الطفلة التي وُلدت تحت عاصفة… وتبنّاها عشرة قلوب من حديد

لمحة نيوز

الطفلة التي ولدت تحت عاصفة وتبناها عشرة قلوب من حديد
كانت العاصفة تلك الليلة أعنف مما اعتادته المدينة الجبلية الواسعة. الثلج يتساقط كأن السماء تنفض حمولتها دفعة واحدة والريح تهب كالوحش حين يستيقظ غاضبا من سباته الطويل فتضرب الجدران وتصفع النوافذ وتترك خلفها صدى يشبه أنين الأرض نفسها. وعلى أحد الأرصفة المتجمدة تحت عمود إنارة محطم لا يصدر سوى ضوء مرتعش كانت امرأة شابة تنكمش على نفسها تحبس صرخة وتمسك بطنها كما لو كانت تحاول منع الألم من التهامها.
اسمها إيميلي كارتر في الخامسة والعشرين وحيدة منذ زمن لم تعد تتذكر بدايته. ضاعت منها الطرق وضاعت معها البيوت التي يمكن أن تلجأ إليها وبقيت تتنقل بين الأزقة كظل يبحث عن دفء يتجنبه الجميع. لم يكن في جيبها سوى ورقة قديمة لا تحمل قيمة ولا في قلبها سوى رجاء ضعيف بأن تمر الليلة دون أن تموت.
لكن تلك الليلة لم تكن ليلة عادية. فبينما كانت الرياح تعوي كانت آلام المخاض تعصف بجسدها العاري من الحماية. تشبثت بحافة حاوية

معدنية وأسندت ظهرها إليها ورأسها يتدلى بتعب ورموشها مغطاة بقطع الثلج الحادة. همست بصوت قيدته القشعريرة 
ليس هنا أرجوك ليس هنا.
لكن الطبيعة لا تستجيب لضراعة من لا يملك مكانا في عالمها. فجأة انقبض جسدها بقوة وتمزق صمت الليل بصرخة خرجت من أعماق الأسى لا من الألم وحده. ثم لحظة فاثنتان حتى انشقت العاصفة عن صوت آخر صوت بكاء صغير بكاء حياة تولد على عتبة الموت.
نظرت إيميلي إلى مولودتها بين ذراعيها المرتجفتين ملفوفة بسترتها الممزقة. كان وجه الطفلة ورديا كزهرة صغيرة خرجت من قلب الجليد. دمعتاها انزلقتا على خديها قائلتين بصوت لا يكاد يسمع 
أنت معجزتي يا صغيرتي.
لكن الجسد البشري أضعف من أن يتحمل زمهريرا كهذا. أحست بأن حرارتها تهبط كأنها تسحب منها وأن نبضها يتراجع خطوة بعد خطوة. لم تعد تسمع سوى دقات قليلة متباعدة كأن قلبها نفسه يستعد للرحيل.
رفعت بصرها إلى الشارع الخاوي وقالت بصوت مكسور 
لو وجدك أحد شخص طيب فقط شخص طيب
ثم انطفأ صوتها وبدأت عيناها
تغلقان كأنهما تطفئان آخر نور في عالمها.
لكن قبل أن يبتلع الصمت كل شيء دوى في البعيد صوت هدير ثقيل هدير يشبه زمجرة مخلوقات فولاذية تشق الجبال. ثم ظهرت الأنوار عشر كتل ضخمة تتحرك عبر العاصفة محركاتها تهدر وكأنها قادمة من عالم آخر. كانت دراجات نارية ضخمة تلمع مصابيحها المخترقة للثلج كسهام من نور يقودها رجال عريضي الأكتاف يرتدون سترات ثقيلة وقفازات سوداء.
توقفت الدراجات دفعة واحدة حين لمح قائدهم جاك تومبسون جسدا على الأرض. رفع رأسه وقال بصوت يعلو هدير الريح 
توقفوا! هناك أحد على الطريق!
ضغطت الدراجات على مكابحها فانزلقت عجلاتها على الجليد وركضت امرأة من بينهم تدعى ميا إلى الأمام. وما إن اقتربت حتى شهقت 
يا إلهي! إنها امرأة وطفلة!
جثا جاك على ركبتيه بجانب إيميلي ولما رأى وجهها الأزرق الشاحب وشفتيها المرتجفتين أدرك أن اللحظات على وشك الانتهاء. فتحت إيميلي عينيها بالكاد وبمجرد أن رأت شعار الذئب المرسوم على سترته ارتجفت من الخوف. لكن صوت جاك جاء
هادئا رقيقا على غير ما يليق برجل ضخم مثله 
اهدئي أنت بأمان الآن.
حاولت الرد فجاء صوتها كهمسة متكسرة 
أرجوكم خذوها ليس لها أحد أعدوني أعدوني أن تعتنوا بها
ضاقت عينا جاك وظهر في صوته شيء يشبه الغصة وهو يقول 
أعدك.
ابتسمت ابتسامة بالكاد ترى ثم همست بكلمة وحيدة 
اسمها هوب
وانزلقت يدها من يده كزهرة تتساقط من غصنها الأخير.
ساد صمت ثقيل. حتى العاصفة بدت وكأنها خففت من قوتها احتراما للحظة. حمل جاك الطفلة الصغيرة يلفها بسترة ثقيلة بينما وقف الرجال حوله رؤوسهم منحنية. لم يكن أحد منهم بحاجة لكلمات ليفهم أن تلك الليلة لن تمحى من حياتهم.
انطلقت الدراجات عبر الثلج نحو المستشفى تحمل بين أيديها خيطا رفيعا من الحياة بينما بقيت خلفها على الطريق البارد قصة بدأت بالألم وستنتهي بشيء يشبه المعجزة.
حين وصلت الدراجات إلى المستشفى في تلك الليلة كان الأطباء قد استعدوا لاستقبال أي حالة طارئة بسبب العاصفة لكنهم لم يتوقعوا أن يروا رجالا ضخاما يقتحمون الباب
حاملين رضيعة صغيرة تهتز من
تم نسخ الرابط