كوقود يشعل نهوضها ويذكرها دوما ألا تعود للوراء أبدا.
وفي أعماق قلبها كانت تدرك أن لقاءها بدانيال لم يكن مصادفة. شعرت به يراقبها في الحفل كمن يرى حياته الضائعة تمر أمام عينيه. لكنها كانت تعرف أيضا أن ما مضى لن يعود وأن الأبواب التي تنغلق خلف الخذلان لا تفتح مرة أخرى بسهولة.
في اليوم التالي استيقظ دانيال على ضوء شمس جاف لا يحمل أي دفء. ارتدى ملابسه ببطء واتجه إلى المكتب محاطا بنظرات الموظفين الذين يراعون كلماته وتصرفاته لا بدافع الاحترام بل بالخوف من رجل لم يعد يرى شيئا أمامه.
في اجتماع مهم فاجأه أحد الشركاء بسؤال عن مشروع كانت إيما تعمل عليه سابقا حين كانت جزءا من أفكاره. صدمه ذكر اسمها في سياق العمل كأنه طعن في مكان لم يلتئم بعد.
قال له مدير العمليات
لقد
ساد الصمت القاعة.
لم يتمكن دانيال من الرد فقد كان يتهرب من الحقيقة زمنا
هو لم يخسر امرأة... بل خسر شريكته في النجاح مصدر إلهامه وسبب أحلامه الأولى.
أما إيما فكانت في مقابلة تلفزيونية تتحدث بثقة عن رحلتها
من السهل أن يقع الإنسان لكن الأصعب هو أن ينهض وهو يحمل ذاته لا جراحه فقط. ما تعلمته أن الماضي ليس قيدا بل جسرا نمر من فوقه نحو ما نستحقه.
كانت الجملة كالسهم الذي اخترق شاشة التلفاز واستقر مباشرة في صدر دانيال. شعر كأنها تخاطبه دون أن تذكر اسمه. ضغط على جهاز التحكم وأغلق الشاشة بقسوة لكن صدى كلماتها ظل يرن في رأسه.
مرت الأيام وكل واحد منهما يعيش حياة على طرف النقيض من الآخر. إيما تقطف ثمار صبرها وتبني مستقبلا مليئا بالألوان كما يرسمه أطفالها. أما دانيال فكان يغرق ببطء في بحر الامتلاء المزيف تتناقص أنفاسه كلما ازداد حسابه
وفي إحدى الليالي بعد صمت طويل أخذ هاتفه وكتب رسالة قصيرة لإيما.
كانت أصابعه ترتجف وقلبه يخفق بما يشبه الرجاء
هل يمكن أن نتحدث ولو مرة واحدة فقط
قرأ الرسالة عدة مرات قبل أن يضغط زر الإرسال.
لكن في اللحظة الأخيرة مسح كل كلمة كتبها ثم ترك الهاتف جانبا وتنهد بمرارة.
كان يعرف الحقيقة المؤلمة
هو لا يملك الحق في طلب فرصة من امرأة أعادت بناء نفسها بعد أن هدمها.
في ذات الوقت كانت إيما تلبس أطفالها قبل أن تخرج بهم إلى المدرسة. كانت ابتسامتها حقيقية تخرج من روح مؤمنة بأن الخير ما زال موجودا رغم كل ما مر بها. وحين أغلقت الباب خلفها توقفت لحظة تنظر إلى لافتة شركتها تضيء الواجهة.
كانت تلك الأضواء بالنسبة لها وعدا
لن يعود الظلام ما دامت تؤمن بنورها الداخلي.
عاد دانيال إلى شرفته القديمة تلك الليلة. جلس على الكرسي ذاته حيث كانت إيما تضع رأسها على كتفه يوما ما. تحسس المكان بجانبه كأن
قال بصوت متهدج يخاطب الهواء
سامحيني... لو كان للندم صوت لسمعته المدن كلها.
لكن لا أحد أجابه.
فالحياة لا تستمع إلى من يتكلم متأخرا.
وفي الجهة الأخرى حين وضعت إيما أولادها في أسرتهم نظرت إليهم بحنان وهم يغطون في نوم هادئ بعد يوم مليء بالضحك. قبلت رؤوسهم واحدا واحدا ثم أغلقت الباب بلطف.
وقفت عند نافذتها تتأمل القمر المعلق في السماء كحارس للطرق المظلمة التي اجتازتها. ابتسمت وقالت بصوت بالكاد يسمع
أنا ممتنة للطريق بكل جروحه... لأنه قادني إلى هنا.
وأخيرا لم يكن هناك منتصر ومهزوم.
كان هناك من ضيع فرصته باختياراته
ومن صنع قدره بشجاعته.
دانيال بقي ينظر من أعلى ناطحته نحو الحياة التي تمر وتتركه خلفها.
أما إيما
فكانت تسير وسط الحياة نفسها تترك أثرها مع كل خطوة.
ولأن الحقيقة دائما واضحة مهما تجاهلناها
بعض الطرق نفقد فيها من نحب
لنجد أنفسنا أخيرا.
النهاية
لكنها لإيما